• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

قولولي فين الدوا : بدايات فايزة أحمد المجهولة في إذاعة حلب!

شعار كتاب الأغاني الثانينادراً ما أشير إلى دور إذاعة حلب في إطلاق فنانين أصبحوا لاحقاً من المشاهير في عالم الفن . كانت إذاعة حلب قد أسست في نهاية عام 1948 بجهد كبير من مؤسسها و مديرها الدكتور فؤاد رجائي آغا القلعة ، واستطاعت بسرعة أن تكتسب جماهيرية واسعة ، إذ كانت حلب تضم كبار الملحنين والموسيقيين السوريين ، قبل أن يجتذبهم افتتاح التلفزيون في دمشق في 23 تموز عام 1960 ، بشكل متزامن مع افتتاحه في مصر ، في إطار دولة الوحدة.

تعطي فايزة أحمد ، في أغنيتها الأولى على أثير محطة إذاعة :  قولولي فين الدوا ، من كلمات الشاعر مسلم البرازي ، و ألحان الأستاذ نديم الدرويش ، أنموذجاً عن حالات الاكتشاف المثمرة ، وقد سجلتها فايزة أحمد لصالح إذاعة حلب عام 1954.

فايزة أحمدفايزة أحمد و أغنيتها الأولى في إذاعة حلب
ولدت فايزة أحمد في دمشق في الخامس من كانون الأول / ديسمبر عام 1930 . كانت في صباها قد حاولت العمل في إذاعة دمشق ، فلم توفق ، إذ لم تقبل بها اللجنة المسؤولة عن تقييم الأصوات ، فطرقت باب إذاعة حلب ، و لما استمع إليها الدكتور فؤاد ، مدير الإذاعة ، انتبه إلى أن خامة صوتها واعدة ، فضمها إلى كورس الإذاعة لتُصقل موهبتها ، حيث استفادت من كبار الموسيقيين العاملين في الإذاعة ، أمثال الأستاذين عزيز غنام ، و بكري الكردي ، ثم كلف الأستاذ نديم الدرويش بتلحين أغنية خاصة لها ، فاختار نصاً للشاعر مسلم البرازي لتغنيه ، فكانت شرارة البداية!

إلى دمشق وبغداد
كانت إذاعة حلب تبث في أوقات محددة عبر موجة إذاعة دمشق ، التي كان بثها يغطي مساحة واسعة من العالم العربي ، ولذا فقد شاعت الأغنية واشتهرت ، وسرعان ما طُلبت فايزة أحمد إلى دمشق ، حيث تلقفها ملحنو إذاعتها ، فأعطاها أمير البزق محمد عبد الكريم لحنه الشهير يا جارتي ليلى ، وكذلك لحَّن لها محمد محسن ، وغيره من الملحنين ، فذاع صيتها أكثر.
سافرت فايزة إلى بغداد ، حيث قدم لها الملحن العراقي الأستاذ رضا علي ألحاناً جميلة ، تغلب عليها اللهجة العراقية ، ولكن هذه الأغاني لم يكن لها حظ من الانتشار ، نظراً لأن إذاعة بغداد كانت تبث بقوة 20 واط فقط ، فيما كانت إذاعة دمشق تبث بقوة 50 واط ، وكانت تغطي المنطقة الجنوبية من سورية ، وكذلك الأردن وفلسطين ولبنان ومصر ، مع محطة تقوية في حلب ، بقوة 20 واط ، تغطي المنطقة الشمالية من سورية ، وبالتالي كان انتشار الإذاعة السورية ، في النصف الأول من الخمسينات ، أوسع بكثير ، ويمكن القول أن ما تعرضه إذاعة دمشق ، كان يسمع بوضوح في القاهرة.

دمشق مجدداً
عادت فايزة أحمد إلى دمشق ، التي كان تواصل ملحنيها مع إذاعة صوت العرب واسعاً ، ومنهم الأساتذة رياض البندك ومحمد محسن ، ممن لحنوا لفايزة في دمشق. لحن البندك لها موشح : امسحوا عن ناظري ، إضافة إلى ألحانٍ أخرى ، فيما لحن لها محمد محسن : يارب صلِّ على النبي ” ، مثلاً ، وهي أغنية دينية اشتهرت كثيراً. كان ملحنو إذاعة دمشق ، بالنتيجة ، يعرفون قدرات صوت فايزة .

إلى الاسكندرية فالقاهرة
انتبهت إذاعة القاهرة إلى قدرات فايزة ، فدعيت للمشاركة في في حفل الإذاعة المصرية ، الذي أقيم في الإسكندرية ، يوم 15 مارس / آذارعام 1956 ، بمناسبة افتتاح إذاعة الاسكندرية ، والذي نقلته الإذاعة على الهواء ، من مسرح “الهمبرا ” الشهير .
قدمت فايزة في الحفل أغنيتين للبندك ومحسن ، وفق ما ورد في الأدبيات المصرية. كانت الأغنية الأولى بعنوان : “ايش غيَّرك” ، من ألحان رياض البندك ، و الثانية : ” دموع المحبة ” ، من ألحان محمد محسن. أسهمت مشاركتها في هذا الحفل في استقطاب الملحنين المصريين حولها، فحققت نجاحها الجماهيري الأول ، عبر لحن محمد الموجي ” يمه القمر ع الباب “، الذي سأتوقف عنده لاحقاً ، ثم تتالت الأغاني الناجحة.
كانت إذاعة حلب نافذة الإنطلاق في هذه المسيرة ، فيما أطلقت شرارتها أغنية : قولولي فين الدوا!

حملت هذه الأغنية أوجهاً متعددة ، إذ أنها كانت أول أغنية تُلحَّنُ خصيصاً لفايزة أحمد ، ما يبرز دور إذاعة حلب في اكتشافها ، وهذا وجهها الأول ، كما أن ملحنها الأستاذ نديم الدرويش ، وهو من ملحني إذاعة حلب ، هو في نفس الوقت ، ابن الموسيقي العلامة الشيخ علي الدرويش ، الراسخ العلم في الموسيقى العربية التقليدية ، وخاصة الموشحات والإيقاعات المركبة والمقامات الموسيقية ، فيما أتى اللحن مواكباً لعصره ، وهذا وجهٌ ثانٍ ، أما الوجه الثالث ، فيبينه واقع أن تنفيذ الأغنية يوحي بأن فرقة إذاعة حلب كانت فرقة موسيقية جيدة ، متماسكة الأداء ، رغم أن إذاعة حلب كانت إذاعة ثانوية ، تبث لفترة محدودة ، على أثير إذاعة دمشق ، وليس لها موجة خاصة للبث الدائم.
أتى اللحن على مقام النهاوند ، ذي الطابع الرومنسي ، الملائم لنص الأغنية . برزت في المقدمة الموسيقية ملامح تأثر واضحة ، بالمقدمتين الموسيقيتين لأغنيتين: الأولى لأم كلثوم و محمد القصبجي ، وهي أغنية رق الحبيب ، التي تحولت لاحقاً إلى معزوفة باسم ذكرياتي ، والثانية : أهل الهوى ياليل ، لزكريا أحمد وأم كلثوم ،  وهو تأثر عابر إذ لم يدم لأكثر من ثوانٍ معدودة ،  دون أن أنفي تأثر الأستاذ نديم بشكل عام بالقصبجي و زكريا. التعبير اللحني واضح في خلايا الأغنية ، وخاصة عند تكرار كلمة : قولولي ، مع توقفات صوتية معبرة. استطاع اللحن ، الذي تنقل بين مقامات النهاوند والراست والبيات والصبا ، إدماج التعبير مع التطريب ، وخاصة في نهايات الأغنية ، وهذا طبيعي ، عندما تصل الأغنية إلى ذروتها.

وفي الخلاصة لقد استطاعت الأغنية أن تبين قدرات صوت فايزة ، ففتحت لها طريق مستقبل أصبح واعداً.

نديم الدرويش

نديم الدرويش 5

نديم الدرويش

الأستاذ نديم الدرويش هو ابن الشيخ علي الدرويش ، وقد رافقه لمدة طويلة ، فاكتسب منه معارف كثيرة في علوم الموسيقى ، كما كان لعمله في إذاعة حلب ، وفي معهدها الموسيقي ، الذي أقامه الدكتور فؤاد رجائي آغا القلعة ، أهمية في اكتسابه لمعارف أخرى كثيرة ، من الشيخ عمر البطش وآخرين ، حولته مع الوقت ليكون أستاذأ في المعهد ، وملحناً في الإذاعة ، إضافة إلى عمله الأصلي في مديرية مالية حلب. كانت له ألحان في قوالب متعددة ، كالموشحات والأدوار والقصائد والأغاني الشعبية ، كما ألَّف عدداً من السماعيات. قام نديم الدرويش ، في سياق آخر ، بتدوين وصلات الموشحات المتكاملة ، التي وثقها كتاب ” من كنوزنا ” ، للدكتور فؤاد رجائي.
المهم هنا أن لحنه : قولولي في الدوا ، يكشف عن مواكبته للتطور الحاصل في ميدان التلحين المعاصر ، رغم أن تركيزه كان في عالم تلحين الموشحات  ، ويكشف بالتالي ، عن إمكانيات للتطور كانت واعدة لو ركز على هذا النسق من التلحين المعاصر.

طبعاً أنا شهادتي في الأستاذ نديم الدرويش مجروحة ، لما له من مكانة خاصة في ذاكرتي ، إذ أذكر أن كتب لي خصيصاً لحناً ، عزفته على آلة القانون ، في إحدى حفلات المعهد الموسيقي ، المخصصة لعيد الأم . كان عمري سبع سنوات ، وأنا لازلت أذكر تفاصيل ذلك اللحن ، وموجات الدفق العاطفي الذي عبق به ، للتعبير عن حب الابن لأمه ، ولهذا حديث آخر…

الصورة المرافقة للتسجيل الصوتي ، تجسد مشاهد من مدينة حلب ، حيث ولدت هذه الأغنية ، وانطلقت معها شرارةٌ ، بقيت مجهولةً ، لمسيرة فنية ناجحة ، دامت طويلاً!


د. سعد الله آغا القلعة

Tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.