• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

موشح شادنٌ صاد قلوب الأمم على مقام العجم : موشحٌ آخر لأبي خليل القباني لدعم مقامٍ كان عليه أن ينتظر سيد درويش ومسرحه الغنائي لكي يستقر!

شعار كتاب الأغاني الثاني

أشرتُ في نشرة البارحة ، إلى أنني سأتوقف ، على مدى نشرتين متتاليتين ، عند موضوعين مترابطين : الشيخ أحمد أبو خليل القباني ، وتوثيقه لرحلته من الشام إلى مصر موسيقياً ، في موشح : ما لعيني أبصرت ، على مقام العجم عشيران ، وهو ما تم في نشرة البارحة ، ثم دوره في نقل مقام العجم إلى مصر ، وهو ما سأتوقف عنده اليوم.
نعم ، لقد كانت لموشح : ما لعيني أبصرت ، و عدة موشحات أخرى للشيخ أحمد أبي خليل القباني ، على مقام العجم ، ومنها موشح : شادنٌ صاد قلوب الأمم ، الذي أنشره اليوم ، وظيفة أخرى ، وهي نقل مقام العجم إلى الغناء في مصر ، إذ أنه لم يكن متداولاً في ألحان الموشحات والأدوار المعروفة فيها ، قبل وصول أبي خليل . طبعاً لم تكن رحلة المقام سهلة ، إذ أن ثقاة الملحنين في مصر ، كانوا يتمسكون بالمقامات الشرقية السائدة ، كالراست والبيات والسيكاه ، ما أشاع التردد في قبول هذا المقام لسنوات ، إلى أن أتى من ، و ما ، فتح له الطريق!

مقام العجم
مقام موسيقي شرقي ، يتوافق في درجاته الصوتية مع السلم الموسيقي الكبير في الموسيقى الغربية ، أي أنه لا يحتوي على أرباع الأصوات. عرفته بلاد الشام منذ فترة طويلة ، وكذلك مصر ، ولكن في الإطار الكنسي ، إذ أنه موثق ضمن المقامات الموسيقية ، التي عرفتها الكنائس الشرقية السريانية والبيزنطية الشرقية والقبطية ، منذ القرن الرابع الميلادي. تسميه بعض المراجع الكنسية السريانية : المقام السادس ، و تورد أن اسمه أجم أو أجمو ، بمعنى ( الهبوط أو الرجوع ) ، وهذا يلائم مساره اللحني ، إذ أنه يبتدئ العمل فيه من الجواب ، لينتهي لحنياً بالهبوط إلى القرار.
ولكن هذا المقام ، لم يدخل الغناء في مصر ، انتقالاً من الموسيقى الكنسية القبطية ، لعدة أسباب ، كما أرى ، ومنها غياب درجات الاستقرار في الألحان القبطية ، ووجود انتقالات مقامية كثيرة ضمن اللحن الواحد ، ما جعل المقام موجوداً ، ولكن أسلوب توظيفه كان بعيداً عن الأساليب المعتمدة في الغناء السائد في مصر ، الذي اعتمد درجة الاستقرار بشكل أساسي ، و الانتقالات اللحنية المحدودة ، والممهد لها بدقة وسلاسة ، وهو ما كان متلائماً مع أسلوب توظيف المقامات في الموسيقى الكنسية المشرقية في بلاد الشام ، ما سمح لمقام العجم ، أن يتواجد في الغناء السائد فيها ، في موشحات شائعة ، وسمح لأبي خليل القباني ، أن ينقل تلك الصيغة ، لتكون أقرب للقبول في مصر، وهنا تكمن أهميته الحقيقية.
تجدر الإشارة إلى أن هذا المقام ورد في رموز كتاب الأغاني ، تحت اسم : الوسطى في مجراها ، ما يعني أنه كان متداولاً في الغناء العربي ، إبّان نهضته الموسيقية الأولى ، أي في المشرق العربي والأندلس ، ثم تراجع مع الوقت في بعض الأمصار العربية ، لتسيطر المقامات التي تحتوي على أرباع الأصوات ، واستمر في غيرها.

حسب كامل الخلعي : مقام العجم لم يكن سائداً في الغناء في مصر

لم يكن هذا المقام معروفاً في الغناء السائد في مصر قبل وصول أبي خليل القباني إليها في عام 1884 ، وهذا ما يؤكده تلميذه في مصر ، الملحن الكبير كامل الخلعي ، في كتابه الموسيقي الشرقي ، الصفحة 130 و131 ،  فبعد توثيق موشحات أبي خليل القباني المبنية على مقام العجم ، كما أخذها عنه ، وموشحاته التي لحنها هو ، بعد أن أخذ هذا المقام على أستاذه ، والمبنية على مقام العجم أيضاً ، فإنه ينوه في ختام الفصل فيقول: ” لم يلحن أحد في مصر ، ( قبل أبي خليل ) ، من مقام العجم ، لا موشحات ولاأدوار ، ثم لحَّن المرحوم محمد عثمان فيه دوراً واحداً منه وهو ” اليوم صفا ” ، ولكنه على مقام شوق أفزا ، وليس كما يقال على مقام عجم”.

من كتاب الموسيقى الشرقي لكامل الخلعي


حسب قسطندي رزق : تواشيح مقام العجم كانت نادرة ، بعد مرو سنوات على وفاة أبي خليل القباني ، المتوفى عام 1903

وإلى ذلك أيضاً ذهب قسطندي رزق ، في كتابه الموسيقى الشرقية ( الصفحة 173 النسخة الرقمية ) ، في رصده لسيرة الشيخ سلامة حجازي ، إذ يورد أن الشيخ سلامة : ” سافر في سنة 1908 إلى حلب حيث تقابل مع الأستاذ المرحوم أنطون الشوا وطلب إليه أن يقدمه لبعض العائلات الوجيهة فيها؛ لأجل التعرف بها، وطلب أيضًا أن تعرض عليه رقصة السماح التي اشتهر بها الحلبيون، فشاهدها وسمع تواشيح من مقام العجم التي يندر وجودها في مصر. فلما أعجب بها تلقف وصلة جميلة منها وكلف كلاً من محمود رحمي وأحمد فهيم بتدوين ما سمعه في حلب من تواشيح جميلة ” . وفعلاً لحَّن سلامة حجازي أعمالاً غنائية على مقام العجم ومنها : يا مليكاً فضله عمَّ الوجود ، على إيقاع ظرافات ، و غيره من الأعمال الغنائية.

من كتاب الموسيقى الشرقية لقسطندي رزق


الحل كان عند سيد درويش
ولكن هذا المقام لم يأخذ أبعاده ، إلى جانب المقامات الأخرى الشرقية الخالية من أرباع الأصوات ، إلا مع سيد درويش.
كان الشيخ سيد درويش قد تعرف في حلب ، التي عاش فيها لسنوات ، على مقام العجم ، في شكله الغنائي الدنيوي ، المعتمد على قالب الموشحات ، كما كان فعل الشيخ سلامة حجازي ، قبله بعدة سنوات ، كما رأينا أعلاه ، كما تعرف أيضاً في حلب ، على عازف البيانو الماهر كميل شامبير ، الذي لحقه بعدئذِ إلى مصر.
عندما عاد سيد من رحلته ، كان أول دور يلحنه هو دور ” يا فؤادي ليه بتعشق ” على مقام العجم. عندما دخل سيد معترك المسرح الغنائي ، لا حظ أن أهم مشكلة ستواجهه ، هي صعوبة إيصال صوت المغنين والآلات الموسيقية إلى الجمهور ، بسبب عدم وجود ميكروفونات ، وأدوات لتكبير الصوت ، فكان أن لجأ أولاً إلى تعميق دور الغناء الجماعي ، الذي أصبح سمة من سمات مسرحه الغنائي ، كما لجأ إلى آلة البيانو ، لتوظيف صوتها الجهير ، في دعم الفرقة الموسيقية ، وذلك بمساعدة صديقه عازف البيانو السوري كميل شامبير ، ما جعله بالتالي ، يهتم أكثر بالمقامات التي لا تحتوي على أرباع ، و التي تستطيع آلة البيانو أداءها بسهولة ، ومنها مقامات العجم والنهاوند والكرد والحجاز كار ، بل إنه ، وحتى أثناء أداء المقامات التي تحتوي على أرباع الأصوات ، كان يطلب من آلة البيانو أن ترافق الغناء ، وتصمت عند المرور على درجة موسيقية مبنية على أرباع الأصوات!
لحَّن سيد درويش على هذا المقام أيضاً أغنية زوروني كل سنة مرة ، وأغنية والله تستاهل يا قلبي ، وهي على مقام شوق أفزا ، المتفرع من مقام العجم . من المهم هنا أن أذكِّر بدور المارشات العسكرية ، التي بنيت على الغالب على هذا المقام ، ( السلم الكبير في الموسيقى الغربية ) ، مع شيوعها في البلاد العربية ، في تثبيت هذا المقام في الغناء العربي ، ومن ذلك لحن سيد درويش لنشيد : بلادي بلادي.

موشح شادن صاد قلوب الأمم على مقام العجم من ألحان الشيخ أبي خليل القباني
نص الموشح
دور أول
شادنٌ صاد قلوب الأمم بجمال وغَيَد
دور ثان
ليس في العُرب ولا في العجم مثله رطِب الجسد
خانة
قلتُ لما طاف بالملتزّم وعلى الركن ورد
غطاء
يا أخا الخيفِ وبانَ العلمِ مددُ الله مدد

الفيديو المرفق مقتطف من حلقة من برنامج العرب والموسيقى ، كنت خصصتها للشيخ أبي خليل القباني ، وأذيعت على شاشة التلفزيون العربي السوري عام 1988 .
يبدأ التسجيل بخانة وتسليم من سماعي عجم ، تمهيداً للموشح الذي أدّاه لصالح البرنامج ، المطرب الراحل عبد الرحمن عطية. شارك في العزف كلٌ من الأساتذة : أسعد الشاطر على العود وعدنان جارور على القانون و زياد قاضي أمين على الناي و عدنان أبو الشامات على الدف و نبيل الخياط على الرق.

د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

Comments are closed.