ماهي المساحة الصوتية في الموسيقى وفي الغناء ولماذا تقلصت أهميتها ؟

شعار كتاب الأغاني الثاني

تعريف
يقصد بالمساحة الصوتية ، عدد الأصوات الموسيقية التي يمكن لآلة موسيقية ، أو لصوت بشري ، أن يؤديها بدقة ، وبشكل يتوافق مع معايير الجمال والكثافة والفخامة والرخامة والرنين المطلوبة. تقاس المساحة الصوتية ، إما بعدد الأصوات ، أو بعدد الأوكتافات . يتشكل الأوكتاف الموسيقي ( أو الديوان الموسيقي ) من 7 أصوات موسيقية متتالية.

لنتابع هذا التسجيل  ، الذي يوضح فكرة المساحة الصوتية ، حيث يؤدي صوت بشري  3 أوكتافات ( دواوين ) موسيقية ، أي 21 صوتاً موسيقياً ، مضافاً إليها الصوت المكرر الأخير ، بما يساوي بمجموعه 22 صوتاً. يبين التسجيل أيضاً اختلاف آلية إصدار الأصوات البشرية ، على امتداد المساحة الصوتية ، وهو ما سنعرض له بعد قليل : المساحة الصوتية 3 أوكتافات

المساحة الصوتية في الآلات الموسيقية
سمح تنوع الآلات الموسيقية في الفرقة السمفونية الكلاسيكية ، وتنوع  المساحات الصوتية لكل منها ، انطلاقاً من آلة الكونترباص ، التي تؤدي الأصوات الأعرض ، إلى آلتي  الكمان والبيكولو الصغير ، القادرتين على الوصول إلى الأصوات الموسيقية الأحدِّ ، بتشكيل مساحة صوتية إجمالية واسعة جداً ، تقارب المساحة الصوتية التي تستطيع الأذن البشرية التقاطها ، ما ولّد للفرقة السمفونية قدرات أداء تعبيرية وصوتية لا نهائية ، وظفها المؤلفون الموسيقيون في أبدع صورة ممكنة ، معتمدين في التأليف على آلة البيانو ، التي تعد الآلة الموسيقية الأوسع مساحة صوتية في الموسيقى الكلاسيكية الغربية.
بالمقابل تقوم آلة العود التقليدية في الفرقة الموسيقى العربية بتوفير الأصوات الموسيقية العريضة والمتوسطة ، مقابل الآلات الأخرى كالكمان والقانون والناي  ، التي توفر الأصوات الموسيقية العريضة و المتوسطة والحادة بنسب مختلفة ، فيما أسهم ارتباط الموسيقى العربية بالغناء ، في تقليص  المساحة الصوتية لأي لحن إلى حدود لا تتجاوز 15 صوتاً موسيقياً ، هي الحدود القصوى لأصوات المطربين والمطربات ، لتقتصر الألحان المتداولة على 11-12 صوتاً موسيقياً فقط.

ومع ذلك يمكن الإشارة إلى التوسع الذي تم في مساحة الآلات الموسيقية العربية ، وخاصة في آلة العود ، التي كانت بأربعة أوتار ، لتصل اليوم إلى سبعة أتار لدى بعض العازفين . كانت البداية مع زرياب الذي زادعدد أوتار العود إلى خمسة ، لأسباب لا تتصل بزيادة المساحة الصوتية للعود ، وإنما لأسباب فلسفية ، قد أعود إليها يوماً ، إلا أن آلة العود شهدت ، ابتداءً من العصور الوسيطة ، زيادات متتالية لعدد الأوتار فيها ، فزيد عدد أوتارها إلى خمسة ، ثم إلى ستة أوتار وأخيراً إلى سبعة أوتار ، مع جنوح العازفين عليها إلى تقديم أنفسهم كعازفين مستقلين ، بعيداً عن مرافقة المطربين ، ما سمح بزيادة المساحة الصوتية التي تغطيها ، لتقارب ثلاثة دواوين موسيقية ( 21 صوتاً ) ، ومع ذلك تبقى آلة القانون ، الآلة الأوسع مساحة صوتية في الموسيقى العربية الكلاسيكية ، إذ تمتد مساحتها الصوتية إلى ثلاثة دواوين موسيقية ونصف ، أي إلى 26 صوتاً موسيقياً.

إليكم هذا التسجيل التلفزيوني لمؤلَّفي الموسيقي : شغف ، الذي سجلته عام 1996 على القانون ، و تم تصويره في إطار أعمال برنامجي التلفزيوني ” نهج الأغاني ” ، وارتسمت ملامحه على كامل المساحة الصوتية لآلة القانون ، لأغراض تعبيرية..


المساحة الصوتية في الصوت البشري
تتغير طبيعة الصوت البشري على طول المساحة الصوتية المتوفرة ، وقلما وجدت أصوات تحافظ على جمالها على طول تلك المساحة ، كما تختلف آلية إصدار الصوت في منطقة الأصوات العريضة عنها في منطقة الأصوات الحادة ، فبينما يتطلب الأمر ، ضغطاً كبيراً لتمرير الهواء في فتحة ضيقة لإصدار الصوت الحاد  ، حسبما يمكن ملاحظته من خلال التسجيل المعروض أعلاه للمساحة الصوتية ، ما يسمح بأداء لمدة أطول ، فإن إصدار الأصوات العريضة ، يحتاج إلى كمية هواء أكبر ، لأن فتحة التمرير أكبر ، مما يفرغ كمية الهواء المخزنة بسرعة.

عبده الحمولي

عبده الحمولي

تم تصنيف الأصوات البشرية في الموسيقى الغربية في ستة مجموعات: الألتو ( الأصوات العريضة عند النساء ) ، و الميتسو سوبرانو ( الأصوات المتوسطة عند النساء ) ، و السوبرانو ( الأصوات الحادة عند النساء ) ، و الباص ( الأصوات العريضة عند الرجال ) ، و الباريتون ( الأصوات المتوسطة عند الرجال ) ، و التينور ( الأصوات الحادة عند الرجال ) ، فيما لا يتوفر تصنيف للأصوات في الموسيقى العربية ، وإنما تعرَّف الأصوات ، منذ كتاب الأغاني ، بعدد الأصوات لدى كل مطرب. وثّق كتاب الأغاني ، مثلاً ، أن صوت إبراهيم بن المهدي ، كان يمتد إلى  أكثر من عشرين صوتاً موسيقياً ، كما وُثق لعبده الحمولي والشيخ سلامة حجازي بأن صوتيهما كانا يمتدان إلى حوالي 21 صوتاً ، فيما تمتد الأصوات العربية المعاصرة التي عرفناها من خلال التسجيلات ، في أوسع مساحاتها ، إلى 15-18 صوتاً موسيقياً.

تميزت الأصوات التاريخية في الغناء العربي، كأصوات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأسمهان وفيروز وفريد الأطرش ووديع الصافي ونور الهدى وصباح فخري، بثبات جودتها النسبي على طول المساحة الصوتية، فيما اختلفت في مساحاتها الصوتية ، بينما ظهرت أصوات تميزت بمساحة صوتية ممتدة، دون أن تستطيع المحافظة على درجة ثابتة من كثافة الصوت وقوته، على امتداد تلك المساحة، مما قلل من جودة تلك الأصوات.

تجدر الإشارة إلى أن عدد الأصوات لم يكن دوماً العامل الأساس في الشهرة ، فقد كانت مساحة صوت الأستاذ عبد الحليم حافظ محدودة نسبياً، ولكن أداءه المتميز والمعبر، عوَّض عن هذا الواقع، وإن كان وجَّهَه باتجاهات غنائية محددة.

المساحة الصوتية وعلاقتها بأشكال الغناء والقوالب اللحنية.
تقاس المساحة الصوتية للمطرب ، بعدد الأصوات السليمة الأداء في صوته ، من أصوات السلم الموسيقي، ويزداد العدد المطلوب منها ، كلما اقترب المطرب من أداء القوالب الغنائية الأصيلة ، كالدور والموشح والقصيدة ، بينما يخف عدد الأصوات التي يتطلبها  أداء الأغاني الشعبية الموروثة ،  حيث تقتصر المساحة الصوتية المطلوبة فيها على 5 أصوات  ، وتصل في حدودها الأوسع إلى 8 أصوات موسيقية ، ولعل السبب في هذا يعود إلى أن التلحين كان يتم في الغالب بمصاحبة آلات موسيقية وترية كالرباب  ، ناهيك عن ارتباط الأغنية الشعبية بالمناسبات الاجتماعية ، و إسهام الناس في غنائها. بالمقابل ، تمتد المساحة الصوتية المطلوبة لأداء قوالب الغناء الكلاسيكي ، كالدور والموشح والقصيدة ، لتصل إلى 12-15  صوتاً موسيقياً مطلوباً . أسهم تداخل الفنون الشعبية مع الغناء الكلاسيكي مؤخراً ، في زيادة مساحة الأغاني الشعبية ، ومن ذلك ما قدمه الأستاذ صباح فخري ، عندما غنى أغنية يا مال الشام الشعبية ، التي أتت في 8 أصوات ، في نسختها من ألحان الشيخ أبو خليل القباني ، ليقوم أولاً بارتجالات لمد مساحة اللحن الصوتية ، ثم  ليطلب من الملحن الأستاذ سهيل عرفة ، إضافة أغصان جديدة ، بلحن جديد ، وسّع المساحة الصوتية إلى 12 صوتاً ، كما في غصني : يا مال الشام على بالي هواكِ ،  و لو المطال طال وطوَّل ، وهو ما يمكن ملاحظته من التسجيل التالي: يا مال الشام صباح فخري


كانت المساحة الصوتية مجالاً لسجالات بين المطربين ، ومن أشهرهم الشيخ محمود صبح ، الذي وضع ألحاناً ، كان يؤديها في الإذاعات الأهلية ، ثم يتحدى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب لأدائها وهو على الهواء ، كما جاء في موشح ” لاح بدر التم ” الذي يغطي لحنه مساحة صوتية مشكلة من 16 صوتاً موسيقياً ، ويتضمن تسلسلاً صوتياً متتالياً ، في جملة لحنية واحدة ، مشكلة من 13 صوتاً موسيقياً. الشيخ محمود صبح سجل هذا الموشح  منفرداً ( الكورس دائماً في الخلفية ) ، لكي يبرز اتساع مساحة صوته ،   موشح-لاح-بدر-التم-لمحمود-صبح    وعندما سجلت لور دكاش مثلاً هذا الموشح ، أبرزت من البداية دوراً واضحاً للكورس و انفردت بالأداء في المناطق المنخفضة والمتوسطة والحادة ، وتركت للكورس المنطقة الأحدّ وكذلك أداء التسلسل الصوتي المشار إليه !  أما الشيخ إمام ، فقد غناه كاملاً ، ولكنه اختصر صوتاً من القرار ( منطقة الأصوات العريضة ) وصوتاً من الجواب ( منطقة الأصوات الحادة )،  ليقلص المساحة اللازمة بما يلائم صوته ، فيما لم يستجب عبد الوهاب و أم كلثوم لتحديات الشيخ صبح فلم يسجله أي منهما..


ولكن هذا لا يعني أن المساحة الصوتية عند أم كلثوم كانت أقل.. ففي قصيدة ” أماناً أيها القمر المطلّ ” التي غنّتها السيدة أم كلثوم عام 1928 ، وهي من ألحان الشيخ أبو العلا محمد ، يمكن التوقف عند جملة لحنية مشكلة من 15 صوتاً موسيقياً متسلسلاً ، وهذا أوسع مما ورد في موشح ” لاح بدر التم ” للشيخ محمود صبح!  أماناً أيها القمر المطل

تجدر الإشارة إلى أن مساحة صوت السيدة أم كلثوم تراجعت نسبياً ، بعد معالجة صوتها باليود المشع ، في بداية الخمسينات ، نتيجة إصابتها بمرض في الغدة الدرقية ، ومع تقدمها في السن لاحقاً .. وهذا أمر طبيعي ، ولكن المؤسف أن الغالبية اليوم ، لا تعرف صوت أم كلثوم ، إلا في مرحلة متأخرة ، انطلاقاً من التسجيلات التلفزيونية المتوفرة ، التي تبثها بعض الفضائيات.

المساحة الصوتية والبناء المقامي وقدرات الملحن

لو نظرنا إلى بناء الموسيقا العربية نظرة متفحصة ، لتبين لنا أن الأساس المقامي للموسيقا العربية استند ، منذ مدة طويلة ، إلى إمكانات الصوت المؤدي ، فالأصوات الموسيقية المشكلة لمسار أي مقام موسيقي ، لا تغطي من المساحة الصوتية إلا اثني عشر صوتاً موسيقياً ، هي حدود إمكانات الصوت المتداول، مما حدَّ بالتالي من الإمكانات الصوتية الواسعة المتوفرة في الآلات الموسيقية ، ومن إمكانات المؤلف الموسيقي في سعيه للتعبير عن واقعه وعصره. بالمقابل ، صحيح  أن الملحن المقتدر هو من يستطيع إظهار الطاقة القصوى للمغني، وذلك من خلال إعطائه لحناً يسمح بإبراز كامل مساحة صوته ، ولكن أسلوب التأليف في الغناء العربي ، المعتمد على أداء الملحن بنفسه اللحن ، وتسجيله لتحفيظه للمغني ، أثَّر لاشك في تقليص مساحة اللحن ، ليتوافق مع قدرات صوت الملحن نفسه! يمكن هنا استثناء الأستاذ المبدع محمد القصبجي في أسلوبه في وضع لحن رائعته  ” يا طيور ” لأسمهان ، الذي جاء واسع المساحة بشكل استثنائي ، و استطاعت أسمهان أداءه ، معتمدة على زيادة مساحة صوتها ، من خلال لجوئها إلى صوت الرأس ، وانتقالها بين صوت الصدر وصوت الرأس في يسر عجيب.


تجدر الإشارة في هذا السياق ، إلى أن صوت السيدة فيروز ، الذي قيل عنه بأنه يمتد على تسعة أصوات فقط ، وفق الأخوبن فليفل ، وأن محمد فيلفل ، مكتشفها ، استطاع أن يجعله يمتد على 10 أصوات ، يمتد في الواقع إلى 13 صوتاً سليماً ، وفق دراسة خاصة أجريتها على عدد كبير من أغانيها ، وهو ما سأكشف عنه في دراسة خاصة ، كما سأكشف في دراسة أخرى ، عن أساليب الأخوين في توظيف هذه المساحة بشكلها الأمثل ، من خلال أساليب تأليفٍ موسيقية خاصة.

المساحة الصوتية بين الرجال والنساء
يتماثل عدد الأصوات السليمة بين الرجال والنساء ، ولكنها تختلف عند الرجال عنها عند النساء ، من حيث تموضعها على المساحة الصوتية الإجمالية ، وحدتها ، وذلك مثلما تختلف حدة الأصوات الصادرة عن آلة الكمان الجهير ( الفيولنسل أو التشيللو) ، عن الأصوات الصادرة عن آلة الكمان ؛ فالثانية تصدر أصواتاً أكثر حدة ، ولذلك تشبَّه آلة الكمان الجهير بصوت الرجال ، وآلة الكمان بصوت النساء. طبعاً لا تأثير ينجم عن هذا الواقع عندما تغني المطربة أو يغني المطرب الأغنية ذاتها بشكل منفرد ، حيث يكون الفرق الوحيد هو طبقة الغناء التي تصبح أحدَّ أو أعلى،  في حالة كان الغناء لمطربة وليس لمطرب. للمقارنة : لنقارن بين المسمع ذاته من موشح ملا الكاسات ،  بصوت محمد خيري ثم بصوت ليلى مراد ، والمقارنة تكون للتأكد من اختلاف الطبقة الموسيقية بشكل عام ، بين نسخة محمد خيري و ليلى مراد ، وهي الأكثر حدة ، نسبة إلى نسخة محمد خيري ، حيث يبلغ الفرق 4 درجات صوتية ،  وطبعاً هذا بسبب اختلاف الطبقة الموسيقية عموماً بين النساء والرجال  كما أسلفت .

مقارنة الطبقة الموسيقية بين ليلى مراد ومحمد خيري في موشح ملا الكاسات

ولكن تأثير اختلاف المساحة الصوتية بين الرجال والنساء ، وبالتالي الطبقة الموسيقية الملائمة لكل منهم ، يظهر في الحواريات الثنائية ، مما يتطلب أن يراعي الملحن المتمكن والموضوعي اختلاف طبيعة الأصوات ، فيخصص للمطربة مواقع في الغناء أكثر حدة مما هو مخصص للمطرب. يحدث أحياناً وخاصة إن كان الملحن هو المطرب، أن يخصص لنفسه المناطق الحادة للرجال ، وللمطربة المناطق المتوسطة للنساء ، المجاورة لطبقة صوته ، بحجة ضرورة أن يكون غناؤهما معاً في مناطق صوتية متقاربة ، فيظهر صوته في أبهى صورة، ويخبو وهج صوت المطربة! ومن ذلك ما فعله محمد عبد الوهاب في تلحينه لمشاهد أوبريت ” قيس وليلى ” ، ولكن أسمهان استطاعت أن تواكب ألق صوت عبد الوهاب بجدارة ، ولم تتأثر بالقيد الذي فُرض على صوتها!


خطأ شائع: ترتبط المساحة الصوتية بتمكن المطرب من الوصول إلى أصوات حادة أكثر!

في المرئية التالية أتوقف عند المساحة الصوتية أولاً ثم أجيب عن السؤال: هل كانت مساحة صوت عبد الحليم حافظ محدودة؟

وأخيراً

تقلصت أهمية المساحة الصوتية ، في المعايير المؤهلة للأصوات ، على ساحة الغناء العربي ، لصالح قدرات التعبير أولاً ، لتسيطر أخيراً معايير أخرى ، لا علاقة لها عملياً لا بالمساحة الصوتية ولابالتعبير!

د. سعد الله آغا القلعة

Tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.

  • هل تريد أن نعلمك عن جديد الموقع؟

    Loading