هل قام الشيخ أحمد أبو خليل القباني الدمشقي مع فرقته برحلة إلى شيكاغو عام 1893 ؟ وهل كان بذلك أول فنان عربي يعرض مسرحياته الغنائية وألحانه في الولايات المتحدة؟ نعم ، بل ولعله كان الأخير! هل كانت ألحانه أول ألحان عربية في التاريخ تسجل على أسطوانات عام 1893 ؟ نعم! وهي محفوظة في مكتبة جامعة هارفارد الأمريكية!

شعار كتاب الأغاني الثاني

الشيخ أحمد أبو خليل القباني

لطالما انقسم المؤرخون ، و على مدى 60 عاماً ونيِّف ، حول رحلة الشيخ القباني إلى شيكاغو عام 1893.  جاء ذلك بعد أن أشارت أدبيات قديمة ، إلى أنه قام بها لعرض مسرحياته الغنائية هناك ، فيما أغفلتها أدبيات قديمة أخرى. أكد بعض المؤرخين لاحقاً حدوثها ، دون أي وثيقة تؤكد ذلك ، فيما استبعدها البعض الآخر ، لتبقى هذه الرحلة لغزاً ، خاصة بعد ناقشتها أبحاث جامعية ، إذ أكد باحث في الجامعة اللبنانية أن هذه الرحلة لم تتم!

نعم ، لقد بقي هذا السؤال مطروحاً على مدى السنين : هل سافر أبو خليل القباني فعلاً إلى شيكاغو ، لعرض مسرحياته الغنائية ، في إطار المعرض العالمي الكولمبي ، الذي أقيم هناك عام 1893 ، بمناسبة مرور 400 سنة على اكتشاف كولمبس القارة الجديدة ؟ هل كان فعلاً  أول فنان عربي يقطع تلك المسافة عبر المحيط الأطلسي ليعرض ألحانه للأمريكيين؟

منذ أيام حُسم هذا الجدل ، و أتانا الجواب الموثق ، من الباحث السوري الأستاذ تيسير خلف ، في كتابه :  من دمشق إلى شيكاغو – رحلة أبي خليل القباني إلى أمريكا 1893  : نعم ، لقد كان أبو خليل القباني أول فنان عربي يعرض فنه في الولابات المتحدة ، وفي حفلات لم تكن موجهة لجالية عربية ، وإنما للجمهور الأمريكي! بل إنني أقول ، بأنه لعله كان أول وآخر فنان سافر إلى أمريكا ، ليعرض مسرحياته الغنائية هناك وباللغة العربية ، إذ تركزت الرحلات الفنية اللاحقة عموماً ، على حفلات غنائية ، خارج سياق المسرح الغنائي!
تأتي أهمية الكتاب أيضاً من أنه عرض المقالات الصحفية الأمريكية ، التي وثَّقت لنا ما غاب عنّا ، من عناصر فنية مبهرة ، ابتدعها القباني ، فسبق عصره!

أنشر في سياق هذا المقال ، تسجيل أول أسطوانة في التاريخ لأغنية عربية ، وهي من ألحان الشيخ القباني ، وقد سجلت عام 1893 بمناسبة رحلته إلى شيكاغو ، وهي محفوظة في مكتبة جامعة هارفارد الشهيرة .

غلاف الكتاب

أثبت الباحث خلف ، بالوثائق والصور والمقالات الصحفية الصادرة في أمريكا و في بيروت ، و من خلال سجل الباخرة التي أقلت أبا خليل إلى نيويورك ، أن الشيخ أحمد أبا خليل القباني سافر إلى شيكاغو عام 1893 ، مع فرقته المسرحية والغنائية والموسيقية ، المشكلة من حوالي 60 ممثلاً ومغنياً وموسيقياً ومساعداً ، و أنه عرض مسرحياته هناك على مدى أكثر من شهرين على الأقل . تتبع الأستاذ خلف تلك الرحلة من بدايتها وحتى نهايتها ، ونشر  تفاصيلها ، مع صور ووثائق حاسمة ، في كتابه الذي نشرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، و دار السويدي للنشر والتوزيع ، وصدر في بيروت مؤخراً.

الرحلة في الأدبيات المنشورة!

واجهة المسرح من الخارج

يورد خلف ثبتاً لجميع الكتابات التي أشارت إلى الرحلة أو لم تشر  ، إذ لم يذكرها الملحن كامل الخلعي في كتابه الموسيقى الشرقي ، وهو تلميذ أبي خليل ، الذي لزمه في مصر لسنوات ، كما لم تشر إليها الممثلة البیروتیة الأصل مریم سماط ، في مذكراتها المنشورة في جریدة الأھرام القاھریة عام 1915 ، وھي ممثلة شاركت في الكثیر من مسرحیات أبي خليل بعد عودته من شیكاغو. و يؤكد خلف بأنه ربما  كان الممثل المصري عمر وصفي الوحید من معاصري تلك الحقبة ، الذي ذكر سفر القباني وفرقته إلى المعرض الكولومبي العالمي ، إذ روى واقعة مضطربة، انتهت إلى أن الرحلة لم تتم . يبين خلف أن مجموعة من الكتابات اللاحقة أشارت إلى هذه الرحلة ، ” ومنها ما كتبه المؤرخ الفني حسني كنعان في مقالاته الصادرة العامین 1948 و 1949 حول تجربة القباني المسرحیة في مجلة “الرسالة” القاھریة، إذ ذكر في إحداھا أن الشیخ أبا خليل دعي إلى واشنطن لعرض مسرحياته ولم يكمل الرحلة بسبب دوار البحر ” ، فيما أكد المؤرخ أدهم الجندي في الخمسينات ، سفر الشیخ القباني إلى شیكاغو، معتمداً على روایات شفھیة من أبناء بعض الذین سافروا معه ، وذكر تفاصیل لافتة عن ھذه المشاركة، حيث أكد ” أن القباني رحمه لله أقام في شیكاغو مدة ستة أشھر، وكان یمثل روایات قصیرة ، كیلا یتسرب الملل والضجر إلى نفوس الزائرین، وأخذ معه صورة عن واجھة باب خان أسعد باشا العظم ، المشھور بروعة بنائه الأثري بدمشق، . وعمل منھا واجھة من الكرتون المطلي بالألوان الزیتیة ، وعرضھا في المعرض، فحازت على الإعجاب” . و يستنتج خلف أن الكتابات راوحت بین ھذین الرأیین المتناقضین حول رحلة شیكاغو ، أي روایتي حسني كنعان وأدھم الجندي، في حین ” اعتبر باحث، أنجز رسالة ماجستیر حول مسرح أبي خلیل القباني في الجامعة اللبنانیة عام 1967 ، أن موضوع رحلة شیكاغو مختلق من أساسه، وغیر منطقي، سارداً عدداً من القرائن التي دعَّم بھا رأیه، ومنھا: حاجز اللغة، وحجم الجالیة العربیة ھناك”.

يقول خلف : ” ھذه التجربة، على أھمیتھا الاستثنائیة، بقیت مجھولة في الأدبیات العربیة ، ولولا الصحافة الأمیركیة لما عرفنا عنھا شیئاً، وجلّ ما سمعناه أخباراً مشوشة ومضطربة وغیر دقیقة ، سطرھا بعض الكتاب السوریین في منتصف القرن العشرین، مدفوعین بعواطفھم الجیاشة! من دون توثیق أو معرفة بطبیعة ھذه المشاركة وحیثیانھا وظروفھا ومآلاتھا”.

البداية : دعوة من الرئيس الأمريكي للسلطان العثماني

صورة من الجناح

تتبع خلف الرحلة ، منذ أن تلقى السلطان العثماني ، في 19 شباط / فبراير 1891 ، دعوة من الرئيس الأمريكي للمشاركة في المعرض العالمي ، فرغب في أن تظهر السلطنة بمظهرٍ مواز للإمبراطوريات الكبرى المشاركة ، وأن يتم رفع سوية المشاركة إلى أعلى مستوى ، سواء في تشكيل الفريق الفني والإداري  ، أو في تصميم الجناح المجسد للمشاركة في المعرض. تعاقدت السلطنة مع شركة ” العوائد الشرقية ” لتنفيذ المشاركة ، واعتمدت ” تجهیز المسرح بألف مقعد على أقل تقدیر. سیكون المسرح والتصمیم صورة عن الشرق، وستكون هناك واجهة خارجیة وقباب وأقواس وبوابات ونوافذ على النمط الشرقي. أما التصمیم الداخلي والمناظر والنمط الطاغي للتزیینات فسیكون مماثلاً لأفخم وأعرق بیوتات دمشق، وأكثرها أناقة، خصوصاً أن دمشق هي باریس الشرق” .  يبين خلف أن ” الصور التي نشرت فیما بعد أوضحت ، أن الطراز الفني ….  هو طراز خان أسعد باشا، الشهیر بقبابه وأقواسه البدیعة، ذات الحجارة المتناوبة بین اللونین الأسود والأبیض” . ومن المؤكد ، كما يقول الباحث خلف  ، أن سبب اختیار نمط خان أسعد باشا المعماري الفرید، هو ما كان یحمله أبو خليل القباني ، بعد أن تمت تسميته مديراً فنياً للمشاركة ، من ذكریات فنیة حمیمة ترتبط ببدایات أبي خلیل المسرحیة، حین نصب فیه مسرحه الأول بتشجیع من الوالي صبحي باشا في العام 1871.

وبالنتيجة ، فإن اختيار الشيخ القباني ليكون المدير الفني للمشاركة العثمانية ، يبرز مكانة فنية وإدارية مرموقة لأبي خليل على مستوى السلطنة.

لماذا تم اختيار أبي خليل لرئاسة البعثة الفنية؟ 

يبرر الباحث خلف ذلك الاختيار ، من خلال مقدمة مختصرة عما كان أبو خليل قد أنجزه حتى ذلك التاريخ ، في دمشق أولاً  ، ثم في مصر ثانياً ، والمستوى الرفيع لفنه باعتراف الصحافة الصادرة آنذاك ، ليتتبع بعد ذلك مراحل المشاركة في المعرض الكولومبي ، من تشكيل أبي خليل لفريقه ، مركزاً على مواطني ولاية سورية ، و تدريبه للفريق على مدى ستة أشهر ، في بيروت ، مقر الشركة التي تعاقدت مع السلطنة على تنفيذ المشاركة ، وكيفية توفيق أبي خليل للشروط التي اعتمدها المعرض ، في أن تتركز العروض ، على عادات وتقاليد الشعوب المشاركة ، وأن يضمِّن ذلك في مسرحياته الغنائية التي خطط لعرضها هناك ، ما يبرز درجة عالية من الذكاء الإداري أيضاً.

توثيق مجريات الرحلة بالوثائق

يوثق الأستاذ خلف للمشاركة في المعرض ، من خلال المقال الذي نشرته صحيفة كوكب أمريكا ، التي تصدر في الولايات المتحدة بتاريخ 21 نيسان 1893 ، بمناسبة وصول الفرقة إلى نيويورك ، وهو المقال الذي يثبت مشاركة أبي خليل في الرحلة:

خبر وصول القباني بالعربية

” وصل من مدینة بیروت في 16 الشهر الجاري شركة ممثلي العوائد الشرقیة تحت رئاسة عمدتها الفضلاء، جناب الخواجات بطرس أنطونیوس وشركاه، ومدیر ممثلیها جناب الشيخ أحمد محمد أبي خلیل القباني الممثل الشهیر والمطرب المعجب ” ،  أما جوق التمثیل فقالت بأنه “مؤلف من خمسین شخصاً مابین مطربین ومطربات وممثلین وممثلات، وكلهم حائزون على قصب السبق في مضمار هذه الصناعة”.

خبر جريدة كوكب أمريكا بالإنجليزية عن وصول القباني

وبسطت الجریدة برنامج الفرقة الفني كما یلي: “ستظهر أعمال هذه الشركة في القسم العثماني من المعرض الكولومبي، وهي تمثیل عوائد أهل الشرق من بدو وحضر في أعراسهم وولائمهم وأیام أفراحهم وأتراحهم وملابسهم، مع اختلاف بیئاتهم، وتمثیل بعض حوادث تاریخیة، وروایات تتضمن الأخبار عن رجالهم العظام الأقدمین، كهارون الرشید، وعنترة العبسي، وغیرهما من المشاهیر. ویتخلل كل ما تقدم؛ محاورات وفكاهات أدبیة، وأنغام موسیقیة یُطرب الآذان سمعها. وقد انتخب بعض من العارفین بأنواع الملاعب، كالسیف والترس وعصا الشوم، والحكم، والضاربین بالآلات الشرقیة القدیمة والحدیثة، كالربابة والنقیرات والدائرة إلخ، لیمثلوا . بدورهم كل ذلك”

إثبات آخر  على مشاركة أبي خليل في الرحلة

اسم القباني في سجل الباخرة : أحمد آقبيق وهو اسمه الأصلي

وكإثبات آخر على مشاركة أبي خليل في الرحلة ، اعتمد الباحث الأستاذ خلف على سجلات الباخرة “إس إس ویرَّا”  التي نقلت الفرقة إلى شيكاغو ، و التي بينت أن غالبیة أعضاء الفرقة كانوا من السوریین، وورد فيها :  أحمد أقبیق: المهنة ممثل ، من مدینة دمشق، وعمره 51 عاماً. ” وهذا یعني أنه من موالید العام 1842 ، وهو التاریخ الذي أكده تلمیذه كامل الخلعي في ترجمته عام 1904 ، في حین زعمت بعض المصادر أنه من موالید 1833 ” . ” يمكن أن نقرأ  في السجل أيضاً اسم عثمان الشیخ صالح من دمشق، وله من العمر 52 عاماً، وهو من أعضاء فرقة القباني القدماء، واسمه المعروف في المراجع اللاحقة محمد صالح بن عثمان موسى باشا الشهیر بالدرویش. كما نقرأ اسم موسى إلیان من دمشق وعمره 28 عاماً، وهو على الأرجح المعروف باسم موسى أبو الهيء من أعضاء فرقة القباني القدماء الذین رافقوه طوال رحلته الفنیة” . “بالمقابل نقرأ اسم سلیمان أبو هبي في المجموعة الثانیة من المسافرين”.

طيرة الحكيم

” و يؤكد السجل ظهور اسم الممثلة إستیرا حنائیل الحكیم، من مدینة دمشق، وعمرها 17 عاماً، وهي المعروفة باسم طیرة الحكیم، صاحبة الشهرة الواسعة في مطلع القرن العشرین بأغنیة “عالهیلا الهیلا یا ربعنا ” ” ، و يبين خلف أنه من المحتمل أن یكون القباني قد كتب كلمات هذه الأغنیة ولحنها لها أثناء الرحلة الطویلة، نظراً لارتباط عبارة “عالهیلا الهیلا” بالبحارة والسفر البحري، بالإضافة إلى تشابه نمط هذه الأغنیة مع أغنیات أبي خلیل الشعبیة الأخرى. ويشير خلف هنا ” إلى  أغنیة “یا طیرة طیري یاحمامة” التي كنتُ أشرتُ في تحليلي لها ، إلى أن أبا خلیل ألفها ولحنها على ظهر الباخرة العائدة به من الولايات المتحدة ، كما يؤكد أن بعض الإشارات كانت تبين ” أن طیرة الحكیم كانت تؤدي رقصتها الدمشقیة على أنغام أغنیة اسمها طیرة، و أنه من غیر المستبعد أن تكون هي نفسها “یا طیرة طیري یاحمامة”!

” كما نقرأ في السجل أيضاً اسم المطربة وعازفة القانون ملكة سرور من بیروت، وعمرها 16 عاماً وإلى جانبها صفة ممثلة”.

المضمون الفني والمقالات الصحفية التي وثَّقت إبداع القباني

بعض أعضاء الفرقة في مسرحية عنتر بن شداد

وثَّق الأستاذ خلف أيضاً المضمون الفني للمشاركة ، من خلال توثيق جميع المسرحيات الغنائية التي عرضت على المسرح ، مع ترجمة لها إلى اللغة الإنجليزية ، وزعت على الحاضرين. كانت المسرحيات جميعها لأبي خليل ، وهي أولاً : ”  الدراما القلمونية ، التي كتب مراسل جريدة سيلفر كليف روستلر  عنها أنه یحق لمؤلف “الدراما القلمونیة  ” أن  یدعي ضد إدوارد سمیث ویلارد مخرج مسرحیة “قصة حب البروفیسور” لكاتبها جي آر إم باري ، بسبب سرقة الحبكة الدرامیة من “الدراما القلمونیة” ، وثانياً : مسرحيات عرس دمشقي ،  والمروءة و الوفاء ، وهارون الرشيد ، والابن الضال ، و عنتر بن شداد  ،  وهي واحدة من أكثر مسرحیات أبي خلیل القباني شهرة، إذا قدمتها فرقته عشرات المرات في دمشق والإسكندریة والقاهرة،  والتي ” قدم  مراسل “بیتسبیرغ دیسبیتش”، عرضاً تفصيلياً لها ، ابتداءاً من الفقرات الفنیة التمهیدیة ، وصولاً إلى المسرحیة نفسها ، ثم الفقرات الفنیة الختامیة. والحق أن هذا المراسل قدم وصفاً ثمیناً غیر مسبوق للفرجة المسرحیة القبانیة التي تبدو ملیئة بالحركة والكومیدیا، والاعتماد على الترمیز والاختزال. والأهم من كل ذلك كسر الجدار الرابع بین الخشبة والجمهور، وفق قوانین “العلبة الإیطالیة” ” . لقد كتب المراسل یقول أيضاً : “لیس ثمة شيء یمیز المسرح الذي في شارع “میدواي بلیزانس” عن أي مسرح ریفي یفتقر إلى مرافق الفخامة ، من أضواء كهربائیة ، وكراس قابلة للطي ، وتنجید راق..إلخ ، فهناك صف الكراسي المألوفة، والكوالیس على جانبي الخشبة، وصف من المصابیح الفاخرة. ولكن ما یمیز “المسرح التركي” هو الرایات والأعلام التي تحمل صورة الهلال، وصف من الوجوه غیر المألوفة التي تزین الحائط، وهي صور للسلاطین والشخصیات الهامة في الدولة العثمانیة. كما یوجد سجاد وستائر وطرابیش في كل مكان”. ویتابع: “قبل أن یحل موعد رفع الستارة لم تكن لتجد كرسیاً فارغاً في المسرح وامتلأت الممرات بسرعة، وهي ضربة حظ للقریة التركیة ومسرحها الذي كلف بناؤه 7000 دولار، وهو مسرح یتسع لألفي مشاهد حین یكون مكتظاً”.

منظر عام للمعرض الكولومبي

كما أورد خلف أن ” أغلب الصحفيين تحدثوا عن مخاطبة الممثل للجمهور مباشرة في بعض المواقف في مسرحبة عنتر بن شداد ، ومنها محاولة عمارة تبریر موقفه “الخسیس” للمشاهدین بعد أن یتلقى لطمة من عبلة. ولعل هذا یسبق تنظیرات الألماني برتولت بریخت حول كسر الجدار الرابع بین الجمهور والخشبة، بنصف قرن تقریباً. كما تحدث أحد الصحافیین عن مكیاج للمشعوذات ، یشبه لوحات الفنان الإیطالي تنتوریتو. وثمة إشارة قویة إلى أداء رمزي وحركات أیدي مقتبسة عن أسلوب دیلسارت”.

وتؤكد جمیع المقالات التي كتبت حول أعمال الفرقة على ” فكرة الإبهار البصري متعدد المستویات، فالخشبة لا تكاد تهدأ حتى تعود للامتلاء مرة أخرى بممثلین یشعون حیویة” ، ويقول خلف ” وهذا یرد على نقاد الأدب العربي المدرسي أمثال محمد یوسف نجم وعلي الراعي وشاكر مصطفى وغیرهم، والذین أقاموا أحكامهم القطعیة الظالمة حول مسرح القباني بالاعتماد على نصوص المسرحیات المنشورة له. فتجربة شیكاغو والتغطیة الصحفیة المواكبة لها تؤكد أن النص كان مجرد عنصر ثانوي في الفرجة المسرحیة المبهرة”.

صورة على خشبة مسرح الجناح في المعرض تجمع المشاركين في مسرحية عنتر في شداد

ويوضح خلف أن صور الفریق المسرحي تبين ” اعتماد أزیاء تعبیریة، وخصوصا القبعات المخروطیة المبالغ فیها. وكل ذلك یقودنا إلى طرح تساؤل مشروع حول مصادر هذه التقنیات، وكیف تأتَّى لأبي خلیل القباني أن یحیط بذلك كله ؟ ” ، كما نقل الأستاذ خلف مقالات تحليلية عديدة ، نشرت في الصحف الأمريكية في فترة المعرض ، وأشادت بمضمون المشاركة ، ومنها ما أورد في وصف أحد المشاهد بأنه ” أشبه بالأوبرا الحديثة”!

أول تسجيلات للأغاني العربية في التاريخ كانت عام 1893 ، و لأغانٍ من ألحان القباني!

توقف الباحث أخيراً عند مؤتمر الفلكلور العالمي ،  الذي أقيم على هامش المعرض 10 إلى 17 تموز (یولیو) 1893 ، فبين أنه كان ” واحداً من سلسلة المؤتمرات العالمیة ،  التي أقیمت على هامش فعالیات المعرض الكولومبي، مثل مؤتمر المرأة ، ومؤتمر الأدیان” . ويبين أنه ” وبهذه المناسبة نظمت اللجنة المحلیة المعینة من جمعیة شیكاغو للفلكلور بمساعدة من لجنة استشاریة تتألف من مائتین من أبرز الفولكلوریین من العالم، مجموعة من الفعالیات النوعیة، تضمنت عقد اثنتي عشرة جلسة رسمیة امتدت على مدى ثمانیة أیام من 10 إلى 17 تموز (یولیو)، وقد تمت قراءة المساهمات الواردة من العدید من البلدان. وظهر الكثیر من الاهتمام والحماس”.

” وخلال هذه الفعالیات تم تنظیم حفلة موسیقیة وغنائیة فلكلوریة في قصر الفن الواقع في منتزه البحیرة في تمام الساعة الثامنة من مساء الجمعة 14 تموز (یولیو) تحت اشراف فریدریك دبلیو روت، شاركت فیها السلطنة العثمانیة (تركیا) ممثلة بأعضاء من فرقة “مرسح العادات الشرقیة” (المسرح التركي) ب” أغنیة حب” أداها كل من: الست ملكة سرور، والست لطیفة خصكیة، والخواجا خلیل زكریا، من بیروت وكانت الآلات المرافقة هي القانون (أداة وتریة)، و العود (نوع من المندولین) و الدایرة (الدف). وقد ظهر هؤلاء الفنانون بإذن خاص من بییر أنطونیوس وشركاه، أصحاب امتیاز المسرح التركي” .

و يبين خلف أنه و ” بمناسبة المؤتمر فقد سارعت الجھات البحثیة الأمیركیة إلى تسجیل بعض  الأغاني  التي تضمنتها المسرحيات ، لتوثیقھا ” ، وهي من ألحان الشيخ أبي خليل القباني ، ” حیث یحتفظ متحف بیبودي في جامعة ھارفرد بتسع إسطونات مسجلة على جھاز فونوغراف أدیسون” .

أنشر اليوم من تلك التسجيلات ، هذا التسجيل لأغنية بصوت ملكة سرور ، وقد تم التسجيل عام 1893 بمناسبة تلك الرحلة الشهيرة إلى أمريكا. سأتوقف لاحقاً عند العناصر الفنية التي يكشفها لنا التسجيل.

لماذا كل هذا الغموض؟

يتوقف الكاتب طويلاً عند أسباب الغموض الذي أحاط برحلة أبي خليل ، ويُرجع ذلك إلى تكتم أبي خليل بعد عودته ، على مشاركته في الجناح العثماني ، بعد  أن وصلت تقارير للسلطان العثماني عن بعض فعاليات المشاركة العثمانية غير الفنية ، أغضبته ، وجعلت كل من ساهم في تلك الرحلة مشمولاً بهذا الغضب ، إذ أشار مخبرون إلى “شخص ثري مشبوه ” اخترق شركة “العوائد الشرقیة” ، وهي الشركة التي تعاقدت معها السلطنة لتنفيذ المشاركة ، بهدف تشویه سمعة السلطنة ، وقد نشرت كوكب أمريكا في هذا السياق خبراً ، جاء فیه أن ” الدولة العلیة استاءت من تصرف بعض العثمانیین الذین لم یحافظوا مدة وجودهم في المعرض الكولومبي على شرف الوطن والبلاد التي ینتمون إلیها ، بتمثیل بعض العوائد والأشیاء التي تمس حساسیات أدباء بلادهم ، وتحط في أعین القوم اعتبارها ، رغماً عن التنبیه الذي أعطي لهم مراراً. وبناء علیه قیل إنه صدر أمر سام لقصاصهم ومنع بعضهم من العودة الوطن” . ويبدو أن من قام بالتحقيق أراد استبعاد اسم أبي خليل لتقديره له ،  ولكون الإخباريات لم تتصل بالمضمون الفني ، كما أن التحقيقات وعلى أكثر من مستوى أثبتت بطلان التهم الموجهة في التقرير ، ولكن تكرار التحقيقات ، دفع أحدهم لتنبيه أبي خليل ليعود فوراً ، كي يحمي نفسه ، ما تسبب في تكتمه على مشاركته في تلك الرحلة اتقاءاً لغضب السلطان.

تسبب ذلك في مجمله في عودة القباني المفاجئة إلى الوطن ، إذ عاد بعد شهرين فقط ، بينما كان من المتوقع أن يبقى ستة أشهر ، كما دفعه إلى التكتم لاحقاً ، ساعياً ألا يعرف أحد عن مشاركته ، خشية غضب السلطان ، وهو ما أثار كل هذا الجدل لاحقاً حول حقيقة مشاركته في المعرض العالمي.

و يوثق الباحث لذلك من خلال خبر مفاجئ نشرته “كوكب أمیركا” في الثلاثین من حزیران (یونیو) 1893 ، عن ” مغادرة حضرة الفاضل الشیخ أبو خلیل القباني المشهور بفن التمثیل، والذي كان استلم إدارة تمثیل العوائد الشرقیة في المعرض الكولمبي ، متوجها إلى لندن وباریس للسیاحة، قبل أن یعود إلى أرض الوطن”.

وأخيراً

يمكن القول أخيراً ، بأن هذا الكتاب أضاف لبنة جديدة ، في بناء يتكامل مع الوقت ، بجهود النخب الثقافية ، لإيفاء الشيخ أحمد أبي خليل القباني حقه علينا ، في توثيق مسيرة هذا الفنان الكبير ، الذي اختزن العناصر الموسيقية العربية الشائعة في عصره ، وأبدع فيها نظماً وتلحيناً ، ثم دفعته نزعة التجريب ، ورغبته في توظيف الغناء ، في سياق عالم ساحر هو المسرح ، بأدواته المختلفة ، من ملابس وديكورات وحركة ، إلى أن يبتدع المسرح الغنائي ، في بلاد الشام أولاً ، ثم في مصر  ثانياً ، ليعبر بعد ذلك المحيطات ، ليعرض فنه الشامل في أمريكا ، وليعرِّف بوطنه ، لتأتي الكتابات الصحفية المنشورة هناك ، لتوثق لنا ما غاب عنّا ، من عناصر فنية مبهرة ، ابتدعها القباني ، و سبقت عصرها ، فاستحق بذلك منا ، على الدوام ، كل تقدير و عرفان.

د. سعد الله آغا القلعة

 

Tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.