محمود بيرم التونسي : شكل ثنائيات مع كبار الملحنين فطبع نتاجاتها بلغة ذات خصوصية رسمت مساراً تبعه كثيرون

شعار كتاب الأغاني الثاني
زجال شهير ، تنوعت محاور نشاطه ، ولذا سأسلط الضوء على حياته وفنه ، في الجانب الغنائي على الغالب ، وعلى الروائع الغنائية التي نظمها وانتشرت ، والتي طبع من خلالها ألحان من عملوا معه من الملحنين بطابعه الخاص، فأصبحت يميز الأغاني التي نظم كلماتها ، بغض النظر عن الملحن..

بيرم 6

ولد محمود بيرم عام 1893 في الإسكندرية من أصل تونسي . التحق بالكتّاب حيث تعلم مبادئ القراءة والكتابة، وشغف بالقراءة فكان يقرأ كل ما يقع تحت يده من الصحف والمجلات والكتب، كما اختلط بأهل البلد وعاش حياتهم وتطبع بطباعهم حتى تكونت له روح شعبية أصيلة.

توفي والده وهو في الرابعة عشرة من عمره ، فواجه الحياة وحيداً فقيراً. بدأ في النسج على منوال من سبقه من الكتاب والشعراء ، الذين استعملوا اللغة المصرية الدارجة في كتاباتهم ، مثل عثمان جلال وعبد الله النديم ، ثم اشتغل بالصحافة فكان ينشر أزجاله في الصحف الفكاهية التي كانت تصدر في الاسكندرية حينئذ.

بداية الشهرة

قصيدة المجلس البلدي – محمود بيرم التونسيمع أن بيرم التونسي اشتهر بالزجل ، فقد كان الشعر الساخر هو الذي فتح له طريق الشهرة من خلال قصيدته ” المجلس البلدي ” ، التي عُرفت أيضاً باسم ” بائع الفجل ” . كتب محمود بيرم القصيدة ، عندما طالبه المجلس البلدي في الإسكندرية بمبلغ كبير ، كعوائد عن المنزل الصغير الجديد الذى اشتراه ، وذهب بها إلى جريدة “الأهالي” ، التي كانت تختص بمهاجمة سراي الملك و الاستعمار الإنجليزي ، فأعجب رئيس تحرير الجريدة “عبد القادر باشا حمزة” بالقصيدة ، ونشرها ، فنالت شهرة كبيرة ، وفتحت له الأبواب ، ما جعله يقرر إحتراف مهنة الأدب.


مع سيد درويش

أصدر بيرم في عام 1919 مجلة ” المسلة ” في الاسكندرية ، و كانت صوتاً ثورياً جريئاً ، هاجم الاحتلال ، ونقد الحكومة والحكام ، وصور المجتمع في صور أدبية ما زالت حية تنبض إلى اليوم. انتقل إلى القاهرة ، حيث واصل حملته على الاستعمار ورجال الحكومة ، عبر متابعة إصدار مجلته ، التي احتوت على هجوم صريح لاذع على الأسرة المالكة ، وما كان يدور في قصورها. لم تستطع الحكومة أن تقوم بأي إجراء ضده في البداية ، لكونه تونسياً متمتعاً بالحماية الفرنسية ، ضمن ما كان يعرف من حماية للأجانب ، ولكنها أوقفت مجلته المسلة ، كما أوقفت مجلته الثانية ” الخازوق” ، قبل أن تستصدر أمراً من القنصلية الفرنسية بإبعاده عن مصر ، وهكذا تم ترحيله إلى تونس، موطن أجداده ، التي تركها إلى فرنسا ، ومنها استطاع بيرم أن يتسلل إلى مصر ، بعد مدة قضاها في الغربة والتشرد ، ولجأ إلى صديقه سيد درويش ، الذي كان تعرف إليه في الاسكندرية ، فآواه لمدة عنده ، وهنا قدما أوبريت شهوزاد ( أصبح اسمها شهرزاد ) ، التي عبرت عن واقع أساليب الحكم وشهوة التسلط بأسلوب ساخر . تضمنت المسرحية أناشيد حماسية نظمها بيرم ولحنها سيد درويش ، ومنها هذا النشيد : أنا المصري كريم العنصرين بصوت ابراهيم حمودة في تسجيل يعود لعام 1957 ، كما تضمنت لحن دقت طبول الحرب الذي كان أول تجربة بوليفونية في الغناء العربي.


مع محمد عبد الوهاب

قُبض على بيرم مجدداً عام 1932 ، ونفي إلى فرنسا ، ليواجه أياماً قاسية ، ويصاحب الجوع والتشرد.

ولكن غربته لم تمنعه من التواصل مع مصر ، عبر كتاباته ، التي كان يرسلها إلى مجلات : الشباب ،  و النيل ، و الفنون ، و الإمام. عاد بيرم إلى تونس وتابع الكتابة في صحفها ، فضاقت به السلطات الفرنسية ونفته إلى الشام ، حيث قبض عليه المعتمد الفرنسي ، وأمر بنفيه مرة أخرى إلى فرنسا عام 1937. استفاد بيرم من توقف الباخرة في بورسعيد ، وتسلل إلى القاهرة ، حيث توسط بعض محبيه لدى السلطات لتغض النظر عنه .

كان محمد عبد الوهاب أول من تعاون معه ، في أغنية ” البرتقـال ” ، التي قدمها عبد الوهاب مع رئيسة رحمي في فيلم ” يحيا الحب ” . عُرض الفيلم لأول مرة في 24 يناير / كانون الثاني 1938 في سينما رويال بالقاهرة.


مع الشيخ زكريا أحمد في المسرح الغنائي

في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي ، كان الشيخ زكريا أحمد مهتماً بالمسرح الغنائي في محاولة لمتابعة مسار الشيخ سيد درويش في المسرح الغنائي ، وكان طبيعياً أن يلتقي مع  بيرم التونسي ، صديق سيد درويش ، وأن تجمعهما صداقة نادرة ، جعلتهما ثنائياً إبداعياً قل نظيره .. من نتاج تلك الفترة كانت أغنية ” يا حلاوة الدنيا ” التي قدمتها فتحية أحمد في سياق مسرحية “يوم القيامة” عام 1940.


عام 1941 يشهد بداية التعاون بين زكريا وبيرم مع أم كلثوم

ابتداءً من عام 1941 ، أطلقت أم كلثوم ، في مسار فني مناقض للمسار الذي اعتمده الأستاذ محمد عبد الوهاب  في قصائده الإذاعية المتتالية :  ” الجندول ” و ” الكرنك ” و كليوبترة ” ، مساراً تطريبياً ، مع الثنائي بيرم التونسي و زكريا أحمد  ، مخصص للغناء على المسرح ، يعتمد التتالي الانفعالي في اللحن، حيث يتصاعد اللحن في جمل لولبية ، وصولاً إلى ذروة تطريبية ، تبرز جمال صوت أم كلثوم ، وتستثير استحسان الجمهور . استطاع بيرم أن يكتب النصوص ، التي تأقلمت مع متطلبات هذا الشكل التلحيني ، الذي ابتدعه زكريا ، متأثراً بمدرسة الغناء في القرن التاسع عشر. كانت فاتحة هذا المسار أغنية ” أنا وانت ظلمنا الحب ” و كان من أهم أغنياته:  “حبيبي يسعد أوقاته ” ،” أنا في انتظارك ،” و “الآهات ” ..

اهتم بيرم بتطوير النظم في قالب الطقطوقة ، مواكباً طموحات زكريا أحمد ، فكتب أشكالاً حوارية في إطارها ، كما ورد في أغنية ”  جُل لي ولا تخبيش يا زين ” التي تضمنت أسئلة وأجوبة بين المجموعة وأم كلثوم ، أو في أغنية ” الأوله في الغرام ” ، حيث يبدأ النص بمجموعة من الأبيات لها قافية محددة ، ثم يطور بيرم المجموعة ذاتها ، فيكررها ، مع إضافة جملة في آخر كل منها ، تطور المعنى ، و تشكل بمجموعها قافية جديدة..   الأولة-في-الغرام-لأم-كلثوم .

استمر التعاون مع أم كلثوم في هذا المسار حتى عام 1948 ، بسبب خلاف طرأ بين أم كلثوم و الشيخ زكريا أحمد حول الحقوق الفنية ، مسبباً قطيعة استمرت 12 سنة ، إلى أن تصالحا عام 1960 ، فعاد الشيخ زكريا أحمد لأم كلثوم وقدم لها ، بناءً على نصٍ لبيرم ، إحدى روائعها : ” هو صحيح الهوى غلاب ” ، حيث عبر النص عن تلك العودة.. وبررها!

تجدر الإشارة إلى أن أم كلثوم غنت من نظم بيرم ولحن السنباطي ، في عام 1955 ، رائعتها ” شمس الأصيل ” ، كما غنت عام 1971 ، بعد وفاة بيرم بعشر سنوات ، ومن نظمه أيضاً ، ولحن السنباطي ” رائعة اخرى : ” القلب يعشق كل جميل “.

غنت أم كلثوم 68 عملاً غنائياً من ألحان زكريا أحمد ، كان منها 27 من نظم بيرم.

مع فريد الأطرش

إلى جانب الثنائي بيرم التونسي وزكريا أحمد ، وبشكل متزامن ، أي في عام 1941 ، نشأ ثنائي آخر تشكل من بيرم التونسي وفريد الأطرش ، أطلق أول أعماله في فيلم انتصارالشباب ، في نكهة مختلفة ، سيطرت فيها المواويل والمشاهد المسرحية الغنائية والاستعراضات ، التي حفلت بها أفلام فريد الأطرش ، ومن ذلك استعراض ” بساط الريح ” ، وأوبريت ” غُنا العرب ” ، مع صباح  ، وأغنيات مثل ”  أحبابنا يا عين ” ، و” لُقا الأحبة “، ويا لله توكلنا “..

استفاد فريد من إقامة بيرم في الشام أثناء نفيه إليها ، ومن إتقانه لهجتها ، فغنى من نظمه مواويل ذات نكهة شامية كان منها مثلاً : موال صدّوك عني العدا ..

ومثلما أقامت أم كلثوم نوعاً من التوازن ، وكثيراً من التنافس ، بين خطي رياض السنباطي مع قصائد أحمد شوقي ، و زكريا أحمد مع بيرم التونسي ، اختط فريد توازناً آخر بين أعماله مع بيرم وأعماله مع مأمون الشناوي ، مطلقاً مع الشناوي مساراً سمي مسار الأعمال الكبيرة ، ومنها : ” حبيب العمر ” و ” الربيع ” ، و ” حكاية غرامي ” ، و ” أول همسة ” ..

بقي بيرم في أوضاع قلقة ، إلى أن قامت ثورة الثالث والعشرين من يوليو/ تموز عام 1952 ، فمنحته الجنسية المصرية ، فيما رحل عن هذه الدنيا ، يوم الخميس ، الخامس من يناير/ كانون الثاني عام 1961 ، وهو تاريخ يخالفه صديق عمره زكريا أحمد ، إذ سجل في مفكرته الشهيرة بدقتها ، أن وفاته كانت في اليوم التالي ، ثم لحقه بعد أربعين يوماً!

د. سعد الله آغا القلعة

 

Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.