• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

  • ***احتفاءً بمرور عشر سنوات على إطلاق الموقع ، الدكتور سعد الله آغا القلعة يعلن فتح الموقع للزوار اعتباراً من اليوم لتكون موسوعة كتاب الأغاني الثاني في متناول الجميع***

حياة وفن أسمهان – الفصل الرابع – 1: قسوةُ الحياة و صراعٌ فني يوديان بها للفقر والهوان فالانتحار .. والحل : فيلم انتصار الشباب

شعار كتاب الأغاني الثانيالفصل السابق : حياة وفن أسمهان – الفصل الثالث –4

أسمهان 2الكتاب المسموع : حياة وفن أسمهان
الفصل الرابع – القسم الأول

القسم الرابع: قسوةُ الحياة و صراعٌ فني يوديان بها للفقر والهوان فالانتحار ..
والحل : فيلم انتصار الشباب


التسجيل الصوتي للاستماع المتزامن مع قراءة النص :


مساء الخير..

في الحلقات السابقة من برنامج أسمهان استعرضنا أولاً البدايات، كيف استقرّت الطفلة آمال الأطرش ، أو أسمهان ، في القاهرة مع والدتها وشقيقيها، هرباً من الفرنسيين. ثم كيف بدأ صوتها يتكوّن، وكيف أنها في بداية الثلاثينات، وهي بعد في الرابعة عشرة من عمرها، سجّلت بعض الأسطوانات، ثم ما كان من زواجها من الأمير حسن الأطرش ، ابن عمها، وعودتها إلى سورية للإقامة هناك ست سنوات كاملة، ثم كيف أنها قرّرت أن تتركه لوضعٍ إجباري شرحناه في الحلقات السابقة، وعادت إلى القاهرة وهي تُحسّ بالضياع.

حالة الضياع هذه، كان هناك شقيقها فريد الأطرش لكي يأخذ بيدها ويخلّصها منها. وَضعَ الأستاذ فريد الأطرش ، شقيقها، الذي كان يعلم أنها تتحلّى بصوت رائع، وضع خطّة محكمة لكي يصل بها إلى قمة منافسة للسيدة أم كلثوم . قال: في البداية سألحِّن لها من ألحاني فتُغني كي يتعرف عليها كبار الملحِّنين، فيُحرَّضون ( ويلحنون ) لها، فتصبح نجمة كبيرة، وإذ بها تقدّمني من جديد كملحّن كبير في الغناء العربي، وفعلاً هذه الخطّة نجحت، ولحّن لها كبار الملحّنين. لحّن لها الأستاذ محمد القصبجي والأستاذ رياض السنباطي ، والأستاذ محمد عبد الوهاب ، والأستاذ مدحت عاصم ، وكل منهم كان يلحّن لها ضمن مساره التلحيني، وضمن أهدافه الخاصة بتوجّهاته التلحينية. مثلاً الأستاذ رياض السنباطي والأستاذ القصبجي لحّنا لها في خطّ محدّد، قالب القصيدة . لماذا؟ لأن السيدة أم كلثوم كانت لا تكلّف لا القصبجي ولا السنباطي بتلحين القصائد . كان هذا محدّداً للأستاذ زكريا أحمد .

الأستاذ السنباطي رأينا أنه في ما بعد، وبعد وفاة أسمهان ، كُلِّف بالقصائد ، أما الأستاذ القصبجي فلم يستطع ذلك، ولم يُكلَّف أبداً بتلحين القصائد ، مع أنه قدّم تنازلاً كبيراً عندما لحّن لـ أسمهان لحناً تقليدياً، في تقرُّبه من تقليدية أم كلثوم ، وليُبرز لها أنه قادر على تلحين هذا النمط بالأسلوب التقليدي الذي ترغب. لم تُلقِ السيدة أم كلثوم بالاً إلى هذا، وبالتالي فقد أراد أن يردّ على هذا الرفض من السيدة أم كلثوم بتكليفه القصائد ، وقدّم لـ أسمهان مونولوجاً رائعاً وضعها في قمّة التجديد في الغناء العربي، مقابل قمّة الأصالة التي تربّعت عليها السيدة أم كلثوم ، كان هذا المونولوج الرائع هو مونولوج يا طيور الذي نبدأ الآن بالاستماع إليه متابعين شارة البرنامج.

 (قطع إلى شارة البرنامج مع أغنية يا طيور لـ أسمهان )

يا طيور

غنِ حبي وانشدي وجدي وآمالي

للي جنبي واللي شايف ما جرى لي

أشتكي له يبتسم ويزيد ولوعي

يا طيور

صوري له حالي من سهدي ودموعي

 هذا المونولوج الرائع سوف يفتح لنا موضوع هذه الحلقة من برنامج أسمهان . إنه الصراع الداخلي بين كبريائها، وقد كانت تُحسّ بالكبرياء لأنها تحسّ بأنها أميرة وُلِدت في أسرة سورية عريقة من جهة، وبين حاجتها الملحّة للمال، واضطرارها للغناء لكي تعيش. وهنا كانت تبرز المشكلة الثانية، أنها حتى لو أرادت أن تُغنّي من أجل أن تعيش، متغلّبة على إحساسها بالكبرياء، وأن الغناء لا يلائمها، فإن الدخل الفني للفنان في مصر كان يُؤمَّن غنائيّاً من حالتين: الحفلات الفنّية على المسرح، والحفلات الفنية الخاصة، وفي الحالتين كانت هناك مشكلة.

جمهور أم كلثوم في حالة طرب

جمهور أم كلثوم في حالة طرب

المسرح .. في تلك الأيام كانت السيدة أم كلثوم قد وجَّهته مع زكريا أحمد إلى خط التطريب ، لمواجهة تيار التجديد الذي كرّسته أسمهان ، فكانت أم كلثوم تقدّم مثلاً ” أنا وانت ظلمنا الحب، حلم، الأمل، الآهات، حبيبي يسعد أوقاته”، أغاني تطريب وأصالة، بينما كانت أغاني أسمهان المفعمة بالشّجن لا تتلاءم كثيراً مع هذا الخط التطريبي. إذاً هنا مشكلة، لم تكن تُطلَب للغناء على المسرح بأغانيها بالحزينة. أيضاً الحفلات الفنية كان فيها إشكالية أخرى، فهي كانت بإحساسها بالكبرياء ترى أنها لا تريد أن تُغني في حفلة خاصة لمن هم ليسوا بمرتبة أو في مرتبة أعلى من مرتبتها هي، وهكذا كانت تمتنع عن المشاركة في الحفلات الفنّية الخاصة، النتيجة: لا كسب مالي، وبالتالي، كانت تعيش في فقر كامل، لدرجة أنها حاولت الانتحار في 21/9/1940، لأنها مرضت ولم يكن لديها ثمن الدواء، وخاصة أنها كانت أيام حرب، وبالتالي كانت تتشوّق لحياتها مع أسرتها، وكانت في سورية، فكانت تُغنّي يا ليالي البشر يا أحلى الليالي.. أين أنت الآن من ليل هواني.. لم تعودي غير ذكرى في خيالي.. فأنا اليوم أقاسي في الزمانِ..

 (قطع إلى أغنية يا ليالي البشر لـ أسمهان )

يا ليالي البشر يا أحلى الليالي أين أنتِ الآن من ليل هواني

لم تعودي غير ذكرى في خيالي فأنا اليومَ أقاسي في الزمانِ

 رأى الأستاذ فريد الأطرش ، شقيق أسمهان ، أن الحلّ سوف يكون في السينما، لأنها كانت تؤمِّن دخلاً جيّداً، وهكذا جاء فيلم انتصار الشباب الذي مثّله فريد وأسمهان ، وتقاضت أسمهان عنه ألفاً وخمسمائة جنيه مثلما تقاضى الأستاذ فريد عن التمثيل أيضاً والغناء والتلحين.


فيلم انتصار الشباب : فريد يتحول إلى خمسة ملحنين في واحد أولهم زكريا أحمد

في الواقع، استطاع الأستاذ فريد الأطرش أن يُقنع المنتج بأنه قادر على أن يلحّن أغاني الفيلم جميعها، لأنه قادر على أداء، أو على التلحين على الأمزجة التلحينية المختلفة السائدة لجميع كبار الملحِّنين. كنا قد رأينا في الحلقات السابقة أنه كان قادراً على تلحين الأساليب التلحينية للأستاذ عبد الوهاب ، والأستاذ القصبجي ، والأستاذ السنباطي ، وسنثبت الآن أنه قادر على تلحين الأمزجة، أو المزاج اللحني للأستاذ زكريا أحمد ، وليكن ذلك عبر حوارية إيدي في إيدك في فيلم انتصار الشباب ، والتي نظمها بَيّرَم التونسي ، الذي كان يشكل ثنائيّاً مع الأستاذ زكريا أحمد في تلك الفترة، وهو هنا سيشكّل ثنائيّاً مشابهاً مع الأستاذ فريد الأطرش .

 (قطع إلى أغنية إيدي في إيدك لـ أسمهان وفريد الأطرش )

ايدي في ايدك تسير والمولى راعيها

أسمهان: ليه نشتكي أرضنا والنيل ساقيها

مَيَّه حياة النفوس بس إنت صفيها

 الأستاذ فريد الأطرش قدّم نفسه في هذا الفيلم كأربعة ملحّنين في واحد، بالإضافة إليه هو، لأنه قدّم أسلوب زكريا أحمد ، كما لاحظنا، وسيقدِّم أسلوب محمد القصبجي ، ومحمد عبد الوهاب ، وسيد درويش .

زكريا أحمد

زكريا أحمد

زكريا أحمد … هنا في حوارية إيدي في إيدك لاحظنا أنها على خط الأستاذ زكريا أحمد التلحيني، ماذا؟ هل تقولون إنها تشبه محلاها عيشة الفلاح للأستاذ محمد عبد الوهاب ؟ في الواقع الأساس هو في هذا الخط زكريا أحمد ، حتى الأستاذ عبد الوهاب كان يستوحي منه … من زكريا أحمد عندما قدّم محلاها عيشة الفلاح ، ومع محمود بيرم التونسي الذي نظم الكلمات.

إذاً يبقى الأستاذ زكريا أحمد هو المنبع في هذا الخط التلحيني، وفي هذا الشكل الذي استمعنا إليه. أيضاً مع الأستاذ عبد الوهاب الذي قدّم قيس وليلى نجد أن الأستاذ فريد سيقدِّم أوبريت انتصار الشباب على أسلوب قيس وليلى ، إذاً على أسلوب الأستاذ عبد الوهاب ، وهو خط تلحيني مختلف، أما في المونولوجات الرومانسية فسيُقدّم على أسلوب محمد القصبجي ، وحتى في انتصار الشباب ، عند اللزوم، سيقدّم على أسلوب سيد درويش في المسرح الغنائي . إذاً فعلاً استطاع الأستاذ فريد أن يُقدّم نفسه كأربعة ملحِّنين في واحد، إضافة إليه هو، فريد الأطرش كملحِّنٍ خامس.


نقاش علني حول الكبرياء والفن

هذا مسارنا الأول في بحثنا في فيلم انتصار الشباب ، ولكن المسار الثاني هو أيضاً مسارٌ مهم، هو أن هذا الفيلم روى قصة حياة أسمهان . الواقع هنا ملاحظة هامة: أسمهان مثّلت فيلمين: انتصار الشباب وغرام وانتقام ، وفي الفيلمين كانت هناك رواية لحياتها الحقيقية.

على كل حال، هذا الفيلم، وفي مسار التعامل مع حياة أسمهان ، سيقدّم لنا نقاشاً علنيّاً بين أسمهان وفريد حول الكبرياء والفن والتفاؤل والتشاؤم. إذاً هما مساران، كيف قدّم الأستاذ فريد ذاته كأربعة ملحِّنين في واحد، والمسار الثاني رواية الفيلم لحياة أسمهان ، والنقاش العلني حول الكبرياء والفن.

فريد وأسمهان يصلان من الشام في بداية فليم انتصار الشباب

فريد وأسمهان يصلان من الشام في بداية فيلم انتصار الشباب

يروي الفيلم حياة شقيقين وصلا إلى القاهرة سعياً للدخول في عالم الفن. في البداية تنجح الأخت لجمالها لا لجمال صوتها، في أن تعمل في صالة للغناء، وهذا ما حصل فعلاً مع أسمهان في بداياتها، عندما في بداية الثلاثينات غنّت في صالة بشارع عماد الدين. على كل حال ، في الفيلم ، تُغنّي أسمهان في تناقض واضح مع المكان يا بدع الورد .. هل يُغنّى عن الورد في صالة للغناء، أو في صالة ملهى؟ على كل حال في هذه الأغنية يقترب الأستاذ فريد الأطرش من أسلوب زكريا التطريبي في التلحين، زكريا أحمد . نتابع ثم ندقِّق في هذه النقطة.


(قطع إلى أغنية يا بدع الورد لـ أسمهان )

يا بدع الورد   يا جمال الورد

من سحر الوصف قالوه عَ الخد

الورد الورد يا جماله


زكريا أحمد و التتالي الإنفعالي

من أهم خصائص مدرسة الأستاذ زكريا أحمد التلحينيّة ما يسمّى بأسلوب التتالي التفاعلي، وهو… عندما يختار الأستاذ زكريا أحمد جملة لحنية قصيرة، ويكرّرها بشكل متتالٍ، إما متصاعد لحناً، أو متخافض، وغالباً ما تنتهي بتصاعد مع الوصول إلى ذروة في اللحن تحرِّض طرب المستمع.

في الواقع هذا الأسلوب هو ليس من ابتداع الأستاذ زكريا أحمد ، وإنما استقاه من ملحِّني القرن التاسع عشر، ولكن هذا موضوع لن أفصِّل فيه الآن، وقد أخصِّصه أو أفصِّل فيه في برنامج خاص عن الأستاذ زكريا أحمد .

لكي ندقق، لنختَر مثلاً أغنية الورد جميل في مقارنة مع يا بدع الورد ، دائماً الورد. إذاً لنأخذ الورد جميل، وفي عبارة شوف الزهور وتعلّم عن الحبايب تعرف تتكلّم.. شوف.. شوف.. أوّلاً في تخافض للحن مع هذا الأسلوب المتتالي، ثم شوف الزهور.. الزهور.. يتصاعد اللحن في تتالٍ متسارع إلى أن يصل في الختام ويختم ..يعود ” شوف واتعلّم “ويختتم المقطع. لندقّق مع أغنية “الورد جميل” لـ زكريا أحمد .

 (قطع إلى أغنية الورد جميل لـ أم كلثوم )

شوف الزهور وتعلّم عن الحبايب تعرف تتكلّم

شوف.. شوف..

شوف الزهور.. الزهور..

شوف واتعلّم

 في أغنية يا بدع الورد سيُنفذ الأستاذ فريد الأطرش الأسلوب ذاته، وذلك في بيتين متتاليين، في الأول عند عبارة غيرة و آلام ، عند كلمة آلام سيُنفّذ ذات التفاعل التصاعدي الانفعالي المتتالي، كما تحدّثنا ، وفي البيت الذي يليه، وفي ذات الموقع عند ريحة وغرام… عند كلمة غرام … هناك أيضاً ذات التتالي… لنتابع.

 (قطع إلى أغنية يا بدع الورد لـ أسمهان )

والأصفر من ريحته غيرة وآلام

ارحم يا رئيف

والأبيض دا العفة ريحة وغرام

اقطف يا شريف

 لنستعن بآلة القانون لكي نجري مقارنة محايدة في الجمل اللحنية لنحدد أسلوب التصاعد المتتالي التفاعلي عند الأستاذ فريد الأطرش ، وعند الأستاذ زكريا أحمد في يا بدع الورد وفي الورد جميل. لنبدأ أولاً مع المقطع من الورد جميل الذي يحتوي على ذلك التصاعد التفاعلي عند الأستاذ زكريا أحمد .

 (قطع إلى عزف أغنية الورد جميل على آلة القانون )

 لاحظنا الآن الأسلوب التصاعدي الانفعالي عند زكريا أحمد . لندقق الآن في يا بدع الورد مع الأستاذ فريد الأطرش : التصاعد الانفعالي ذاته:

 (قطع إلى عزف أغنية يا جمال الورد على آلة القانون )

أسمهان في يا بدع الورد

أسمهان في يا بدع الورد

 أود أن أنوّه أن أغنية الورد جميل غنّتها السيدة أم كلثوم بعد أن غنّت أسمهان يا بدع الورد بسنوات، ولعلّها أرادت أن تُغنّي هي أيضاً عن الورد، ولكن أنا استخدمت هنا أغنية الورد جميل للمقارنة في أسلوبية زكريا أحمد في التصاعد المتتالي. على كل حال، لنُعِد استماع المقطع غيرة وآلام لندخل مباشرة بعده في الاستماع في مقطع يدخل فيه الأستاذ فريد الأطرش على إيقاع الفالس الاستعراضي الراقص، وهنا أيضاً لعلّه استخدم هذا الإيقاع لكي يتلاءم مع المشهد الغنائي الذي تعرضه الأغنية في تلك الصالة، ولكن نتذكّر أن هذا فيه مزج بين أسلوبين تلحينيّين: الأول التصاعد المتتالي، وأصله من القرن التاسع عشر، مع إيقاع الفالس الاستعراضي الراقص.


 (قطع إلى أغنية يا بدع الورد لـ أسمهان )

والأصفر من ريحته غيرة وآلام ارحم يا رئيف

والأبيض ده العفة ريحة وغرام اقطف يا شريف

رسول العشاق سمير المشتاق

الورد يا جماله

 أود أن أنوِّه بجهود المخرج أحمد بدرخان ، مخرج الفيلم، المحب لـ أسمهان عندما صوّرها من الأعلى في قلب الوردة.

د. سعد الله آغا القلعة


يتبع : النقاش العلني بين الكبرياء والفن مستمر

الفهرس العام لمجلد أسمهان الإلكتروني

Tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.