الحقوق الفكرية في المجال الموسيقي والحدود القانونية بين الاقتباس والسرقة

شعار كتاب الأغاني الثانييضمن القانون حقوق الإبداع والأداء والإنتاج والنشر لأي منتَج فني أو فكري أو إبداعي ، بحيث يحميه من السرقة و الانتحال و النسخ ، كما يحدد القواعد الناظمة للمقابل المادي لهذه الحقوق ، لدى نشر ذلك المنتَج.

صورة كتاب حقوق المؤلف 1954 مصرظهرت أول صياغة قانونية للحقوق الفكرية والفنية عالمياً في مدينة برن بسويسرة عام 1886 ، ضمن ما سمي اتفاقية برن ، ثم عدلت تلك الاتفاقية لاحقاً مرات عديدة. بالمقابل ، لم يعرف الشرق الحقوق الفنية إلا متأخراً ، إذ كان معظم الملحنين يغنون ألحانهم ارتجالاً ، ويضيفون عليها في كل مرة ، في ظل الافتقاد إلى أدوات التسجيل ، كما كانوا يغنون من ألحان غيرهم ، دون أي حواجز. يؤكد هذا ، مثلاً ، أن عبده الحمولي ، المطرب الأهم في نهاية القرن التاسع عشر في مصر ، ومنافسه محمد عثمان ، كانا يتداولان ألحانهما في حفلاتهما ، وكان الحمولي كثيراً ما يتناول ألحان محمد عثمان ، من أدوار وموشحات ، فيغْنيها ، ويضيف عليها في كل مرة مرتجلاً ، فيكررها الآخرون ، ويعيد عثمان تنظيمها ، حتى تستقر في شكلها النهائي.

كان قانون حماية المؤلف المصري رقم 354 لعام 1954  ، أول قانون يصدر لحماية الحقوق الفنية في العالم العربي ، كنتيجة طبيعية للنهضة الموسيقية التي شهدتها القاهرة بعد الحرب العالمية الأولى ، وقد مر صدوره بمسارين : فني وقانوني.


المسار الفني

بدأ الحديث عن الحقوق الفنية في مصر منذ نهاية العشرينات ، عندما سعى مغنون لإعادة تقديم أغنيات ناجحة. حدث هذا ، مثلاً ، عندما قدمت أم كلثوم مونولوج ” إن كنت أسامح ” عام 1928 ، من ألحان محمد القصبجي وكلمات أحمد رامي ، فانتشر وبيع من أسطواناته ربع مليون أسطوانة  ، وكان رقماً قياسياً في زمانه ، فسعت منيرة المهدية لتسجيله بصوتها ، في محاولة للدفاع عن موقعها أمام اندفاعة أم كلثوم. تجدد الحديث عن الحقوق الفنية في نهاية الثلاثينات ، عندما سعى ملحنون ، بالمقابل ،  لإعادة تقديم أغنيات من ألحانهم بأصوات جديدة مبهرة . كان هذا عندما سارع مدحت عاصم فقدم لأسمهان ، أولاً ، عند عودتها إلى القاهرة عام 1938   ، أغنية ” يا حبيبي تعال الحقني ” التي سبق أن قدمها لماري كويني لتغنيها في فيلم ” زوجة بالنيابة ” ، ثم لحقه محمد القصبجي ، فقدم لها لحنه لقصيدة ” ليت للبراق عيناً ”  ، بعد أن كان قد غناها كل من ابراهيم حمودة ، ليت للبراق عيناً بصوت ابراهيم حمودة ، ثم حياة محمد ، في فيلم ” ليلى بنت الصحراء  ” عام 1936 ، ما تسبب في إقامة حياة محمد دعوى دعوى قضائية أمام المحاكم ، لتحصيل حقوقها في الأغنية ، بعد أن شاعت واشتهرت بصوت أسمهان ، دون أي حسم للقضية.

بقيت مسألة الحقوق دون معالجة واضحة ، إلى أن بدأ الضرر يمس أصحاب شركات الأسطوانات ، عندما بدأت الإذاعة المصرية بطباعة الأسطوانات ، ثم بثها ، ثم عندما ظهرت آلات التسجيل ، في الأربعينات ، إذ سهّلت النسخ ، بعد أن كان نسخ الأسطوانات لا يتم إلا في المعامل ، ما جعل من حفظ الحقوق الفنية ، للمنتج والناشر ، مسألة ملحة ، كان سيستفيد منها معهم المؤلفون والملحنون ، دون المغنين!

هو صحيح الهوى غلّاب : عبَّرت ، نصاً ولحناً وأداءاً ، عن الأسف على ضياع 12 عاماً من الإبداع ، بسبب خلافٍ حول الحقوق الفكرية!

مصالحة أم كلثوم مع زكريا أحمد بوجود القاضي

مصالحة أم كلثوم مع زكريا أحمد بوجود القاضي

تم التأكيد على الحقوق الفنية في مرحلة تالية، عندما أصبحت سبباً في الخلاف الكبير بين زكريا أحمد وأم كلثوم بعد فيلم فاطمة عام 1948 ، الذي انتهى مع ولادة أغنية : هو صحيح الهوى غلّاب. وفي الواقع لم تكن هذه الأغنية أغنية عادية في مسيرة حياة السيدة أم كلثوم ، إذ أنها لخصت 12 عاماً من البعد بينها وبين الشيخ زكريا أحمد ، بسبب خلافٍ نشب بينهما عام 1948 ، بعد فيلم فاطمة ، حول الحقوق الفكرية والفنية للملحن .
كان الشائع أن يشتري المغني اللحن والنص لمرة واحدة، وهو مارفضه زكريا ، مستنداً إلى عقدٍ كان وقعه مع الإذاعة في منتصف الثلاثينات ، يقضي بأن يحصل ، مقابل ألحانه ، على 5% من أجر أى مطرب أو مطربة يغني اللحن . استثنى العقد أم كلثوم ، تاركاً تحديد النسبة للتفاوض حسب الأغنية ، فيما كانت أم كلثوم ترى أنها تشتري اللحن لمرة واحدة.
أقام زكريا الدعوى على الإذاعة أمام المحاكم المصرية ، ثم ضم إليها السيدة أم كلثوم ، وطالبهما ، متضامنين ، بدفع مبالغ كبيرة ، وصلت إلى آلاف الجنيهات. دام النظر في القضية حوالي 12 سنة ، صدر خلالها ، وفي عام 1954 تحديداً ، قانون حماية الملكية الفكرية والفنية في مصر الذي حمل الرقم 354 ، وقضى بحفظ حقوق الملحن والشاعر و الناشر ، ما أبرز توجهاً قانونياً جديداً ، أثر على مسار القضية.
انتهت المحاكمة بمصالحة في يوم 25 كانون الثاني / يناير 1960 ، قام بها المستشار عبد الغفار حسني ، القاضي الذي كان سيحكم في القضية ، وكان محباً لفن أم كلثوم وزكريا. قضت المصالحة بأن يلحن الشيخ زكريا لأم كلثوم ثلاث أغنيات خلال العام 1960 ، مع تحديد المقابل المالي لذلك مسبقاً. وضع #بيرم_التونسي رفيق عمر زكريا نص الأغنية الأولى: ” هو صحيح الهوى غلّاب ” معبراً عن المصالحة التي تمت ، وعن لسان حال زكريا وأم كلثوم ، وهما أيضا رفيقا عمر ، قائلاً :

هو صحيح الهوى غلاب … معرفش أنا
والهجر قالوا مرار وعذاب .. واليوم بسنه

صاغ زكريا اللحن على مقام الصبا ، معبراً أيضاً عن أسفه على ضياع تلك السنوات ، فيما غلف الأسى تعبير أم كلثوم لدى أداء الأغنية ، التي أتوقف عندها بالتحليل لاحقاً.
أدت أم كلثوم الأغنية لأول مرة في حفل يوم 1 كانون الأول / ديسمبر 1960 ، وكان من اللافت أنها قدمت في الحفل ذاته ، أغنية ” حب إيه اللي انت جاي تقول عليه ” ، في أول عرض لها ، ومن ألحان الملحن الشاب آنذاك : بليغ حمدي.
لم يستطع زكريا أن يستكمل بنود المصالحة ، إذ رحل عن هذه الدنيا يوم 14 شباط / فبراير 1961 ، وكان سبقه رفيق عمره بيرم التونسي ، في 6 كانون الثاني / يناير 1961.

تبرز الصور المرفقة للتسجيل ، المصالحة التي تمت بين ام كلثوم وزكريا أحمد ، بوجود القاضي عبد الغفار حسني.


المسار القانوني

فريد غصن

فريد غصن

أسهم فريد غصن ، الملحن اللبناني الذي أقام في مصر لفترة طويلة ، في تحريض قوننة الحقوق الفنية في مصر ، ثم في لبنان . سافر غصن مع منيرة المهدية إلى تونس عام 1932 ، للعمل معها هناك . التقى في تونس بوكلاء تابعين لجمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى ( الساسيم )  ، التي تتخذ من باريس مقراً لها ، وتعمل على حفظ الحقوق الفكرية والأدبية للملحنين والكتاب ومنتجي المصنفات الموسيقية ، من خلال تحصيل نسبة سبعة في المئة من دخل أداء أي أغنية ، سواء أكان ذلك في حفل أم في عرض تلفزيوني أو إذاعي أم في أسطوانة ، ليوزّع نصف المبلغ المحصَّل على المؤلف والملحن ، فيما يوزع النصف الآخر على المنتج والناشر مناصفة ، شرط أن يكونوا أعضاء منتسبين للجمعية المذكورة ، فانتبه إلى أهمية الجمعية في توفير دخل للملحنين ومؤلفي الأغاني ، ما دفعه للسفر إلى فرنسا ، حيث قدّم إمتحاناً موسيقياً لإثبات قدراته الموسيقية التلحينية ، وبنتيجة ذلك انضم إلى الجمعية ، وكان أول عربي ينتسب إليها.
عمل  فريد غصن بعد عودته على تشكيل جمعية للمؤلفين والملحنين في القاهرة ، لتكون فرعاً للجمعية في باريس. لقيت دعوته تجاوباً ، فتم تشكيل الجمعية في مصر ، من محمد عبد الوهاب رئيساً ، مع فريد غصن وكيلاً له ، و أعضاء آخرين من الكتاب والشعراء والملحنين . توصلت الجمعية بعد مساعٍ حثيثة إلى استصدار قانون الحقوق الفنية عام 1954 ، كما شُكلت جمعية مماثلة في بيروت بتشجيع من فريد غصن.

وفعلاً بدأ نفاذ قوانين حماية الملكية الفكرية والفنية في مصر اعتباراً من عام 1954 ، بصدور قانون حقوق المؤلف رقم 354   ، ما دفع محمد عبد الوهاب ، مثلاً ،  للقبول بأن يعاد تقديم أي أغنية من أغانيه بأصوات جديدة ، لأن هذا يوظف لحنه من جديد.

كان فريد الأطرش رئيساً للجمعية فترة طويلة حتى رحيله عام 1974 ، كما كان صاحب أكبر إجمالي للعائدات المالية الخارجية ، والخامس في العائدات المالية من السوق المصرية. حققت ” الأطلال ” أكبر عائدات مالية لملحنها رياض السنباطي ، وتلتها أغنية ” إنت عمري ” من ألحان محمد عبد الوهاب، الذي عاد فأصبح رئيساً للجمعية ، بعد رحيل فريد الأطرش عام 1974 .

ولما كانت الحقوق الفنية تعود للمؤلف والملحن ولا تختص بالمغني ، رغم أن المغني يسهم في نجاحها وانتشارها ، فقد أثَّر هذا على مسيرة السيدة فيروز ، بعد رحيل زوجها عاصي رحباني ، إذ أقيمت دعاوى قضائية سعت لمنعها من أداء أغانيها ، من ألحان الأخوين ، دون إذن مسبق ، بحسبان أن الحقوق ليست لها.

الحدود التي يتسامح فيها القانون

يتسامح القانون ، في معرض تطبيق مبدأ الحقوق الفكرية والفنية في المجال الموسيقي ، في حالتين :

التأليف الموسيقي والتلحين : يسمح القانون لأي مؤلف موسيقي ،  أو ملحن ، بأن يقتبس أي جملة لحنية من أعمال غيره ، على  لا تتجاوز مدتها ما يقابل ثمانية مقاييس موسيقية ، لدى تدوينها ، فيما يمنع أي تجاوز لهذا الحد. من المفيد أن أنوه بأن الأستاذ عبد الوهاب التزم في اقتباساته بهذه الحدود، وعندما ، في حالات نادرة ،  كانت الجملة اللحنية المقتبس منها تزيد عن هذه الحدود ، كان يلجأ إلى تجزئة الجملة اللحنية المقتبسة إلى جزأين ، يبدأ بالأول ،  ثم يضيف بينهما جملة لحنية من عنده ، ليعود فيكمل الجزء الثاني من الجملة اللحنية الأصلية المقتبسة!

النقد الفني : يسمح القانون للنقاد باقتباس مقاطع قصيرة من العمل الفني لدى تحليله ، دون أن يحدد لها معايير توضح المقصود بكلمة : قصيرة .

مدة حفظ الحقوق

تُحفظ احقوق الملف الموسيقي لمدة خمسين عاماً ، ليتحول بعدها إلى ملكية عامة ، فيما تُحفظ في بعض الدول لمدة خمسين عاماً ، بعد وفاة صاحب الحقوق.

تم تعميم مبدأ الحقوق الفكرية في مختلف الدول العربية لاحقا ً، من خلال إصدار قوانين ملائمة ، دون أن تطبق فعلاً ، بسبب الكلفة التي تتحقق على الحكومات لدى تنفيذه ، فانتشرت السرقات الفنية والأدبية ، و شاع النسخ غير القانوني ، ما أثر في انكماش مسيرة الإبداع ، وشيوع الفن الهابط الذي لا يكلف صاحبه أي جهد ، كما تسببت شبكة الإنترنت ، نظراً لصعوبة ضبط النشر على الشبكة ، وذهنية مجانية المعلومات ، التي أشاعتها وشجعتها شركة غوغل ، في مزيد من الإخلال بتطبيق تلك القوانين ، ما أثر سلباً على مسيرة الإبداع الفني على مستوى العالم ، عموماً ، وفي الشرق خصوصاً ، حيث أصبحت الحقوق الفنية ، للأسف ، مصطلحاً لا قيمة عملية له.

أنفق موقع يوتيوب مؤخراً مبالغ كبيرة ، حتى توفرت له برمجيات ، تسمح بكشف النشر غير الشرعي للأعمال الفنية التي تم تسجيل حقوقها لديه ، وعندما يتم ذلك ، يقرر صاحب الحقوق ، إما أن يحظر الفيديو المعني ، أو يسمح بنشره ، مع نشر إعلانات مرافقة ، يعود دخلها لصاحب الحقوق ، ولهذا أغرقت الفيديوهات على موقع يوتيوب بالإعلانات على الأغاني والأفلام القديمة . يعمل موقع فيس بوك أيضاُ على كشف النشر غير الشرعي ويقوم عندها بمنع الصفحة المعنية من نشر الفيديوهات لمدة تزيد عند التكرار.

أنشر اليوم مع هذا المقال تسجيلاً بصرياً لأغنية أسمهان الشهيرة : يا حبيبي تعال الحقني ، في نسختها الأصلية بصوت ماري كويني! و هي التي كانت مجالاً للسجال القانوني حول الحقوق الفنية. يمكن من متابعة التسجيل اكتشاف أسباب نجاح نسخة أسمهان وغياب نسخة ماري كويني!

د. سعد الله آغا القلعة

Tagged , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.