أسمهان: الهوية، الفرص، التهديدات، الوريث الذي لم يأتِ، التأثير الطاغي، نفي الخيانة.. ورحيلٌ قسري!

شعار كتاب الأغاني الثاني

وهكذا غابت أسمهان عن هذه الدنيا، بعد حياة مضطربة، حاول برنامج ” أسمهان ” أن يصفها ويحللها بتفاصيلها، وخاصة الموسيقية منها، منطلقاً من إدراكنا جميعاً، أن أهم ما تركته أسمهان، كان رصيدها الموسيقي والفني.
ومع ذلك، ولدواع تلفزيونية بحتة، لم يستطع البرنامج، في حينه، أن يدفع بالتحليل نحو استجلاء النسيج الذي حكم مشاعرها و قراراتها، في ظل ظروف حياتها القاسية، فيما أصبح من الممكن تحقيق ذلك الآن، وفي سياق نص مكتوب، ولو بطريقة تلفزيونية، تستقرئ خواطر أسمهان في تداعياتها وتواردها وإلحاحها، وتستعرض شريط حياتها، في لحظاتها الأخيرة.
الهوية، الفرص، التهديدات والمصالح..

لقد بدأت أسمهان رحلة حياتها القصيرة، حاملة لهويات متعددة، ولنقاط ضعف وقوة ولادية، ثم مكتسبة، من العائلة والمحيط؛ ثم تعرضت لتهديدات خارجية، وسنحت أمامها فرص، فهل أحسنت استغلال نقاط قوتها؟ لتحول الفرص إلى مزيد من نقاط القوة؟ أم خذلتها نقاط ضعفها؟ فتحولت فرصها إلى تهديدات، وضعتها أمام طرق مسدودة؟
ما هي القرارات الكبرى التي اتخذتها في حياتها؟ بل ما هي المصالح التي قادت تلك القرارات؟ ومتى تقاطعت تلك القرارات مع أحاسيسها ومشاعرها، ومع مصالح الآخرين، فأنتجت؟ ومتى تناقضت فأحبطت؟
وفي واقع الأمر، فإن تحليل شخصية أسمهان، والنتائج التي حققتها، يتطلب تتبع جملة من التقاطعات والتناقضات، بين هذه العناصر المتداخلة، التي برزت في حياة أسمهان القصيرة، في أعقد تجلياتها.
من أجل ذلك، وانطلاقاً من أن تعقيدات الحياة تتكثف في اللحظات المصيرية في حياة الإنسان، عندما تستفحل الأزمات المستعصية وتتفاقم، فلاشك في أن أفضل السبل لتحليل حياة أسمهان، و بغية استكشاف إجابات وافية عن هذه الأسئلة المعقدة، تبدأ من تتبع حالتها، وخواطرها، وهي في ذروة صراعها بين اليأس والأمل، خلال سفرها في تلك الرحلة المشؤومة إلى مصيف رأس البر… في صياغة تستلهم أسلوب تداعي الخواطر وهي تتزاحم في لحظات الحياة المفصلية..

أجيب أخيراً عن السؤال الذي طُرح منذ أن رحلت أسمهان في عام 1944: هل كان الحادث الذي أودى بحياتها مدبراً؟

تسلسل الخواطر
الإقامة.. والخيانة

القرن العشرون..
الصوت آلة موسيقية بشرية..
الصوت المزدوج..
الإقامة.. مجدداً
تطور النص الغنائي..
الميكروفون..
التعبير الدرامي..
سيد درويش.. وأسمهان
الإقامة.. مجدداً
مكانتها.. أم كلثوم.. وعبد الوهاب.. و مكانة الغناء
التنافس..
الإقامة.. مجدداً
الدور الوطني.. و الخيانة.. مجدداً
الزوج..
الأسرة..
الزوج.. مجدداً
المهمة الوطنية..
الخيانة.. مجدداً
السينما.. تهديد.. وفرصة
محمد القصبجي..
فريد..
محمد عبد الوهاب.. والسنباطي
حرب الإذاعات..
الخيانة.. مجدداً
علياء المنذر.. وفؤاد
المجتمع
شريط الحياة
هل كان الرحيل قسرياً؟
التهديد الأخير
الفرصة الأخيرة
كلمة أخيرة

 الإقامة.. والخيانة

نستطيع أن نتوقع، أن أفكارها كانت مركزة على وضعها في مصر، وأنها كانت تفكر في الخطوة القادمة. لقد قارب فيلم “غرام وانتقام ” على الانتهاء، وما هي إلا أيام، وينتهي التصوير، وعندها، لن تجد من يحميها في مصر، فزواجها المدفوعة قيمته إلى أحمد سالم انتهى، وبشكل لا يمكن ترميمه، بل إن طريقة انتهاء زواجها،كشفت للشرطة المصرية، أنها في الأصل تزوجت، من أجل الحصول على تأشيرة الدخول وليس لأسباب عاطفية! وهذا تحايل مآله الطرد خارج البلاد. صحيح أنه تم تأجيل سفرها بسبب تصوير الفيلم، ولكنها ستكون فور انتهاء التصوير على الحدود مجبرة لا مخيرة، فأين تذهب؟
الملجأ دائماً كان سورية. لقد عاشت حياتها تلتجئ من سورية إلى مصر، ومن مصر إلى سورية. عندما تُغلق أمامها الأبواب في سورية، تلجأ إلى مصر، وعندما تغلق أمامها الأبواب في مصر، تلجأ إلى سورية. ولكن كيف تسافر إلى سورية الآن وأهلها يتهمونها بالخيانة؟ بعد أن سلم الإنجليز سورية لقوات فرنسا الحرة، وخرجوا دون تنفيذ وعد الاستقلال.. وهي تهمة قاسية مآلها الموت. لاشك في أن أسمهان ارتعدت وهي تفكر في هذه التهمة الباطلة، فهي لم تخن، بل قامت بمهمة وطنية، يقابلها وعود بالاستقلال، والمسؤول الحقيقي، الخائن، هو الذي لم ينفذ وعوده.. والمشكلة أنه يكررها دائماً، ثم يماطل.. لقد سمعت منذ أيام في القاهرة، أن فرنسا وافقت على استقلال سورية رسمياً وعلى سيادة أراضيها.. فهل ستصدق فرنسا هذه المرة؟ صحيح أنه تم إجراء انتخابات نيابية العام الماضي، وانتخاب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة سعد الله الجابري، ولكن هذا لم ينف عنها فعل الخيانة عند أهلها.. وزوجها السابق الأمير حسن لم يعد إلى الحكومة.. والأخبار على الأرض ليست مطمئنة .. والاستقلال لا يزال بعيداً..
لقد أرسلت تلك الرسالة السينمائية إلى أهلها في ختام تسجيلاتها للفيلم، عندما غنت موال يا ديرتي مالك علينا لوم.. لومك على من خان، في سعيٍ منها لنفي هذه التهمة، تهمة الخيانة.. ولكن من يدري متى ستصل وكيف ستصل..؟ وهل ستتمكن من إعادة بناء الجسور؟ فتعود سورية ملجأً لها كما كانت دائماً.. لقد كانت دائماً تقوم بذلك، إعادة بناء الجسور، وحياتها كانت دائماً جملة من الطرق المسدودة، التي تفسح في آخر لحظة في المجال لفرصة جديدة، ولكن يبدو هذه المرة أن الفرص أصبحت محدودة جداً، وهي بحاجة ماسة للوقت.. غير المتاح، الوقت لكي يشاهد أهلها رسالتها إليهم عبر الفيلم، تلك الرسالة التي أودعتها أقصى درجات صوتها حدة، فيما يمكن أن يسمى صرخة سينمائية بنفي الخيانة، والوقت لكي تصدق فرنسا في وعودها المستجدة، والوقت لكي يشاهد الملك فاروق النشيد الجديد..نشيد أسرة محمد علي، الذي غنته في الفيلم أيضاً في أقصى درجات صوتها حدة، فقد تكون نتيجة ذلك إقامة دائمة في مصر، كما كانت تأمل، خاصة أنها سمعت في كواليس التصوير، أن يوسف وهبي سيحصل على لقب البكوية بسبب هذا النشيد، فلماذا لا تحصل هي.. على الإقامة؟
لاشك في أنها، وهي في رحلتها المشؤومة إلى رأس البر، كانت تتساءل، كيف وصلت إلى هذه الطرق المسدودة؟ الفرص التي سنحت لها كثيرة جداً، فلماذا كانت تنقلب إلى تهديدات مباشرة؟ لماذا أصبحت الإقامة تهديداً مباشراً إلى هذه الدرجة؟ ولماذا اتهمها أهلها بالخيانة؟ للأعلى

القرن العشرون..

ولعلها راحت هنا تستعرض فرصها في هذه الحياة، تلك الفرص التي أضاعتها واحدة تلو الأخرى، فكل واحدة منها رغم حسن استغلالها لها، سرعان ما كانت تتحول إلى تهديد دامغ. كانت أهم فرصة لها أنها وجدت في عصر لن يتكرر، صحيح أنه حفل بالتناقضات في مصالح الأقوياء، على جميع المستويات، سواء كانت دولاً أو محاور للنشاط الإنساني السياسي أو الاقتصادي أو العلمي أو الفني، وصحيح أن تلك التناقضات أنتجت حروباً على المستوى الدولي، ولكنها ولّدت تنافساً على المستوى الإنساني، فحفل العصر بالاختراعات العلمية والإنجازات التكنولوجية المتلاحقة، ولم تكن الفنون والآداب بعيدة عن كل هذا، فظهرت قامات كبيرة، رسمت بإنجازاتها ملامح عصر جديد، هو القرن العشرون.
لقد علمت، أن القرن العشرين لم يولد مع نهاية القرن التاسع عشر، وفق المؤرخين، بل وُلد مع نهاية الحرب العالمية الأولى، التي، لحسن حظها، رافقت قدومها هي إلى هذا العالم. الحرب العالمية الأولى، هي التي غيرت ملامح عالمٍ، كان قد استقر على تفاصيله، لمئات خلت من السنين، فمع نهاية تلك الحرب، تفككت الإمبراطورية العثمانية، وبدأت القوى الأوربية تحكم سيطرتها على العالم العربي، وبدأت تتلاشى ملامح الفنون التي كانت سائدة، وبدأت تنمو ملامح بيئة موسيقية جديدة، رسمتها خيوط نسجها عدد كبير من المبدعين، في الموسيقى والغناء والأدب والشعر، منهم من سمعت عنهم، كسيد درويش وأحمد شوقي، ومنهم من عرفتهم، كمحمد القصبجي وأحمد رامي وبيرم التونسي وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي و زكريا أحمد، وكذلك طه حسين والعقاد، وطبعاً شقيقها فريد..
فريد.. لا شك أنها كانت تفكر فيه في تلك اللحظة، وكيف سيتصرف في حال سفرها الإجباري عن مصر؟ سؤال ستعود إليه لاحقاً بأفكارها، ولكنها لعلها كانت تفكر الآن في فُرصها هي..
لا شك في أن فرصتها الأساس كانت في تزامن حياتها مع هذا العصر الذهبي، فشهدت كيف استفاد هؤلاء الكبار مما أنتجه العصر، من المسرح الغنائي، إلى الأسطوانة، و الميكروفون، والإذاعة، وصولاً إلى التسجيل، والسينما؛ فما سمعته من أمها علياء المنذر، ومن الأسطوانات الأولى التي وثّقت غناء القرن التاسع عشر، يختلف كثيراً عما غنته هي، فهل يمكن لها أن تدعي، بأن خمسة وعشرين عاماً تلت ولادة القرن العشرين الحقيقية حسبما سلف، وتزامنت مع حياتها، كانت كافية لتحدد الملامح النهائية للتطور، من خلال قفزات نوعية متسارعة، بل ومفاجئة أحياناً، عاشتها بنفسها، وهي تتدرب على أغانيها الجديدة؟ وهل يمكن لها أن تتوقع أن ما سيأتي بعدها سيكون فقط شكلاً من أشكال التطور الطبيعي والمتوقع، نتيجة تغير الظروف، والتنافس الإيجابي بين مبدعين متعاصرين، وولادة مبدعين جدد؟
و لكن، ما هي الفرص التي قدمها تطور العصر لها؟ وما هي التهديدات التي اضطرت لمواجهتها؟ للأعلى

الصوت آلة موسيقية بشرية..

أولى الفرص التي لاحت في خاطرها على الغالب، كانت تلك الأيام التي قضتها مع محمد القصبجي وهو يعلمها لحنه الجديد “يا طيور ” لقد انتبهت يومها إلى أن المسافة شاسعة بين ما تتدرب عليه، وبين مواويل أمها المرتجلة؛ في الحالتين كان الصوت يبحث عن التعبير المطلق، ولكنها أحست في ذلك الوقت، أن صوتها كان يتحول إلى آلة موسيقية بشرية، تتجاوز أهمية الكلمات، ليكون التأثير المباشر على عواطف المستمع وأحاسيسه صافياً كصفاء الجمال، مباشراً لا تنازعه فيه معاني الكلمات ومنطقها.
لقد فهمت حينها أن الواقع الجديد للعالم، ترافق مع البحث عن صيغ موسيقية جديدة،تواكب جديد القرن العشرين، وتعبر فيما تعبر، عن تفكك الإمبراطورية العثمانية، الذي تزامن مع ولادتها هي، من خلال تفكيك العلاقة الموسيقية مع الأسلوب العثماني من جهة، وتطوير العلاقة مع النص العربي والتعبير عنه، من جهة أخرى، في سعي لتكريس الاستقلال الذي عاش أهلها يناضلون من أجله، سواء من العثمانيين أم من الأوربيين، واتهمت هي بالخيانة لأنه لم يتحقق. ولكن، لاشك لديها في أن الوجود الأوربي في مصر، والذي حل مكان الوجود العثماني، وضع المبدعين، ومنهم كما سمعت، سيد درويش، وكما رأت وشاركت، محمد القصبجي، ومحمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وشقيقها فريد، في مواجهة مع تقنيات جديدة، ومع أنماط غنائية غريبة، تُعرض أمامهم، وتوسع آفاقهم الموسيقية واللحنية، وتدفعهم إلى تطعيم الغناء العربي بعناصر جديدة، وإلى التأثر بالتراث الموسيقي الأوربي الكلاسيكي.
لقد فهمت أن سيد درويش ومحمد القصبجي كانا سباقين في المجالات التي تفتحت من خلالها فرص تميزها، فأدخل سيد درويش التعبير اللحني الدرامي عن المعاني، متأثراً بدوافع المسرح الغنائي، حسبما فهمت، فيما طور القصبجي دور الموسيقى في اللحن، وجعلها جزءاً مهماً في البناء الموسيقي، وهما محوران لن تركز عليهما الآن، وهي تحن إلى تدريبات “ياطيور ” ، بل ستركز على إحساسها بأنها كانت تغني مثل مغنيات الأوبرا، وخاصة في الآريا الإيطالية، حيث شهدت كيف يقف البطل بين حدثين من أحداث الأوبرا، فيطلق العنان لعواطفه، في وقفة وجدانية تأملية . قيل لها إن أول ملامح هذا الأسلوب ظهرت في مسرح سيد درويش الغنائي، عبر أغنيات اعتبرت بدايات المونولوج الرومنسي، دون أن يسعفه العمر ليكمل الطريق، ويكسي تلك البدايات بملامح التعبير الدرامي، ليأتي محمد عبد الوهاب ويتابع هذا المشوار معها في أوبريت قيس وليلى؛ ولكن محمد القصبجي اهتم بالعناصر ذاتها في الآريا الإيطالية، عندما أرسى ملامح ذلك المونولوج، ولكن باتجاهات رومنسية مطلقة، مواكباً في ذلك موجة رومنسية في الأدب، نشأت عندما ترجم أحمد الزيات رواية روفائيل للفرنسي لا مارتين، وآلام فرتر، للألماني جوته، وترجم أحمد زكي غادة الكاميليا، للفرنسي ألكسندر دوما الإبن.
لقد عبر القصبجي عن الجمال في المونولوج، عبر المدود الصوتية لإبراز جمال الصوت، متناولاً مضامين تغنت دوماً بالجمال، كتبها أحمد رامي، رفيقه على درب الرومنسية، كما عبر عن تغير المزاج وتقلبه وعنفه، وعن الحس المرهف، والاحساس بالظلم، وقسوة القدر، والإعجاب بالذات وتأليهها، من خلال تقاطع الموسيقا مع الغناء، و التغير الإيقاعي الدائم، سواء للموسيقى أو للنص الغنائي.
لقد فهمت أن القصبجي ثبَّت الشكل الأساسي للمونولوج عام 1928 ، في مونولوج “إن كنت أسامح وأنسى الأسية ” لأم كلثوم، الذي بيع منه ربع مليون نسخة، أما بدايات الملامح الأوبرالية، فقد ظهرت أولاً في مونولوج “أهون عليك ” لمحمد عبد الوهاب، في عام 1928 ، ولكنها علمت أن النقلة الأخيرة كانت معها، عندما أحست أن صوتها يتم توظيفه ليصبح آلة ضمن الآلات الموسيقية،كما في أسلوب الأوبرا، أي عندما وجدت أن المقصود يصبح إحداث التأثير عن طريق اللحن والصوت لا الكلمات، كانت هذه فرصتها الأهم، ففي هذه اللحظة الحاسمة من التطور التاريخي للموسيقى العربية، جاءت لتقدم مونولوج “يا طيور ” في أداء غير مسبوق عربياً، فوظفت صوت الرأس، وكما توقع القصبجي، الذي سبر أغوارها العاطفية والإنسانية، في مزيج من الحنان الشفاف، والأنوثة الطاغية، والدفء الإنساني، وقدمته كما تمنى، في نبرة بالغة الرقي والتهذيب والرقة، فاستطاعت أن تؤثر في المستمع، لا بالكلمات التي أصبحت مجرد حامل للصوت، بل بالصوت الذي تحول، في امتداده الزمني، إلى آلة موسيقية بشرية حقيقية. للأعلى

الصوت المزدوج..

وعادت الذكرى بأسمهان إلى القصبجي مرة أخرى، وهو يدربها على قصيدة ” أسقنيها بأبي أنت وأمي ” ، وقد حفل النظم بأحرف الغنة، وهو ما اشتهر به بشارة الخوريالأخطل الصغير ” شاعر القصيدة،فيفاجأ بها، إذ تتغنى بأحرف الغنة بصوت الحنجرة المزدوج على مستوى اللحظة الواحدة، لتفهم أنها بهذا تحول الصوت مرة أخرى، إلى آلة موسيقية بشرية، فإضافة إلى الامتداد مع الزمن، أصبحت تقدمها في اللحظة الزمنية الواحدة. وفهمت عندها أنها، في تحويل صوتها ليكون آلة موسيقية بشرية، قد أصبحت الناقلة النهائية لذروة التجديد في الأداء الغنائي العربي الحديث. وهنا… لعلها تذكرت شقيقها فريد الأطرش، الذي كان إلى جانبها في تدريباتها، وهو يكرسها في ذلك الموقع، عندما أفرد في أوبريت ” انتصار الشباب ” المجال لها، لتقدم صوتها مجدداً، كآلة موسيقية بشرية، كما كان مع القصبجي في “يا طيور ” ، ثم في “ليالي الأنس في فيينا ” ، التي حفلت أيضاً بأحرف الغنة، كما في قصيدة ” أسقنيها ” يكرسها مرة أخرى لمن لم ينتبه! للأعلى

الإقامة.. مجدداً

أسمهان و زوجها الأمير حسن الأطرش

هل تسبب هذا النجاح في بروز مشاكل الإقامة؟ إنها لا تذكر أنها كانت لديها مشاكل في الإقامة في مصر عندما كانت شخصاً عادياً، بعد دخولها وأسرتها بتوسط من سعد زغلول باشا؛ وحتى عندما سجلت بعض الأسطوانات، وتزوجت من الأمير حسن، وعادت إلى سورية، ثم عادت إلى مصر للمرة الأولى عام 1938 ، لم تكن لديها مشاكل، فقد دخلت بجواز سفر كزوجة أحد كبار المسؤولين السوريين، مختوم من سلطة الانتداب الفرنسية.
وبدأت تتذكر أن المشاكل برزت، عندما غنت، وتميزت، وبدأت تنافس الكبار، خاصة بعد تصويرها فيلم ” انتصار الشباب ” . لقد لاحظت أنه ما إن انتهى التصوير، وبعد أن طلقها زوجها، بسبب تصويرها للفيلم، فزالت صفتها كزوجة له، وهي الصفة التي كانت أمنت لها الدخول إلى القاهرة، حتى بدأت متاعب الإقامة في مصر، ومساع كثيرة لإنهائها.
تذكرت كيف لم يكن أمامها، وفي لحظة ضياع، إلا أن تتزوج مخرج الفيلم أحمد بدرخان، لكي تحصل على الإقامة، فدام زواجها خمسين يوماً، وأنهته فور بروز فرصة سفرها إلى سورية في مهمتها الوطنية، فهل كانت نجاحاتها الفنية السبب في مشاكل الإقامة؟
ولكن.. لماذا لا تكون بسبب تعقيدات الحرب العالمية الثانية، لأنها كمواطنة سورية، كانت فقدت إقامتها في مصر، عندما تزوجت من الأمير حسن وعادت لسورية، لست سنوات كاملة، وعندما عادت لمصر في عام 1938 كانت سلطة الانتداب الفرنسي في سورية حليفة للبريطانيين، فدخلت إلى مصر بجواز سفر من سلطة الانتداب كزوجة لمسؤول سوري كبير، ثم تغيرت الأحوال، عندما انتقلت سورية من معسكر لآخر، نتيجة احتلال الألمان لفرنسا في عام 1940 ، وتحول سلطة الإنتداب الفرنسي إلى السلطة الفرنسية الفيشية الموالية للألمان، وهي سلطة معادية للبريطانيين، المسيطرين على الأحوال في مصر، فهل كان هذا هو السبب الحقيقي؟؟ أسئلة لم تجد لها جواباً.. للأعلى

تطور النص الغنائي..

لعلها كانت تشتاق في تلك اللحظة لبلدها سورية، لأهلها، ولزوجها، ولإبنتها كاميليا المقيمة في سورية… وتتذكر كيف غنت لزوجها أغنية “رجعت لك يا حبيبي ” ، ثم تنتبه إلى أنها لا تستطيع أن تعود الآن .. كيف ستلقى أحبتها؟ وسرعان ما تخطر ببالها أغنية سيد درويش “زوروني كل سنة مرة “، التي كانت أغنية مأساوية لشاب يحتضر، يدعو فيها أحباءه ليزوروا قبره مرة في السنة؛ وتروح تغني تلك الأغنية في مرارة واضحة، أذهلت رفيقتها في الرحلة ماري قلادة. راحت تغنيها، وبدأت تجتذبها المعاني، وتفكر، لقد كان نص تلك الأغنية فتحاً جديداً في النصوص الغنائية ، ابتعد تماماً عن الأغاني التي استمعت إليها في الأسطوانات الأولى، وأسس لكلمة راقية معبرة، وجدت تجسيدها الأهم في المسرح الغنائي، ثم في الإذاعة التي دخلت البيوت، وتابعتها العوائل مجتمعة، ثم في السينما، لضرورات التعبير الدرامي.
لقد كانت متأكدة من أن هذا النوع من الأغاني أعطاها فرصة كبرى، لتعبِّر في نصوص أغانيها، عن عواطفها الدفينة، تجاه أسرتها وزوجها، ولتحول تناقضات حياتها المتداخلة، التي تعيشها واقعاً، إلى جرعة كثيفة من التعبير الغنائي الدرامي، خاصة أن تعبير النص عن واقع حياة المبدع، كان مسألة معروفة، منذ أن أسس سيد درويش أيضاً لذلك التوجه، عندما كان يعبر في نصوص الأدوار التي لحنها وغناها، على ما فهمت، عن تفاصيل حياته وعن عواطفه ومحبته لجليلة التي أحبها، وكان ذلك ظاهراً في أدواره المتتالية، التي رسمت تفاصيل حبه، ابتداءً من دور “يا فؤادي ليه بتعشق “، ثم دور “عشقت حسنك “، ودور “ياللي قوامك يعجبني “، إلى دور “الحبيب للهجر مايل “، وانتهاءً بدور “ضيعت مستقبل حياتي في هواك “؛ وسار على نهجه داود حسني، حسبما علمت، عندما لحن “قمر له ليالي ” نسبة لزوجته الأولى قمر، والتي عندما توفيت صبية، لحن لها “ودعت روحي وحبي لم يودعني “؛ بل إن محمد عبد الوهاب، كما فهمت، لم يكن بعيداً عن هذا الاتجاه، عندما غنى “الليل بدموعه جاني ” في رثاءٍ لوالده، إذ وصله خبر وفاته وهو في لبنان، فنظم له شوقي النص وغناه في الليلة ذاتها، أو عندما غنى مونولوج” في الليل لما خلي ” وهو رثائية شوقي لنفسه؛ كما لم يكن شقيقها فريد الأطرش بعيداً عن هذا، فهي تعلم أن أغلب أغانيه في بداياته، و بمعونة صديقه الشاعر يوسف بدروس، الذي كتب لها بعض أغانيها أيضاً، كانت تعبر عن عواطفه وآلامه الشخصية؛ فيما لم تبتعد أم كلثوم عن هذا المسار،كما لاحظت، عندما غنت صور رامي الشعرية، التي عبرت عن عواطفه تجاهها. للأعلى

الميكروفون..

ولكن هل كان لها أن تعبر عن عواطفها التي يصوغها النص، دون أن يلتقط الميكروفون أدق تفاصيل تنهداتها المعبرة عن عواطفها؟ بالطبع لا.. لقد شكل الميكروفون فرصة لها،صحيح أنه لم يقدم قيمة مضافة للأصوات القوية، التي تؤدي الغناء التقليدي، المعتمد على التطريب وقوة الصوت، ولكنه كان فرصة لكل من اعتمد التعبير الوجداني عن المعاني والألحان، وهي منهم، فكان فرصة لها ليصل تعبيرها للناس. للأعلى

التعبير الدرامي..

وتتذكر أسمهان ما سجلته منذ أيام قليلة.. قصيدة” أيها النائم ” وسرحت وهي تقارن بين تلك اللحظات التي ختمت فيها مونولوج “ياطيور ” ، مقدمة الصوت البشري، كآلة موسيقية، و بين اللحظات التي ختمت فيها قصيدة ” أيها النائم ” التي كانت أغنية رثائية خالصة.. لقد أحست أنها كانت تطوف بين الختامين في آفاق الغناء العربي المتباعدة.. راحت تتذكر كم كانت تبكي، وهي تتدرب على أداء تلك الأغنية مع السنباطي.. تبكي حالها وزواجها وآفاقها المسدودة على دروب الحياة الضيقة.. لقد فهمت لماذا أنهى السنباطي اللحن في ختامه هائماً، دون عودة إلى درجة الاستقرار، كما هو معهود في القصائد التقليدية التي عرفتها، لأن الروح عندما تفارق الجسد، تهيم في مسالك المجهول، بعيداً عن أحبتها.. لقد أحست هنا، أن تحول الغناء العربي من التطريب إلى التعبير اللحني عن المعاني الدرامية، شكل فرصة جديدة لها، وهي التي حولتها الأيام إلى شبكة من الأحاسيس والمشاعر المتناقضة، لتبرز قدراتها العفوية، في التعبير عن تناقضات عواطفها، وعن فرصها الضائعة.
قيل لها إن سيد درويش، الذي عاش 31 عاماً فقط، أدخل التعبير اللحني الدرامي عن المعاني، متأثراً بدوافع المسرح الغنائي، وأنه في جدلية العلاقة بين النص واللحن والأداء، أرسى وفي سبع سنوات كانت عمره الفني، أسساً جديدة للعلاقة بين النص واللحن، ليكون التعبير عن النص، هو غاية الملحن في بحثه عن مسالك إبداعه، و أنه أرسى أسساً جديدة أخرى بين المغني والملحن، ليكون الملحن – المغني هو الذي يقود العملية الإبداعية في الموسيقى العربية، وليس المغني -الملحن كما كان الأمر قبل الحرب العالمية الأولى، حيث كان الصوت المجلجل القادر هو المسيطر، وكان الارتجال التطريبي أساس اللحن المولود وفق اللحظة. و لعلها راحت تبتسم هنا، وهي تتذكر ما نقل عن زكريا أحمد، الذي كان يلجأ، في صياغته للألحان التي تتحدث عن السحرة والعفاريت في مسرحه الغنائي، للذهاب إلى منطقة أبو الهول ليلاً، لاستيحاء الأجواء التعبيرية ، بل إنه، كما سمعت، شارك في جنازةٍ لاستيحاء لحن رثائي، وهو ما أكد لها السنباطي أنه لم يفعله، من أجل لحنه أيها النائم
لقد كانت على قناعة أن العصر قدم لها، وهي التي تعتبر التعبير أحد أهم عناصر تميزها، فرصة كبرى عندما اعتاد الناس على هذا التطور، بعد أن كان التطريب والارتجال سيد الموقف، ولولا ذلك، لما أحست بذلك النجاح الكبير الذي وجدته في وجوه محبيها، وهي تقدم إلى جانب محمد عبد الوهاب، ما عدَّه الجميع ذروة التعبير الدرامي المتبادل، في أوبريت ” قيس وليلى ” ، وحواراتها المتقاطعة. للأعلى

سيد درويش.. وأسمهان

لاشك أن أسمهان وجدت في تلك اللحظة، وهي التي كانت تصر دوماً على أن عمرها قصير بسبب نبوءة عراف عابر، تقاطعاً بينها وسيد درويش؛ فإذا كان سيد درويش قد أرسى في سبع سنوات،كانت عمره الفني، أسس العلاقة الجدلية بين النص واللحن والأداء، محدداً مفاصل فرصها المستقبلية، فإنها ستكون استطاعت، إن صحت النبوءة، وعاشت سنوات أقل، أن تجسد بصوتها ذروة تلك العلاقة الجدلية، حين عبر النص في أغلب أغانيها عن عواطفها، فيما عبرت الألحان عن مضامين النصوص بأمانة، ليأتي صوتها المعجون بعواطفها تجاه زوجها، وتناقضات الفرص التي سنحت لها، أو التي ضاعت، والتهديدات التي تعرضت لها، أو التي سحقتها، وفي ذروة تجلياته كآلة موسيقية بشرية، ليصهر تلك الجدلية في واحد، ويجعل التعبير الإنساني أعظم ما في غنائها. للأعلى

الإقامة.. مجدداً

نور الهدى عام 1944

ومرة أخرى يلح عليها السؤال..هل تسببت نجاحاتها الفنية، وفي محاور فنية متعددة، في صعوبة حصولها على الإقامة؟ وهل لنقابة الموسيقيين التي ترأسها السيدة أم كلثوم دور في هذا؟ لقد سمعت أن نور الهدى التي قدمت عام 1943 إلى القاهرة، كانت إقامتها مرهونة بمدة تصوير فيلم “جوهرة “، وأنها عادت بعد انتهاء التصوير مباشرة إلى بيروت، وأنها ستأتي قريباً لتبدأ تصوير فيلم جديد هو فيلم “برلنتي “، و أن إقامتها ستكون مرتبطة أيضاً بمدة التصوير، دون أن يسمح لها خلالها بإقامة الحفلات، فهل سيشملها نفس الإجراء؟ إحساسها ينبئها بأن لا دور لأم كلثوم فيما يحصل لها، وعلى الغالب فإنه كان نتيجة صراعات على مستوى القصر الملكي، ومعرفتها بطبقة النبلاء، و بصراعاتهم، وغيرتهم! للأعلى

مكانتها.. أم كلثوم.. وعبد الوهاب.. و مكانة الغناء 

لقد كانت أم كلثوم لها دائماً مثلاً أعلى، لقد حققت للغناء المكانة العالية التي تطمح هي إليها، لقد تغيرت الأحوال كثيراً، منذ أن رفض مأذون أن يكتب عقد زواج سيد درويش لأنه مغني، ثم قبِل عندما قبِل سيد درويش أن يكتب أن مهنته مدرس؛ ومنذ أن رفض قاضٍ أن يقبل شهادة موسيقي في دعوى. لقد تغيرت الأمور كثيراً، فمنذ أن عُقد مؤتمر الموسيقى العربية عام 1932 برعاية سامية من الملك فؤاد الأول، بدأت الموسيقى العربية تجد مكانتها واحترامها، ولا شك في أن لأم كلثوم فضلاً في هذا، لأنها كانت تعرف كيف تستحوذ على الإعجاب بذكائها النادر.. ألم تختر أن تغني أمام الملك فؤاد في حفل افتتاح المؤتمر، قصيدة ” أفديه إن حفظ الهوى أو ضيع.. ملك الفؤاد فما عسى أن أصنع؟ “، ثم رجَّعت وأعادت عند كلمة الفؤاد، وكان الملك يتمايل طرباً…
ثم ألم تسكن السيدة أم كلثوم في “فيلا ” في الزمالك؟ ألم ينعم الملك فاروق عليها بنيشان الكمال، فأصبحت تلقب “صاحبة العصمة “، لتسهم في تحقيق مكانة أوضح للغناء في مصر؟
ومحمد عبد الوهاب، ألم يكن رمزاً لها في هذا المجال أيضاً؟ مكانة المغني في المجتمع، منذ أن رعى أمير الشعراء أحمد شوقي دخوله إلى المجتمعات الراقية وعالم المثقفين، وعلمه دروساً هامة في الحياة، فأصبح يغشى القصور، ويثبت مكانته الفنية، أمام جمهور تلك المجتمعات، من خلال الاقتباس من موسيقى غربية أحبوها واحترموها، ثم أكد ذلك إذ لبس وفرقته “السموكنج ” في الحفلات، وأصبحت فرقته الموسيقية أكبر، ثم ما كان من رفضه أن تتعشى الفرقة الموسيقية في الحفلات مع الخدم، و يتعشى هو مع المدعوين، على ما كان سائداً، فكان يغادر الحفلة عند الدعوة للأكل مع الفرقة الموسيقية، تضامناً معهم. فكيف لا تكون أم كلثوم وعبد الوهاب لها المثل الأعلى، وهي التي كانت تتأذى من قلة احترام الناس للمغنين، خاصة بعد أن عادت إلى مصر عام 1938 ، بعد إقامتها كأميرة متوجة في سورية لست سنوات، كانت خلالها زوجة حاكم منطقة جبل العرب، التي تقيم الحفلات الخاصة وتدعو المغنين والموسيقيين إلى حفلاتها.

التنافس..

أم كلثوم الواثقة

لاشك في أن أسمهان انتبهت هنا إلى أنها لم تكن تنافس أم كلثوم.. فهي لم تكن تغني في الحفلات العامة في مصر أصلاً.. لأن تلك الحفلات لها جمهورها الذي كان يميل إلى أغاني الطرب، وهي لا تقدم هذا الشكل من الغناء، مكتفية بالحفلات الخاصة والمختلطة، التي يقيمها الأغنياء في المناسبات الاجتماعية، فتؤمن لها بعض المال، حيث يميل جمهور تلك الحفلات إلى الأغاني المطعمة بعناصر راقصة أو تعبيرية أو أوربية. ولكن.. صحيح أن السيدة أم كلثوم كانت سيدة الحفلات العامة بدون منازع، ولكن ألا يمكن أن تكون هي بطريقتها في الغناء، قد وضعت نفسها في قمة أخرى تنافس أم كلثوم؟ على ما نادى بذلك النقاد، هي على قمة التجديد، وأم كلثوم، بصوتها، الذي امتاز بالقوة والمرونة والنقاء، وبالكثافة المتماثلة في جميع أطيافه ومستوياته ومناطقه، على قمة الطرب الأصيل؛ هي الناقلة النهائية للحداثة الغنائية العربية، و أم كلثوم الناقلة النهائية للأصالة الغنائية العربية؛ وبالتالي ألا يمكن أن يُنظر إليهما على أن كلاً منهما شكلت تهديداً للأخرى؟
لكنها كانت تعلم أنها لن تكون أبداً تهديداً للسيدة أم كلثوم، فهي في قرارة نفسها تعرف أنها ليست مؤمنة بالغناء، كما أم كلثوم، و أنها ليس عندها إرادتها وسعيها وتصميمها، وبالتالي فإنها تعتقد أنها وأم كلثوم شكلاً تكاملاً ثرياً أبرز ملامح الثراء في الغناء العربي ولم تكن أيٌ منهما تهديداً للأخرى.. أبداً.. للأعلى

الإقامة.. مجدداً

وسرعان ما تذكرها كلمة التهديد بمشكلة الإقامة.. الأرجح أن مشاكلها في الإقامة كانت إما بسبب دخولها في دائرة إعجاب البعض وغيرة الآخرين.. أو.. مرة أخرى، وكما سبق وفكرت، لأن سورية، التي كانت تحت الانتداب الفرنسي، أصبحت تحت السلطة الفرنسية الفيشية الموالية للألمان اعتباراً من عام 1940 ، وهي مواطنة سورية في مصر، التي تعيش تحت الانتداب البريطاني، أي تحت سلطة مناوئة…
و لعل أسمهان انتبهت هنا إلى أنها الآن في عام 1944 ، وأن السلطة الفرنسية اليوم في سورية هي حليفة البريطانيين، على عكس الحال في عام 1941 بعد انتهاء تصوير فيلم ” انتصار الشباب ” ، والإجراءات واحدة.. إذاً.. المسألة ليست هنا.. ولعلها هنا تذكرت أنها كانت تدخل دائماً إلى مصر بعد زواجها من الأمير حسن بصفتها زوجة مسؤول سوري كبير، وأنها فقدت تلك الصفة عندما طلقها لأول مرة عندما بدأت تصوير فيلم ” انتصار الشباب ” ، فبدأت تعاني من مشاكل الإقامة التي كانت تمدد فقط حتى انتهاء التصوير.. ولذا اضطرت للزواج من أحمد بدرخان في حينها.. وراحت تحصر تفكيرها..لقد فقدت صفتها مرة أخرى.. عندما زارت القدس منذ عام.. بعد أن بدأت اتهامات الخيانة تصلها، وتأكدت من أن لا معالجة طبية لحالتها.. فعادت للقاهرة، وطلبت الطلاق من زوجها مجدداً، فاستجاب متأثراً باتهامات أهلها لها.. وبإصرارها، ففقدت صفتها التي دخلت إلى مصر بناء عليها، وأُجبرت على المغادرة إلى القدس.. يائسة، فحاولت الانتحار.. ثم اضطرت، عندما اتفقت مع استوديو مصر على تمثيل فيلم “غرام وانتقام ” ، أن تتزوج من أحمد سالم، زواجاً مدفوع الثمن، لتأمين الدخول إلى مصر، رغم أن هذا كان يعد جريمة تحايل يعاقب عليها القانون؛ الأسباب إذاً ليست في مصر! طبعاً.. هناك من لا يريدها أن تبقى في مصر.. فيتشدد في تطبيق القانون.. ولكن الأساس ليس في مصر… لقد كان زواجها من الأمير حسن يؤمن لها الإقامة.. وعندما كان يطلقها.. كانت تعود مشاكل الإقامة.. وارتباطها بمدة التصوير.. على كل حال.. هذا الوضع انتهى إلى الأبد.. المهم الآن هو.. هل سيتاح لها الوقت لكي تبقى في مصر، حتى يعرض الفيلم، ويحضره الملك، ويتابع النشيد الذي أدته بكل حيوية، فيرضى ويكافئها بالإقامة الدائمة؟؟ المشكلة هي في الوقت.. الوقت.. لكي يُعرض الفيلم ويرضى عن النشيد، والوقت، لكي يُعرض موال “يا ديرتي مالك علينا لوم “، فيشهده أهلها، و تُفتح لها طريق العودة المؤقتة إلى سورية، ريثما تتعاقد على فيلم جديد..عندما يقتنعون أنها لم تكن خائنة.. للأعلى

الدور الوطني.. و الخيانة.. مجدداً

أسمهان تكرم رئيس الجمهورية السورية بحضور رئيس الجمهورية اللبنانية و الجنرالات الفرنسيين والبريطانيين سبيرس وكاترو وهاميلتون

لاشك أن أسمهان ارتعدت وهي تفكر في تهمة الخيانة، هل فعلاً كانت جاسوسة وخائنة!! مهمتها في الواقع لم تكن مهمة تجسسية، لقد كانت تقتصر على نقل رسالة إلى أهلها، وإلى عشائر البادية السورية، وإقناعهم بجديتها، وقد نجحت في ذلك، ولكن سرية المهمة أكسبتها هذا الطابع. تذكرت كيف تفاقم الأمر، عندما انكشفت مهمتها للفيشيين، وكان هناك تهديد بقتلها، عندما أصدرت سلطات الفيشيين في بيروت أمراً بإعدامها. وارتعدت مرة أخرى، حين تذكرت كيف هربت متخفية على ظهر جواد، في ليلة من صيف حزيران/ يونيو 1941 ، إلى حيث البريطانيين، ولعل هذا الهروب السري الناجح أكسبها صفة لم تردها لنفسها، فهي منذ أن عملت مع الحلفاء، ثم دخلت دمشق معهم، كانت تصر يومياً على تنفيذ وعد الاستقلال، ومن أجل ذلك سعت لتحقيق توازن في علاقاتها مع الفرنسيين والبريطانيين المتنافسين.. ولعلها ابتسمت هنا، وهي تتذكر كيف تنافس سبيرز الإنجليزي وكاترو الفرنسي على كسب ودها، وكيف لبى الجنرال دوغول دعوتها للسويداء، وقال إن أجمل عيون رأيتها هي عيونها، وكيف حصلت على وسام اللورين وهو وسام فرنسا الحرة. وتذكرت صورتها حاملة للوسام، وانقبضت أساريرها وهي تتذكر أن هذا الوسام أصبح أمام أهلها رمزاً لخيانتها، بعد تلاشي وعود الاستقلال..
عادت و تذكرت كيف حضرت وزوجها الأمير حسن حفل تكريم دوغول، والتُقطت لهما صور معه في دمشق، ثم كيف بدأت تدرك مع قدوم الأخبار، عن نجاحات البريطانيين في رد الهجوم الألماني على مصر، أن الأمور ستتعقد، وبدأت تلاحظ فتور الفرنسيين معها، وفقدانها مكانتها مع الوقت، فبقيت صورة دوغول بالنسبة لها صورة من يطلق الوعود ولا يفي بها، فيما صورتها مع وسام اللورين كانت رمزاً لالتزام أطلقته ووفت به! لقد تحولت الفرصة التي كانت أمامها لتعود لأسرتها وأهلها، إلى تهديد قاتل، خاصة بعد أن حاولت التعامل مع الألمان وانكشف أمرها. يبدو الآن أنه لم يعد أمامها، بعد تهمة الخيانة إلا طريق واحد، هو في ذاته طريق مسدود. فكيف تعود إلى فتح الجسور؟ لم يكن أمامها إلا هذا السهم الأخير.. هذه الفرصة الأخيرة، صرختها السينمائية، بنفي تهمة الخيانة، فهل تنجح في انتهاز هذه الفرصة؟ للأعلى

الزوج..

لقد نجحت دائماً في حالات مشابهة.. فهي تعلم أنها عاشت حياتها في ثنائيات متناقضة بين الفرص والتهديدات، ماهو اليوم فرصة، يتحول غداً إلى تهديد، وماهو تهديد اليوم، يتحول غداً إلى فرصة. هكذا كانت حياتها.. تتوالى فيها الفرص والتهديدات والإحباطات والآمال..
الآمال.. زوجها سمّاها آمال وليس أمل.. ومن هذه الآمال أمله أن تلد له إبناً.. وغلبتها الحسرة.. فهي لم تحقق لزوجها آماله.. كانت تلك هي العقدة الكبرى.. فماذا لو كانت استطاعت ذلك..؟ لو كانت أفلحت في معالجتها وخاصة في القدس في رحلتها الأخيرة، ثم حملت طفلاً، ألم يكن زوجها ليحميها من اتهامات الخيانة؟
ولكن هذا لم يحصل.. وهي هذه المرة مترددة، إنها تشعر أن الوقت لن يسعفها هذه المرة، وأن الوقت لأول مرة أصبح ضدها.. ومع ذلك، راحت تستعرض فرصها وإحباطاتها مع أسرتها، علها تجد حالة مشابهة لحالتها هذه المرة. فتفتح لها طريق الحل.. للأعلى

الأسرة..

لقد عاشت التهديد الأساسي في حياتها، انطلاقاً من كونها ابنة أسرة ذات تاريخ في النضال من أجل الاستقلال، سطره سلطان باشا الأطرش، زعيم هذا الخط في أسرتها، ومن قبله والده ذوقان، و بسبب ذلك التاريخ، كانت أسرتها الصغيرة تهرب من مكان إقامتها في تركيا، عندما أتت، هي، إلى هذه الدنيا. لقد ولدت في البحر، في ظروف ليست ملائمة لولادة طبيعية، وكان سبب ذلك، أن أسرتها الصغيرة اضطرت للعودة إلى سورية بشكل مفاجئ، بعد أن دخل سلطان باشا الأطرش مع الداخلين إلى دمشق لطرد العثمانيين، في نهاية أيلول 1918 ، فكيف يبقى والدها في ديمرجي وهي من أعمال إزمير في موقعه كقائم مقام في السلطة العثمانية، وقد أعلنت أسرته الحرب على العثمانيين بهذا الدخول؟ وهكذا كان التهديد الأول في حياتها نابعاً من أسرتها.
ولكن وبالمقابل، الأسرة أعطت لوالدها فرصة، عندما أصبح منتدباً في لبنان، لدويلة جبل العرب، التي أقامها الفرنسيون، فعاشت بسبب ذلك مع أمها وشقيقيها في بيروت، ودخلت المدارس، و بدأت تتعلم، وهذه كانت فرصة أمنتها لها أسرتها.
ولكنها لم تهنأ بهذا طويلاً، فالتهديد القادم كان مجدداً من أسرتها وهويتها.. كان ذلك عندما احتجز سلطان باشا الأطرش جنوداً فرنسيين، وكان هناك احتمال أن تؤخذ أسرتها الصغيرة المقيمة في بيروت دون حماية.. أن تؤخذ رهينة.. فكان اللجوء إلى مصر. ومرة أخرى التهديد كان من أسرتها.
ولكن سرعان ما قدمت لها أسرتها الفرصة البديلة، فجواز سفرها وأهلها لدخول مصر، كان سلطان باشا الأطرش، وصداقته مع سعد زغلول، الذي سمح لهم بدخول مصر لانتسابهم لسلطان.. ولعل أسمهان سرحت هنا في هذه العلاقة المتناقضة، وهي تسير على الطريق الصحراوي إلى رأس البر.. كل فرصة كان يتلوها تهديد، وكل تهديد كان يتلوه فرصة! حتى الفقر الذي كان التهديد الأول في مصر، والذي عانت منه وأسرتها لدى وصولهم إلى القاهرة، ستنقذها منه الأسرة؛ تذكرت كيف أن والدتها علياء المنذر، وبسبب الفقر، اضطرت للغناء في روض الفرج، فجاءتها فرصة التعرف بكبار الملحنين، وسجلت هي بعض الأسطوانات، ولكن.. أليس الفقر ذاته هو الذي دفعها هي لتغني في صالة ماري منصور؟ الفقر كان تهديداً كبيراً لكبريائها الموروثة، فأتت الأسرة ممثلة بابن عمها لإنقاذها من هذا الوضع… أحبت ابن عمها وتزوجته وعادت إلى سورية. وهكذا قدمت لها الأسرة مجدداً فرصة الخلاص من الفقر، ومن الغناء في صالات الغناء.. للأعلى

الزوج.. مجدداً

وانفرجت أسارير أسمهان وهي تتذكر كيف كانت في سورية أثناء زواجها لأول مرة من الأمير حسن، وكيف عاشت أميرة حقيقية، ثم كيف أصبح زوجها حاكماً للسويداء، في ظل الدولة السورية الموحدة تحت الانتداب الفرنسي، بعد معاهدة 1936 ، فكان لها من النفوذ ما ولّد لديها جرعة مضافة على كبريائها الموروثة.. وهنا الأسرة.. رسخت لديها الكبرياء.. أكثر وأكثر.. لقد شكل زواجها من الأمير حسن فرصة لها، لكي تعزز مكانتها الاجتماعية في سورية، ولكن زواجها، وحبها، تحولا إلى تهديد قاتل، بعد أن عادت إلى مصر لتلد ابنتها كاميليا، وتبين أنها لن تكون قادرة على الإنجاب مجدداً… لقد أغلق هذا الواقع الجديد في وجهها كل السبل في سورية.. إنها لن تكون قادرة على إنجاب الابن الذكر لزوجها..
و لعل أسمهان ارتجفت وهي تتذكر تلك الساعة المشؤومة، عندما فهمت واقعها الجديد.. وتذكرت كيف قررت ألا تعود إلى زوجها، وكيف كان عليها أن تدفعه ليكرهها، بأن تعود للغناء، متحدية مكانته في سورية، ليطلِّقها وهو المتمسك بها، والمحب لها، بل كان عليها أن تشتط في تصرفاتها، ليصدق نهائياً أنها اختارت عالماً آخر ليس له هو فيه أي مكان؛ وينقبض قلبها وهي تتذكر كيف اختارت أن تتحول هي إلى تهديدٍ له ليتركها.. ولكن العودة إلى الغناء لم تعد سهلة.. وقد تطبعت بالكبرياء أكثر.. فهي لم تعد تستطيع أن تتخلص من عقدة كونها أميرة.. وتذكرت مجدداً كم كانت تتألم عندما تغني لمن هم دونها منزلة اجتماعية وخاصة النساء.. مقابل المال.. الذي كان شحيحاً.. فعملها كان يقتصر على حفلة شهرية في الإذاعة، وبعض الأسطوانات والحفلات الخاصة، دون دخل كبير.. كانت لحظات من الضياع.. وفي لحظات ضياعها بين الفرص و التهديدات، وبين الفرح والإحباط، كانت تتصرف في سياق غير مألوف، خاصة عندما أغلقت الأبواب في وجهها، بسبب الغلاء والفقر والحرب، فأصبحت الطرق مسدودة تماماً كما هي اليوم.. للأعلى

المهمة الوطنية..

وتأتيها الفرصة.. أن تعود إلى أسرتها لكي تقوم بمهمة وطنية..فهل تأتيها اليوم فرصة مماثلة.. يبدو أنه لا أمل في ذلك اليوم.. ولكن من يعلم؟؟ ولعلها سرحت هنا في حياتها هناك، عندما عادت إلى الأمير حسن طليقها ، بإصرار منه ، و بسماح خاص من الشيوخ ، إذ لايجوز في تقاليد منطقة جبل العرب السورية أن تعود المطلقة إلى زوجها ولو تزوجت غيره.  
لقد عادت أميرةً تشغل الناس، وتنفق الأموال بدون حساب، فالمال لم يكن يوماً غايتها، عادت واعتادت مرة أخرى أن يكون لها مهام اجتماعية ووطنية وسياسية، وكان تعيين زوجها الأمير حسن وزيراً للدفاع الوطني في عام 1942 ، فرصة لها لتعزيز مكانتها السياسية، ولكنه تحول إلى تهديد، عندما تلاشت وعود الاستقلال. للأعلى

الخيانة.. مجدداً

وتذكرت.. كيف خرج الأمير حسن من الحكومة في آذار/ مايو 1943 ، ثم بدأ أهلها يتهمونها بالخيانة.. فالإنجليز خرجوا من سورية دون تحقيق الاستقلال وتركوا هذه المهمة للفرنسيين الذين يماطلون كثيراً في تحقيق ذلك بحجة الحرب.. رغم ضغط الإنجليز عليهم.. فسافرت..تذكرت كيف سافرت إلى القدس في رحلة علاج أخيرة، ولما ثبت أن الإنجاب مستحيل، سافرت إلى القاهرة وطلبت الطلاق.. وعادت للقدس مجبرة بسبب مشاكل الإقامة التي استجدت بسبب الطلاق.. فأغلقت الدنيا أمامها، بعد أن تفاقمت ديونها.. تذكرت كيف سعت للانتحار، بعد أن طلقها زوجها ، ولم تفلح، الطرق كانت مسدودة مجدداً.. مثلما كان حالها في مصر.. ومثلما هي اليوم..ومع ذلك أتتها الفرصة في عرض التمثيل في فيلم جديد “غرام وانتقام ” وطلبت مبلغاً كبيراً من المال يبرره تاريخها، وعندما جاءها القبول، دفعت ثمن الدخول، زواجاً مدفوع القيمة، وعادت إلى مصر، وهي تعرف أن سورية لم تعد ملجأً لها، فهناك الخيانة تطاردها،.. وطلبت أن تدرج في الفيلم موالاً لقريبها زيد الأطرش، لأنه يلائم حالتها، ولحنه شقيقها فريد، وقدمته في تلك الصرخة السينمائية فهل ستصل رسالتها لأهلها..؟ للأعلى

Bookmark the permalink.

Comments are closed.