عبد الوهاب في قصيدة الجندول : بناءٌ جديدٌ للقصيدة الإذاعية في زمن حرب .. ؟؟

شعار كتاب الأغاني الثاني

علي محمود طه

علي محمود طه


أغنية..  بنت صُدفة

كان الشاعر علي محمود طه مهندساً ينشر قصائده في المجلات المصرية الكبيرة ، نشر قصيدته الجديدة في صحيفة الأهرام، وهي تروي رحلته إلى مدينة البندقية، و يتذكر خلالها الأهرام والنيل. قرأها الأستاذ عبد الوهاب بالصدفة ، فاجتذبت انتباهه ، ولحّن الجزء الأكبر منها مباشرة أثناء قراءته لها ، ثم أراد أن يُنجز هذا التلحين، فاتصل بالشاعر محمود علي إسماعيل، طالباً منه الإذن بتلحين هذه القصيدة لأنه ظنّها من نظمه ، ولكن الأستاذ محمود علي إسماعيل قال له إنها ليست لي، إنها لـ علي محمود طه ، فاتصل به الأستاذ عبد الوهاب ، واتفق معه على تلحينها ، مفتتحاً معه تعاوناً امتد على عدة قصائد منها : يا حبيبي أقبل الليل بصوت نادرة الشامية ،  وكليوبترة وفلسطين .. بصوته.

المقال التالي يعرض لقصيدة الجندول بالتحليل ، متوقفاً أولاً عند النص ، والأبيات التي اختارها عبد الوهاب منه ، ومركزاً على تحليل أسلوب  تلحين القصيدة ، بحسبانها أولى قصائد عبد الوهاب الإذاعية ، ما يقود التحليل إلى التوقف عند ملامح القصيدة الإذاعية التي أرساها عبد الوهاب وتبعه فيها الآخرون لاحقاً..


قصيدة .. أم موشح .. أم ما بينهما ؟
جاءت القصيدة في سبع كتل ، اختار منها الأستاذ عبد الوهاب أربع ، تشكلت كل كتلة من جزأين ، كما سنرى ، الجزء الأول مكون من أربع شطرات متماثلة القافية  ، تتغير بتغير الكتل ، فيما أتى الجزء الثاني أيضاً ، من أربع شطرات متماثلة القافية ، ولكنها ثابتة للأجزاء الثانية في جميع الكتل ، وهي حرف ساكن ، فراء مفتوحة ، فهاء ساكنة. استلهم الشاعر هذا الشكل الشعري من فن الموشحات ،  الذي يتشكل أيضاً من عدة كتل ، تتشكل كل كتلة من جزأين ، ولكن عادة يكون الجزء الأول ثابت القافية بين الكتل ، والجزء الثاني متغيرها، فيما أتى في هذه القصيدة معاكساً ، وأستطيع بالنتيجة أن أقول ، بأن القصيدة في الواقع اعتمدت قالب الموشح الشعري ، بشكل معكوس.. ولعل هذا القالب كان من العناصر التي اجتذبت انتباه عبد الوهاب إلى القصيدة ، إلى جانب أبعادها الأخرى ..  لنتابع الكلمات حيث تم تلوين الأبيات المتكررة  في الغناء والقوافي الثابتة باللون الأحمر..

أين من عيني هاتيك المجالي … ياعروس البحر ياحلم الخيال
أين عشاقك سُمّار الليالي … أين من واديكِ يامهد الجمال
موكب الغيد وعيد الكرنفال … وسرى الجندول في عرض القنال
بين كاس يتشهى الكرم خمره
وحبيبٍ يتمنى الكأس ثغره
التقت عيني به أول مرّه
فعرفت الحب من أول نظره
***
مر بي..  مستضحكا في قرب ساقي … يمزج الراح بأقداح رقاق
قد قصدناه على غير اتفاق … فنظرنا , و ابتسمنا للتلاقي
وهو يستهدي على المفرق زهره
ويسوي بيد الفتنة شعره
حين مست شفتي اول قطره
خلته ذوب في كأسي عطره
أين من عيني هاتيك المجالي … ياعروس البحر يا حلم الخيال
***
ذهبي الشعر , شرقي السمات … مرح الأعطاف , حلو اللفتات
كلما قلت له : خذ . قال : هات … ياحبيب الروح يا أنس الحياة
أنا من ضيَّع في الأوهام عمره
نسي التاريخَ أو أُنسيَ ذكره
غير يومٍ لم يعد يذكر غيره
يوم أن قابلته أول مرّه
أين من عيني هاتيك المجالي … ياعروس البحر يا حلم الخيال
***
 قلت والنشوة تسري في لساني … هاجت الذكرى فأين الهرمان؟
أين وادي السحرصداح المغاني؟ أين ماء النيل؟ أين الضفتان؟
آه لو كنت معي نختال عبره
بشراعٍ تسبح الأنجم إثره
حيث يروي الموج في أرخم نبره
حلم ليلٍ من ليالي كليوبتره
أين من عيني هاتيك المجالي … يا عروس البحر , ياحلم الخيال

عبد الوهاب الأكثر تفاعلاً مع تقانات عصره : الغناء للإذاعة في زمن الحرب
قدم الأستاذ عبد الوهاب هذه ( القصيدة ) في عام 1940 ، مفتتحاً بها عدة خطوط جديدة في مسيرته التلحينية الحافلة ، أولها خط القصائد الإذاعية ، التي أصبح لها عند عبد الوهاب خصائص تميزها ، كعادته في بناء شخصية جديدة لكل أغنية تندرج في إطار تقنية جديدة أو ظروف جديدة ، وثانيها مبدأ تنويع الشعراء ، وهذا موضوع آخر..

محمد عبد الوهاب

محمد عبد الوهاب في الأربعينات

استفاد عبد الوهاب من شيوع تقديم قصائد إذاعية خلال الحرب العالمية الثانية ، بعد أن كان التركيز أكثر على الأعمال الغنائية للسينما ، التي كانت ، كما أرسى معالمها عبد الوهاب في فيلم الوردة البيضاء عام 1933 ، قد تميزت بعناصر كثيرة توقفتُ عندها بالتفصيل في برنامج ” عبد الوهاب مرآة عصره ”  ، أهمها ، فيما يخص موضوعنا هذا ، قصر مدة الأغنية .
كانت الحرب قد تسببت في نمو دور  إذاعات الدول المتصارعة ، وأهمها إذاعات ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا ،  الموجهة للعرب ،  في سعيها لاجتذاب المستمعين لمتابعة أخبار الحرب ، وفق وجهة نظر كل إذاعة ، مع تفضيلها للقصائد لأنها موجهة للعالم العربي.
تميزت القصائد المطلوبة بطول نسبي، إذ كانت المدة الوسطية حوالي 27 دقيقة لأغلب القصائد الإذاعية ، ومن هنا ، وبعد أن كنا تابعنا قصائد إذاعية للسنباطي والقصبجي وفريد الأطرش، لم تبتعد عن الأساليب التي كانت سائدة ، مكتفية بتكرار المقاطع لتحقيق المدة المطلوبة ، وابتداء التسجيل بتقاسيم على العود مثلاً / يمكن مراجعة قصيدة يا لعينيكِ لأسمهان مع السنباطي ، أو أضنيتني بالهجر لفريد الأطرش، كنماذج عن تلك القصائد التي تعود للفترة ذاتها/ ،  فإننا نجد أن عبد الوهاب ، كعادته ، يتأقلم مع المدة الجديدة بأسلوب آخر ، مبدعاً لها مميزات خاصة ، إذ لجأ إلى اعتماد أسلوب الأداء الإلقائي ، الذي أتى في شخصية تجمع بين المغني والراوي والشاعر .. إضافة إلى تقطيع الجملة اللحنية حسب الجملة المغناة ، ( مرَّ بي – ذهبي الشعر .. )  وكان هذا جديداً في الغناء العربي ، كما لجأ  إلى تنويع الأجواء التلحينية، فجمع التطريب والرومنسية ، وإلى  دمج القوالب الغنائية، إذ جمع إلى عناصر قالب القصيدة ، الامتدادات الصوتية ، و التغييرات الإيقاعية مع لوازم موسيقية مفاجئة من قالب المونولوج الرومنسي ، و تكرار غناء بعض الأبيات من قالب الطقطوقة ، و الغناء المرسل من الموال ،  وخاصة عندما سمح النص بمضامين تتوافق مع مضامين قالب الموال كالحكمة: أنا من ضيع في الأوهام عمره ، كما استفاد من المدة ، فاعتنى بالمقدمة الموسيقية ، التي أتت أولاً مع تموّجات لحنية تعبّر عن تموّج الماء قبل أن يستقل الشاعر الجندول  ، وهو الزورق الذي يعبر بين شوارع مدينة البندقية الممتلئة بالماء في البندقية، حيث تجري أحداث قصة الجندول،  وعندها يدخل الناي المنفرد مع الإيقاع ليعبر عن بدء المسير..

نسخة الأسطوانة
اللحن المنشور هنا هو لتسجيل الأسطوانة ، وهو تسجيل مختصر فرضته شروط المدة الممكنة لتسجيل وجه من وجهي الأسطوانة ، أما التسجيل الإذاعي فكان كما أسلفنا بحدود 27 دقيقة ، وكانت هذه هي المدة المعتمدة لجميع القصائد الغنائية ، وخاصة في إذاعة لندن ، ولعلها المدة بين نشرتي أخبار..!

محمد عبد الوهاب في قصيدة الجندول – أسطوانة

تم تحليل قصيدة الجندول بشكل كامل ، في الحلقة التاسعة – القسم – 1 من  البرنامج التلفزيوني ” عبد الوهاب مرآة عصره  “ ، الذي تم نشره على الموقع في إطار مشروع كتاب الأغاني الثاتي .

د. سعد الله آغا القلعة

 

Tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.