أبو خليل القباني.. موسيقي أهمله التاريخ!

شعار كتاب الأغاني الثاني

الشيخ أحمد أبو خليل القباني

 مقدمــــــة:

 كان أحمد أبو خليل القباني الدمشقي فناناً مجرباً ، اختزن عناصر الموسيقية العربية الشائعة في عصره ، وأبدع فيها نظماً وتلحيناً ، ثم دفعته نزعة التجريب ، ورغبته في توظيف الغناء ضمن عالم ساحر هو المسرح ، بأدواته المختلفة من ملابس وديكورات ،وحركة ، إلى أن يبتدع المسرح الغنائي في بلاد الشام أولاً ،ثم ينتقل بعدها إلى مصر  ، بعد أن أجبرته الظروف على ذلك ، حاملاً معه في نفس الوقت ، ما اختزنه من صنعة موسيقية ، ونتاج مسرحي ، ليساهم في ولادة المسرح الغنائي في مصر .

حفظ التاريخ له دوره في ابتداع المسرح الغنائي العربي ،  وأهمل أهميته كملحن مبدع ، وأستاذ معلم ، ساهم في ولادة النهضة الغنائية الحديثة ، التي شهدتها أرض الكنانة ، ابتداء من القرن التاسع عشر ، وامتدت حتى منتصف القرن العشرين.


الموسيقا وخيال الظل :

 كانت اللحظة الحاسمة في حياة الصبي أحمد ،سهرة غناء أقيمت في أحد البيوتات الدمشقية الدمشقية ، في ليلة صيفية من ليالي دمشق ، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.  في تلك الليلة، وبعد أن أخفق أحمد،الذي حفظ بعض الموشحات المتداولة في طقوس الإنشاد الصوفي في إثبات مقدرته أمام منشد كبير من منشدي دمشق، اندفع باحثاً ، وفي نفس الليلة ،عن معلم يفتح له الآفاق الحقيقية لعالم الموسيقا العربية. وجد أحمد ضالته في شخص علي حبيب( الكراكوزاتي ) ،فخيال الظل في تلك الأيام كان فناً تتجمع فيه عناصر فنية مختلفة من غناء وحركة وتمثيل ، يعتمد على أخيلة الأشكال المتحركة ، والأصوات التي يصدرها “الكراكوزاتي “مجسداً عبر أغانيه وأسلوب معين في تغيير صوته ،مختلف شخصيات المشاهد التي يقدمها .

في حلب:

في شهر واحد أتقن أحمد ما كان يحفظه علي حبيب ،فراح يبحث عن معلم آخر أكثر معرفة واختزاناً للموشحات والقصائد،وكان لابد من أن يتجه إلى حلب، مركز الإشعاع الموسيقي العربي في تلك الفترة،هناك تعرف على الشيخ أحمد عقيل معلم الغناء الأول ،فأخذ عنه أصول الصنعة الموسيقية، وتعرف على الشيخ صالح الجذبة ،أستاذ رقص السماح الذي أتاح له  التعرف على هذا الرقص الخاص الذي يصور،عبر الحركة ،ألحان  الموشحات وإيقاعاتها المتنوعة. أتقن أحمد بعد طول متابعة ودراسة اللغة الموسيقية العربية،فحفظ الإيقاعات والمقامات الموسيقية،ووصلات الموشحات ،وأساليب الحركة المرافقة لها في رقص السماح.

الفن الجديد :

ولكن طموح الفتى كان يدفعه دوماً إلى البحث عن عوالم أخرى.. لقد بقيت صورة خيال الظل،وأساليب أستاذه الأول علي حبيب في دمج الغناء والحركة والحكاية ،تدفعه إلى البحث عن توظيفات جديدة للموسيقا ،والغناء ،بعيداً عن التوظيفات الشائعة في تلك الأيام ،والتي كانت تتمثل في إنشاد التكايا والزوايا الصوفية أولاً، وسهرات الأفراح  في البيوتات العريقة ثانياً. وتساءل الفنان الشاب ..ألا يمكن أن أقدم شخوصاً  حقيقية بدلاً  من خيال الظل ؟..ألا يمكن أن يكون هناك فرقة موسيقية حقيقية ومنشدون و ممثلون وراقصو سماح في الوقت  نفسه ؟..ألا يمكن أن تعبر نصوص الموشحات والقصائد المغناة عن معنى محدد، يدخل ضمن سياق القصة ؟ ثم ألا يمكن أن تكون القصة مفيدة..  للمشاهد ،تدعوه إلى مكارم الأخلاق وتنمي العلاقات السليمة بين عناصر المجتمع؟..

قصة حقيقية :

وهكذا بدأ  أحمد القباني يدرس الأدوات اللازمة لعالمه الجديد..فبعد أن اتقن أصول الموسيقا العربية ، ورقص السماح بملابسه الموشاة الخاصة ، انطلق يدرس الأدب العربي فيتقن أصوله وقواعده ،ولم يكتف،بهذا ، بل درس اللغتين التركية والفارسية في محاولة واضحة لضمان اتساع أفقه وتنويع أدواته.

وجاءت أولى المحاولات في تشابك أدواته الفنية ،عندما تناقل الناس قصة صديقين ،تنكر أحدهما للآخر ،عندما تعارضت المصالح ،متناسياً  سنوات طويلة من الأخوة والمحبة. أثرت القصة في أحمد أبي خليل القباني فكتب أولى مسرحياته بعنوان (ناكر الجميل)،لتروي الحكاية والعبرة منها، ولتدعو إلى أن تكون الصداقة الحقيقية فوق كل مصلحة ، وشكل فرقة لتمثيلها وتقديم الأغاني والموشحات فيها ، من مجموعة من أصدقائه الهواة ،قدمت الرواية ضمن إطار ملائم حاول فيه أن تتعاون عناصره المتنوعة ، من ديكور وملابس وإخراج لحركة الممثلين،،والراقصين ،لتعبر عن القصة وتسلسل أحداثها ، معتمدة على الألحان العذبة التي كانت تتخلل المشاهد ، ورقصات السماح ،بتشكيلاتها ،وملابسها ليتحقق الجذب الأمثل للجمهور ،وبدا بالنتيجة أن الأبواب أصبحت مفتوحة أمام الفن الجديد.

محرضات التلحين :

وكان لابد من أن تتفاعل العلاقة التبادلية بين الموسيقى والمسرح في فكر أبي خليل ،فالرواية الجديدة بحاجة إلى ألحان جديدة ،نصوصها تتكامل مع المشهد الذي تتخلله ،وبعد أن كان بالإمكان توظيف موشحات جميلة  سائرة ،ضمن الرواية ، تساهم في جذب الجمهور الذي يحبها ،أصبح لابد من أن يكون هناك تلحين جديد ،ونصوص جديدة.

وهكذا تحقق المحرض الأول لكي يدخل الفنان عالم التلحين ، مستغلاً معرفته بأصول الموسيقى من جهة ، والأدب والشعر العربيين ، من جهة أخرى.

مدحت باشا :

مدحت باشا والي دمشق

ولكن كل هذا كان بحاجة لتمويل كبير.. الجمهور لا يدفع أي مقابل لحضور الرواية ، فسماع الغناء في مواقعه التقليدية كالتكايا وسهرات الأفراح كان مجانياً  تماماً ، وإن كانت هناك كلف، وخاصة في سهرات الأفراح ، فقد كان من الطبيعي أن يتحمل صاحب الفرح التكاليف.. والناس تدخل لتفرح مع صاحب السهرة ،وتبارك له فرحه ، وتستمع..وهكذا كانت مشكلة التمويل عقبة لابد من تجاوزها.

جاءت الفرصة عندما عُِّين مدحت باشا ، الرجل المصلح المحب للتقدم الفكري والياً على دمشق حوالي عام 1880 ميلادية .كان مدحت باشاً رجلاً  واسع الأفق ، يعد لمشروع نهضوي ، يقارب مشروع محمد علي باشا مصر ، ورأى في فن أحمد أبي خليل ،نقطة إشعاع فكرية قد تساهم في مشروعه ،إن استطاعت جذب الجمهور خارج الأطر التقليدية ، لطرح الأفكار وتشكيل منبر جديد يوظف الموسيقا في خدمة التنوير . وهكذا صرف الوالي للفنان المال اللازم لتطوير مسرحه ،وساهم أبو خليل نفسه في التمويل ،فباع قطعة أرض له في إحدى ضواحي دمشق ،وظن الجميع أن الأحلام بدأت تتحقق.

 مسرح  و موشحات بدون نساء :

أنشأ أبو خليل مسرحه الجديد ،واستقدم الشيخ صالح الجذبة من حلب ليشرف على رقص السماح ، واتفق مع موسيقيين و منشدين من حلب و دمشق ، ودرب الممثلين أحسن تدريب ، وأنفق على الملابس والديكورات ما يكفل تصوير زمان ومكان الرواية الجديدة.

ظهرت مشكلة جديدة ، عندما حاول أبو خليل أن يجسد رواياته الجديدة على أرض الواقع ، وفي أفضل صورة ممكنة ، تمثلت في امتناع الشابات عن الدخول في فرقته . وكان لابد من أن يلعب بعض الشبان أدوار الفتيات ،مما استلزم دخول أبي خليل عالم ” الماكياج”  ، لتقريب ملامح الشاب الممثل من شكل فتاة تمثل دور الأميرة بشكل مقنع. لم يخطر ببال الفنان المبدع أن هذا الحل حقق نقطة الضعف التي مهدت الطريق أمام  أعدائه للقضاء على مسرحه الوليد.

 قُدمت الروايات الجديدة، ضمن هذا الأسلوب ،تتخللها موشحات رائعة من ألحان أبي خليل ،لا نزال نتغنى ببعض منها حتى اليوم ،كموشح “ ما احتيالي يا رفاقي  “وموشح”  يا غصن نقا مكللاً بالذهب ،”  وموشحات أخرى مثل “بالذي أسكر ” و ” شادنٌ صاد قلوب الأمم ..” كلها موشحات لا تزال حية في عالم اليوم ، يغنيها المطربون خارج إطار الروايات المسرحية، لتشهد على عبقرية موسيقية واضحة، كانت كافية بمفردها لأن تكفل لمبدعها الخلود في سجل رواد الموسيقا العربية.

الحــــرق الأول .. في الشام 

حاول المحافظون من مجتمع دمشق ، التدخل لدى الوالي  لإنهاء هذه (المهزلة) ، متعللين بأن الشباب يمثلون أدوار الفتيات ،مما يدعو بشكل واضح للتخنث ،وساعدهم أهل التصوف الذين كانوا يوظفون الغناء ضمن طقوسهم بعد أن لاحظوا دور منبر الغناء الجديد ، في انحسار عدد المتابعين لطقوسهم.

لم يلق مدحت باشا بالاً لهذه المحاولات، فقد كان يدرك أهمية دور أبي خليل ، في تغيير الواقع الاجتماعي السائد.ولكن مدة الوالي مدحت باشا في دمشق لم تطل ، لأن  السلطنة العثمانية درجت على تغيير الولاة باستمرار ، خوفاً من تشكيل مراكز قوة في المدن الكبرى ، من جهة ، ولأن توجهات مدحت باشا ،كانت تقلقها بشكل خاص من جهة أخرى .وهكذا نقل مدحت باشا إلى الطائف في عام 1883 ، وانكشف وضع أبي خليل أمام أعدائه ، الذين سارعوا بإبراز أمر سلطاني بوقف مسرحه ، وكان التنفيذ أقسى، فأحرق المسرح ، وأجهضت مدرسة فنية متكاملة ،مع أنه نقل بعدئذ ، أن الأمر السلطاني كان مزورا”.

في مصر :

 اتجه القباني إلى مصر، حيث  البيئة الفكرية عطشى لكل فن جديد،واستُقبل الفنان وفرقته الكاملة من موسيقيين ومنشدين وراقصي سماح  وممثلين ، بكل ما يليق من احترام في الإسكندرية، وكتبت جريدة الأهرام تدعو الجمهور ليحضر مسرحه في أولى رواياته “: أنس الجليس. ”

مثل القباني في الإسكندرية خمساً وثلاثين مسرحية غنائية ،ارتبطت غالباً بالسير القديمة كقصة عنترة ،وقصص ألف ليلة وليلة،وقصة مجنون ليلى ، إضافة إلى نصوص معربة مثل روايتي: الخل الوفي و عايدة، ولكن الأهم كان  في أنه أدخل صيغة جديدة على المسرح  ، وهي الفواصل الغنائية التي كان يقدمها بين المشاهد أو بعد انتهاء الرواية، عبر الصوت الساحر ، الذي سيلعب دوراً كبيراً في نهضة مصر الغنائية ، عبده الحمولي.

وانتقل القباني إلى القاهرة مع فرقته السورية ، التي انضم إليها أهم مطربي مصر كعبده الحمولي كما ذكرت ،وسلامة حجازي رائد المسرح الغنائي المصري فيما بعد ،إضافة إلى بعض الممثلات المصريات.

قدم أحمد أبو خليل روايته الأولى في القاهرة  ” الحاكم بأمر الله”  على مسرح الأوبرا ،بعد أن سمح له الخديوي توفيق بتقديم رواياته لمدة عام مجاناً ، وكانت حافلة بالموشحات المطربة ،التي كان من بينها ،موشحه الخالد :

برزت شمس الكمال        من سنا ذات الخمار

الذي يعتبر عمدة موشحات مقام الحجاز على مر العصور.

روى أحد المقربين من الخديوي ، وعلى لسانه ،أن القباني عندما دخل المسرح وجلس على عرش الملك ،مجسداً دور الحاكم بأمر الله ، أثرت عظمة التمثيل في الخديوي ،فشردت أفكاره ثم وقف ، ووقف الجمهور معه، ثم إذ شعر بنفسه  جلس  ، وقال لمن حوله:   “خلت أني في قصر أقجه قلعة ،وأن السلطان عبد العزيز قد دخل ووقف على عرشه ،فوقفت إجلالاً  له .

مدرسة حقيقية

وتتابعت نجاحات القباني ، وأنشأ مسرحه الخاص في القاهرة ،واستمر على الحال سبعة عشر عاماً  يعلم ويلحن ويخرج ويمثل ، مع فرقته الكاملة التي رافقته من دمشق ،وإن شعر بالغربة عن أرض الوطن ،نظم وغنى من الأغاني الشعبية التي دخلت عالم مسرحه المتنوع ، ما أعلمنا بتشوقه إلى الشام وغوطتها ، فها هو يغني من نظمه وتلحينه”:يا مال الشام “ و “يا مسعدك صبحية”  ،و “يا طيرة طيري يا حمامة وديني لدمر والهامة “، (وهي من ضواحي دمشق على ضفاف نهر بردى) ،مجسداً بذلك التناغم  ،بين عاطفته ، ونصوص  أغانيه ،وألحانه.

كبرت مؤسسة القباني المسرحية ،وأصبح عنده تلاميذ ، يساهمون في تحفيظ المغنين الموشحات الجديدة ،يتعلمون منه ويقومون بتعليم المغنين،من أهمهم : كامل الخلعي ، الذي أصبح بعدئذ من أهم ملحني الموشحات والمسرحيات الغنائية في مصر ، في الربع الأول من القرن العشرين .قال الخلعي عن أستاذه أحمد أبو خليل القباني ،في كتابه (الموسيقي الشرقي) الذي لخص فيه ما تعلمه منه ،والذي يعتبر أول كتاب في نظريات الموسيقى العربية يصدر في مصر ، مع بداية النهضة الغنائية فيها :

“شهد له فطاحل الملحنين بما له من بديع التلاحين الرقيقة، وأناشيد الطرب الرقيقة ، فكم له من قطعة رافعة للقدر ، ومدحة شارحة للصدر، ومرثية مبكية للعيون ، ومقطعات من مختلف الفنون ،  أما التمثيل فحدث عنه كما تشاء ، فقد بلغ فيه أستاذنا من الإجادة ما فوق الإرادة، يجسم الوهم ويقربه إلى الفهم ، يلبس المجاز بالحقيقة ،وما تكلف ولكن أملته عليه السليقة”.

أليس في هذا الوصف ما يدلنا على روعة ألحانه المسرحية، والتعبير الذي داخلها عن المعاني المغناة ؟  كم نأسف الآن لأن هذه الألحان لم توثق ، كأغلب ألحان المسرح الغنائي العربي ، ولم يبق منها إلا ما تداوله المطربون من الموشحات التي غنيت خارج المسرح .

الرحلة إلى شيكاغو

في عام 1891 تلقى السلطان العثماني عبد الحميد دعوة من الرئيس الأمريكي للمشاركة في المعرض العالمي الذي سيقام في شيكاغو ، فرغب في أن تظهر السلطنة بمظهرٍ مواز للإمبراطوريات الكبرى المشاركة ( شاركت مصر بجناح خاص فيما كانت مشاركة سورية ضمن الجناح العثماني) ، وأن يتم رفع سوية المشاركة إلى أعلى مستوى ، سواء في تشكيل الفريق الفني والإداري  ، أو في تصميم الجناح المجسد للمشاركة في المعرض. تعاقدت السلطنة مع شركة ” العوائد الشرقية ” لتنفيذ المشاركة ، التي سمت القباني مديراً فنياً للمشاركة.

سافر أبو خليل إلى شيكاغو مع فرقته المسرحية والموسيقية والغنائية  ، وعرض مسرحياته في الجناح العثماني ، فحازت على إعجاب النقاد ، وكان بذلك أول مسرحي عربي يعبر المحيط الأطلسي لتقديم عروضه . استمرت عروض الفرقة هناك لمدة ستة أشهر.

عرض أبو خليل مسرحيات  :   الدراما القلمونية ،  مسرحيات عرس دمشقي ،  المروءة و الوفاء ، هارون الرشيد ، الابن الضال و عنتر بن شداد  ،  وهي واحدة من أكثر مسرحیات أبي خلیل القباني شهرة، إذا قدمتها فرقته عشرات المرات في دمشق والإسكندریة والقاهرة ، فيما  قدم  مراسل صحيفة “بیتسبیرغ دیسباتش”، عرضاً تفصيلياً لها ، ابتداءاً من الفقرات الفنیة التمهیدیة ، وصولاً إلى المسرحیة نفسها ، ثم الفقرات الفنیة الختامیة.
والحق يقال أن هذا المراسل قدم وصفاً ثمیناً غیر مسبوق للفرجة المسرحیة القبانیة التي تبدو ملیئة بالحركة والكومیدیا، والاعتماد على الترمیز والاختزال وكسر الجدار الرابع بین الخشبة والجمهور، وفق قوانین “العلبة الإیطالیة”.

لوحة للمنادي الذي يدعو زوار المعرض لحضور مسرحيات أبي خليل القباني

كما كتب المراسل في وصف عروض القباني :  “قبل أن یحل موعد رفع الستارة لم تكن لتجد كرسیاً فارغاً في المسرح وامتلأت الممرات بسرعة، وهي ضربة حظ للقریة التركیة ومسرحها الذي كلف بناؤه 7000 دولار، وهو مسرح یتسع لألفي مشاهد حین یكون مكتظاً”.

مقالي حول رحلة أبي خليل إلى شيكاغو

الحرق الثاني.. في مصر

 ودارت دورة الزمان ، وكثر الحساد ، يوغر صدرهم نجاح دائم ،وجمهور متزايد ، فاستغلوا جولةً  له في مدن مصر ،يقدم رواياته الغنائية، وأحرقوا مسرحه في القاهرة، لتكون الضربة القاصمة التي لم يستطع القباني أن يتحملها ، فقفل عائداً إلى دمشق ،ليقضي فيها في عام 1903 عن عمر يناهز السبعين عاماً  ، قضاها في خدمة الفن الموسيقي والتمثيلي ، تدفعه رغبة جامحة في توظيف الغناء توظيفاً يقترب من الناس،عبر جمال الألحان وتداخله العبرة والموعظة الحسنة ، بغية المساهمة في تنوير مجتمع على عتبة نهضة قادمة.

اعترافاً بفضل أبي خليل القباني ، قامت بلدية مدينة الإسكندرية ، التي استقر وعرض أعماله فيها أولاً ، في رحلته الأولى إلى مصر ، بإطلاق اسمه على أحد شوارعها.

خاتمــــــــــــة :

توفي القباني ، وحفظ له التاريخ دوره الرائد في المسرح الغنائي،ولكنه أهمله كموسيقي مبدع ،لحن عشرات الموشحات الجميلة والمطربة،والأغاني الشعبية الفرحة ،التي لا تزال تملأ مسامعنا دون أن ندري أنها لأبي خليل القباني ، كما أهمل دوره في نقل عناصر اللغة الموسيقية العربية ،والموشحات والقصائد والألحان ،التي اختزنتها بلاد الشام طيلة القرون الماضية ،إلى مصر، تلك العناصر التي ساهمت  مع عوامل أخرى على تحريض النهضة الغنائية الحديثة في أرض الكنانة ، ولهذا حديث آخر.

د. سعد الله آغا القلعة

أغنيات لحنها أبو خليل القباني

مقالات تناولت أغنيات لحنها أبو خليل القباني أو تعلقت بألحانه

حلقات تلفزيونية تناولت فن أبو خليل القباني

Tagged , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.