• ***تم إضافة خدمة التعليق على نشرات المكتبة الموسيقية *** تم إضافة خدمة الحصول على رسالة بكل جديد***تم نشر كتاب حياة وفن فيروز والأخوين رحباني – الجزء الأول – التحولات الكبرى توّلِّد الإبداعات الكبرى للدكتور سعد الله آغا القلعة على الموقع * يمكن للراغبين مراجعة صفحة الاشتراك في الموسوعة ***

قصيدة لستُ أنساك بصوت كارم محمود : أبياتٌ من قصيدة الأطلال غناها قبل أم كلثوم بأشهر فتحولت من قصة حبٍ عاثر إلى ذكرى لقاء ماتع!

شعار كتاب الأغاني الثاني

أتوقف اليوم عند قصيدة لستُ أنساك ، وهي أبياتٌ مختارة من قصيدة الأطلال ، للدكتور ابراهيم ناجي ، لحنها محمد صادق ، عام 1965 ، قبل وفاته ، وغنّاها كارم محمود ، قبل أشهر من ولادة قصيدة الأطلال ، بصوت أم كلثوم!

ابراهيم ناجي وتداول الملحنين لقصيدة الأطلال
ولد ابراهيم ناجي في القاهرة عام 1898 . كان لوالده أثر كبير في توجيهه إلى دراسة الأدب إلى جانب الطب. أصبح طبيباً في عام 1923 ، ولكنه تعمق إلى جانب ذلك في الثقافة العربية القديمة، فدرس العروض والقوافي ، وقرأ بإمعان دواوين المتنبي ، وابن الرومي ، وأبي نواس ، وغيرهم، كما نهل من الثقافة الغربية ، فقرأ قصائد وردزورث وشيلي ، و تأثر بشعر بايرون ، ما وجهه إلى الشعر الرومنسي.
أصدر عدداً من دواوين الشعر ، ومنها : وراء الغمام عام 1934 ، وليالي القاهرة عام 1944 ، والطائر الجريح عام 1953 ، وكان يتمنى أن يتداول المغنون أشعاره ، وخاصة السيدة أم كلثوم ، في محاولة لمشابهة حالة محمد عبد الوهاب مع أحمد شوقي، دون أن تتحقق أمنيته.
تم رصد حالة وحيدة للتغني بأشعار ناجي ، في حياته ، وذلك حسبما أكد الأستاذ حسن توفيق في كتابه : ابراهيم ناجي ، الأعمال الشعرية المختارة ، نقلاً عن مجلة الراديو المصري ، إذ لحَّن محمد صادق ، وهو ملحنٌ ومغنٍ مصري ، سأتحدث عنه لاحقاً ، أبياتاً من ثلاث قصائد لناجي ، هي قصائد : ” الوداع ” ، و ” الغد ” ، و ” توأم الروح ” ، وغناها عام 1935 على الهواء ، في حفلات الإذاعة المصرية ، في بداياتها ، ولم تسجل. لم تحرض هذه الألحان مساراً للتعامل مع قصائد ناجي ، إذ مرت دون انتباه ، فيما تسابق الملحنون على أشعاره ، بعد وفاته ، ومع ذلك يبقى أن محمد صادق ، كان الوحيد الذي غنى من شعر ناجي ، في حياته!
توفي الدكتور ناجي يوم 24 آذار / مارس 1953 ، و يبدو أن الوفاة حرَّضت وضع قصائده في دائرة الألحان ، إذ سرعان ما غُنيت قصائد عديدة له ، بُعيد وفاته ، في موجة بدأها محمد عبد الوهاب ، عام 1954 ، بقصيدة ” القيثارة ” ، التي كان اختار أبياتها من قصيدة طويلة لناجي عنوانها ” الخريف ” ، ليغنيها ، ربما قبيل وفاة الشاعر ، ولكنها لم تبث إلا عام 1954 ، بعد وفاته ، ثم جاء دور قصيدتي ” الأطلال” ، من ديوان ليالي القاهرة ، و ” الوداع ” ، من ديوان وراء الغمام ، اللتين تداولهما المطربون ، فجاءت أبياتٌ من قصيدة ” الوداع ” ، أولاً ، بصوت نجاة علي ولحن محمد فوزي ، عام 1954 ، بُعيد وفاة ناجي ، و تضمنت البيت الشهير ” هل رأى الحب سكارى ” ، لتأتي أبياتٌ من قصيدة ” الأطلال ” ، هذه المرة بعنوان ” لست أنساك ” ، بصوت كارم محمود ، ولحن محمد صادق ، عام 1965 ، وهي الأغنية التي أنشرها اليوم ، قبيل غناء أم كلثوم لقصيدة الأطلال لأول مرة ، في 7 نيسان / أبريل 1966 ، والتي بنيت على أبياتٍ مختارة من قصيدتي ” الأطلال ” و ” الوداع ” لناجي ، اختارها رياض السنباطي ، لتحقيق البناء الموسيقي الذي أراده للحنه ، وفق تحليلي الذي قدمتُه في برنامجي التلفزيوني ” نهج الأغاني “المنشور في هذه الموسوعة.
غنت أم كلثوم لناجي بعدها قصيدة أخرى ، هي ” أنشودة مصر “، وكذلك غنت سعاد محمد قصيدة ” انتظار “، من قصيدة لناجي جاءت في ديوانه بعنوان ” الغد ” ، وهي القصيدة التي سبق أن لحنها وغنّاها محمد صادق على الهواء عام 1935 ولم تُسجل ، والقصيدتان أيضاً من ألحان رياض السنباطي ، الذي لحن وغنى لناجي قصيدة ” يا حبيب الروح ” ، وهي أبياتٌ من قصيدة له جاءت في ديوان ” وراء الغمام ” بعنوان ” ساعة لقاء“.
فعلاً ، غريبٌ كيف أثارت وفاة ابراهيم ناجي الانتباه إلى أشعاره ، فحرضت وضعها في دائرة الألحان ، بعد فوات الأوان!

محمد صادق
ولد المطرب والملحن محمد صادق عام 1916 . بدأ حياته الفنية بالغناء في الإذاعات الأهلية ، قبيل عام 1934 ، وتابع مسيرته مع ولادة الإذاعة المصرية عام 1934. أحب محمد صادق الشعر ، وركز على تلحين القصائد ، متأثراً في ألحانه ، بمدرسة صديقه الحميم رياض السنباطي التلحينية . توفي محمد صادق في 11 كانون الثاني / يناير 1966 ، و من الغريب أن ذكر هذا الملحن شبه غائب ، في الأدبيات الموسيقية!

الأغنية
تشكلت قصيدة الأطلال ، كما وردت في ديوان ناجي ، من 33 رباعية ، اختار منها محمد صادق رباعيتين ، لحنهما كاملتين ليغنيهما كارم محمود ، فيما اختار السنباطي ثماني رباعيات ، اكتفى في سبع منها بثلاثة أبيات فقط ، إلا في الرباعية ، التي أنهت الأغنية ، فأتت بأبياتها الأربعة. المهم أن الرباعيتين اللتين اختارهما محمد صادق ، وردتا ضمن اختيارات السنباطي.
عدَّل محمد صادق في النص بعض الكلمات ، ماجعل النص أكثر تحفظاً : أغريتني بفمٍ أصبحت ناديتني بفمٍ . الكأسَ أصبحت الصفوَ.

النص

لست أنساكِ وقد أغريتني ( أصبحت ناديتني ) * بفمٍ عذب المناداة رقيق
ويدٍ تمتد نحوي كيدٍ * من خلال الموجِ مدت لغريق
آه يا قبلة أقدامي إذا * شكت الأقدام أشواك الطريق / لم تغنه أم كلثوم
وبريقاً يظمأ الساري له * أين في عينيك ذياك البريق
***
أين مني مجلسٌ أنتِ به * فتنةٌ تمَّت سناء وسنى
وأنا حبٌ وقلبٌ ودمٌ * وفراش حائرٌ منك دنا
ومن الشوق رسولٌ بيننا * ونديمُ قدم الكأس ( أصبحت الصفو ) لنا
وسقانا فانتفضنا لحظة * لغبار آدمي ( أصبحت لوجودٍ شاعري ) مسَّنا / لم تغنه أم كلثوم
***
آه يا قبلة أقدامي إذا * شكت الأقدام أشواك الطريق / لم تغنه أم كلثوم
وبريقاً يظمأ الساري له * أين في عينيك ذياك البريق

اللحن
تأثر محمد صادق بشكل كبير ، في لحنه هذا ، وفي مجمل ألحانه ، بمدرسة السنباطي التلحينية . أتت المقدمة الموسيقية على مقام النهاوند ، مع إيحاء بأنها على المقام الحجاز ، فيما أتت مقدمة الرباعية الثانية ، ولحنها ، على مقام الراست ، حتى البيت القائل : ومن الشوق رسولٌ بيننا ، إذ يتحول اللحن إلى مقام البيات المحيَّر . غلف التعبير اللحن في مواقع عدة ، ومنها : تعبيرٌ في أداء كلمة : رقيق ، لحناً وأداءاً من كارم ، في نهاية البيت الأول ، تصاعدُ اللحن عند : من خلال الموج ، في البيت الثاني ، معبر ، إذ أن الغريق يكون في الماء ، وينظر للأعلى ، إلى اليد التي ستنقذه ، كما أن لحن كلمة غريق ذاتها معبر ، إذ تتلون الدرجات الصوتية ، معبرة عن حالة ضياع الغريق بين الحياة والموت. نقفُ الكمان معبر عن الأشواك عند : إذا شكت الأقدام أشواك الطريق ، بحسبان أن من يسير على الأشواك ، يلتقط خطواته بهذا الشكل ، المشابه لنقف الكمان . أرى أن الإيقاعية المرافقة لهذه الشطرة غير ملائمة ، إلا إن كان القصد منها ، محاولة مشابهة أسلوب السير على الأشواك . تخافضُ اللحن عند : دنا ، في جملة : فراش حائرٌ منك دنا ، معبر عن الاقتراب . بريقُ اللحن عند : ومن الشوق رسول بيننا ، معبر عن الشوق الذي يبرق في وجدان المحب.

استفاد محمد صادق من لفظة آه ، في بداية البيت الثالث ، ليبني عليها آهات أعطت بريقاً للحن ، وتابع ، فكررها مع البيتين الثالث والرابع من الرباعية الأولى في ختام القصيدة ، التي تختتم بالآهات ، في تأكيد للجو العام للأغنية ، و لاختيارات الأبيات ، التي لم تعبر عما قصده الشاعر ، في قصيدته الأطلال ، إذ قدم لها في ديوانه بأنها قصة حبٍ عاثر ، لنجد الأغنية هنا ، قد أصبحت ، مع اختيارات الأبيات ، و أداء كارم محمود السلس، ، مجرد ذكرى للقاء ماتع!

تجدر الإشارة إلى أنني لم أقصد من النشر أي مقارنة مع لحن السنباطي ، وأنا أعتقد أن محمد صادق ، لو علم بأن أم كلثوم كانت في طريقها لتقديم الأطلال ، في لحن للسنباطي ، لما أقدم على تلحين هذه الأبيات.

في مناسبة أخرى أتحدث عن كارم محمود.

د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

Comments are closed.