• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

  • ***احتفاءً بمرور عشر سنوات على إطلاق الموقع ، الدكتور سعد الله آغا القلعة يعلن فتح الموقع للزوار اعتباراً من اليوم لتكون موسوعة كتاب الأغاني الثاني في متناول الجميع***

تسجيل نادر لموشح غاب حِبي عن عيوني من ألحان وأداء صباح فخري : أطيافُ التعبير الخفية في الموسيقى التقليدية

شعار كتاب الأغاني الثاني

 في إحدى حلقات برنامج العرب والموسيقى ، الذي كنت أقدمه في الثمانينات ، على شاشة التلفزيون العربي السوري ، وكانت عن الوشاح السوري الكبير الشيخ عمر البطش ، طلبت من طلابه ، الذين درسوا على يديه الموشحات ورقص السماح ، وكان على رأسهم الأستاذ صباح فخري ، أن يعرض كلٌ منهم لحناً من ألحانه ، سار فيه على نهج أستاذه . وبالفعل ،  عرض كل منهم  لحناً له على قالب الموشح ، فكان موشح ” غاب حِبي عن عيوني ” الذي عرضه الأستاذ صباح فخري ، من ألحانه .

يعرض المقال التالي لسيرة الشاعر الدكتور جلال الدهان ، و لتحليل النص ، من حيث القالب الشعري ، وتوزع القوافي ، ثم يتوقف عند تحليل اللحن ، من حيث الإيقاع ، وصولاً إلى تحديد مكامن التعبير اللحني والموسيقي فيه ، مع الإشارة إلى مواقع التأثر بلحنٍ للشيخ عمر البطش..


النص..
النص للراحل الدكتور جلال دهان ، وهو شاعر غزلي وجداني ، و طبيبٌ جراحٌ مشهور في دمشق ، ولد في حلب عام 1924 ، ودرس في جامعة دمشق ، والجامعة الأمريكية في بيروت ، وتخصص في لوزان وشيكاجو في الجراحة العامة ، ولعل من أشهر أشعاره : قصيدة ” اللؤلؤ المنضود ” ، التي غناها الأستاذ صباح فخري ، واشتهرت كثيراً في السبعينات من القرن الماضي.
دمج الدكتور دهان ، في نص موشح ” غاب حِبي عن عيوني ” بين قالبين : الأول ، قالب الموشح الشعري ، الذي يعتمد التناوب بين مجموعتين من الأبيات ، لكل منها أوزانها الشعرية الخاصة والثابتة عند التكرار ، حيث تتشكل كل مجموعة من عدد من الأبيات ، فتتميز المجموعة الأولى بأنها متكررة القوافي الداخلية والأخيرة عند التكرار ، فيما تتميز المجموعة الثانية بأنها متغيرة القوافي الداخلية عند التكرار ، مع الحفاظ على آخر قافية منها ثابتة ، ومماثلة للقافية الأخيرة في المجموعة الأولى ، والثاني: قالب الطقطوقة المطورة، كما أتى على يد زكريا أحمد في بداية الثلاثينات ، و الذي اعتمد التناوب أيضاً بين مجموعتين من الأبيات ، ولكن إحدى المجموعتين تتكرر دائماً كما هي بنصها وأوزانها وقوافيها، وقد سميت المذهب ، فيما يتغير النص في المجموعة الثانية التي أصبحت تسمى الأغصان ،مع الحفاظ على الوزن ، و تغير القوافي الداخلية فيما بينها ، والحفاظ على القافية الأخيرة ثابتة.
يبرز هذا الدمج ، أن الراحل الدكتور جلال دهان ، كان قريباً من عالم الغناء والشعر في آن واحد..
التلوين التالي للقوافي في النص ، يبين ما ذهبت إليه في هذه العجالة..

غاب حِبي عن عيوني وأنا أصبو إليه
كيف أنجو من هواه وأنا ملك يديه
*****
إنه يومي وأمسي   /   إنه شوقي وأُنسي
كل ما ترجوه نفسي/ نظرة من وجنتيه* / مقلتيه
 ( * : أتت المفردة : وجنتيه كما أداها الأستاذ صباح في التسجيل وإن كنت أعتقد أن الأصح: مقلتيه ) ؟
÷÷÷÷÷
غاب حِبي عن عيوني وأنا أصبو إليه
كيف أنجو من هواه وأنا ملك يديه
*****
فترى الدنيا غراما /  ونعيما وابتساما
إنما يشفي السقاما /  لمسة من راحتيه
****
غاب حِبي عن عيوني وأنا أصبو إليه
كيف أنجو من هواه وأنا ملك يديه

اللحن.. ولنبدأ يالإيقاع
جاء اللحن الأساسي للمجموعة المتكررة الأولى : غاب حِبي عن عيوني ، على إيقاع الـدور الهندي وهو إيقاع معروف من إيقاعات الموشحات ، مشكل من سبع نقرات ، أي أنه إيقاع أعرج ، لأن عدد النقرات فيه مفرد ، وإن كان العَرج فيه خفيفاً ، لأن الدخول يكون فيه من النبضة الأولى القوية ، فيما يبرز العرج إكثر ، إن كان الدخول من النبضة الضعيفة السابقة للنبضة الأولى القوية من الإيقاع ، وتفصيل هذا قد يخرجنا عن الغاية من هذا المقال.
ثُبِّت هذا الإيقاع أيضاً في المجموعة الأولى من مجموعات الأبيات المتغيرة : إنه يومي وأمسي ، التي أتت على لحن جديد على مقام النهاوند . كان اختيار الإيقاع موفقاً في رأيي ، أولاً من ناحية إيقاع اللغة ، وثانياً من الناحية التعبيرية ، ولنبدأ بإيقاع اللغة الذي سأشرحه في عجالة..
لننظر في جملة : غاب حِبي عن عيوني ، ولنقطّعها حسب إيقاع اللفظ ، مع تحديد عدد النبضات الموافق لها ، فتكون في أبسط صورة ممكنة للإيضاح :
غ  ا بَ ( 3) حِبّ (2 ) بي (2 ) / عنّ عُ (3) يو (2) ني(2)
ونلاحظ أن عدد النبضات 7 ،  ومن هنا أتى التوافق الكامل مع إيقاع الـدور الهندي ، الذي مسار النبضات فيه : 3 2 2 ، ملائماً لتقطيع النص.

والواقع أن هذا الشرح معروف لمن يعمل في تلحين الموشحات ، ولكن الأهم أيضاً هو حُسن توظيف هذا الإيقاع من الناحية التعبيرية ، إذ أن جو النص يعبر عن فراق وحيرة ، والإيقاع الأعرج يلائم هذه الأجواء ، فالنفس تأنس للإيقاعات الثنائية ( كالإيقاع الثنائي أو الرباعي ) أو الإيقاعات البسيطة حتى المفردة منها أي الإيقاع الثلاثي ، ولكننا عندما ننتقل إلى الإيقاعات الأعقد ، وخاصة المفردة منها ، كالأقصاق التركي ( خماسي ) و النواخت والدور الهندي ( سباعي ) أو الأقصاق ( التساعي ) أو … ، فإننا نجد أن تلقي هذا الإيقاع من المستمع ، يخالطه في النفس شعور غريب ، قد ينم عن عدم الارتياح ، أو على الأقل عن ضرورة الانتباه ، وعدم الاستسلام للطرب ، وخاصة لمن لا يعرف هذه الإيقاعات ، ولم يتمثلها في ذهنه ووجدانه . ومما يؤكد هذه الفكرة أن الإيقاع عندما تغير لدى الدخول في المجموعة الثانية : فترى الدنيا غراما ، فتحول إلى الإيقاع الثنائي ، وهو إيقاع سلس ، نجد أن النفس تأنس لهذا اللحن ، الذي يتوافق مع النص المعبر ، عن تذكر النعيم والابتسام.

الآن ماذا عن اللحن .. وهل أتى تعبيرياً أيضاً؟
في الواقع .. لم يخالف اللحن التوجه التعبيري .. فنرى أنه أتى على جنس النكريز في بدايته عند : غاب حبي عن عيوني ، مع تخافض في اللحن واستقرار على جنس النكريز ، عند : عن عيوني ، وفي هذا التخافض اللحني تحسر على الغياب ، كما أن مقام النكريز معروف بأنه مقام غير مريح ، بل كثيراً ما يتندر الموسيقيون ، بأن اسمه أتى من أنه ” ينكرز ” بالعامية .. أي يثير الأعصاب ..
تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التخافض اللحني ، ذكرني بتخافض لحني مطابق ، ورد في لحن الشيخ عمر البطش في موشح ” بين قاسيون وربوة ” من نظم الوطني الكبير فخري البارودي ، على مقام النكريز ،  و على إيقاع يوروك ، وهو إيقاع سداسي النبضات ، ولا غضاضة في أن يتأثر الأستاذ صباح بأستاذه ، إذ يلاحظ بأن الأستاذ بهجت حسان ، وهو أيضاً من طلّاب البطش ، تأثر بجملة الشيخ عمر ذاتها ، فأوردها في بداية موشحه على مقام النكريز ” ما لألحاظك الصحاح ” .
إذاً ، تأثرَ الأستاذ صباح في جملة : عن عيوني  ، بجملة لحنية وردت عند أستاذه الشيخ عمر ، ولكنني أرى أنه وظفها ، في تخافضها اللحني ، بشكلٍ جميلٍ ، لاءم معاني التحسر..
بالمقابل ، عندما وصل اللحن إلى مجموعة : فترى الدنيا غراما ، التي شهدت تغير الإيقاع ، فإننا نلاحظ أن اللحن تحول إلى لحن تعبيري على مقام الكرد ، تلاه انتقال إلى مقام العجم ، مع تصاعد تعبيري للحن ، عند : إنما يشفي السقاما ، للتعبير عن النهوض والشفاء من السقام ، و قد  أداه الأستاذ صباح بتعبيرية واضحة .

بالنتيجة فإنني أرى أن  هذا الموشح ، قدم مثالاً جميلاً على قدرات التعبير عن المعاني ، عبر الإيقاعات الكلاسيكية ، وعلى إمكانية إضفاء التعبير اللحني والغنائي ، على الألحان المبنية على قوالب الغناء الكلاسيكية أيضاُ ، ولكن الأهم أنه  أبرز قدرات تلحينية واعدة عند الأستاذ صباح فخري ، ندر أن اهتم بها لاحقاًّ!

وماذا عن التعبير بالأداء الموسيقي..؟

في مرافقتي للأستاذ صباح على القانون ، كان أسلوب العزف تقليدياً في المراحل الأولى ..  وعندما وصل اللحن إلى : فترى الدنيا غراما .. مع تحول الإيقاع  والمقام والجو العام إلى العاطفية والرومنسية .. انتقلت إلى العزف في منطقة الأصوات الحادة ، مع استخدام أسلوب النقر السريع ” ويسمى الرش” ، للتعبير عن كثافة العواطف من جهة ، ورومنسية اللحظة من جهة أخرى.. بل إنني ، و عندما وصل اللحن  إلى : إنما يشفي السقاما ، انتقلت للعزف على ديوانين ، مع نقرٍ أكثر قوة ، للتعبير عن القوة عند النهوض..

فلنتابع التسجيل..
أعتقد أنه حان الوقت الآن لنتابع هذا الموشح ، كما أداه الأستاذ صباح فخري ، في إحدى حلقات برنامجي التلفزيوني العرب والموسيقى ، ورافقه في الغناء ، طلاّب الوشاح الكبير الشيخ عمر البطش ، وكلٌ منهم أستاذ في الفن ، كما رافقته على القانون ، لإضفاء لمسة تعبيرية موسيقية ، على هذا اللحن الجميل.. والمعبر ..


د. سعد الله آغا القلعة

Tagged , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.