• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

الابتكارُ شرطٌ من شروط الحصول على جائزة الدولة التقديرية : هل كانت أم كلثوم مؤدية أم مبتكرة؟

شعار كتاب الأغاني الثاني

توقفت في نشرة سابقة عند إقدام السيدة أم كلثوم على التلحين مرتين ، متسلحة بمعرفتها الوافية بأسرار الموسيقى العربية ، ومقاماتها وأوزانها ، ثم تراجعها عن ذلك لأسباب ، شرحتُ بعضها في نشرة سابقة ، ما أدى إلى طرحي للسؤال التالي : هل كانت أم كلثوم مؤدية أم مبتكرة؟

كما سبق وأشرت في مقالي عن زيارة أم كلثوم إلى حلب في عام 1931   إلى أن الأستاذ أحمد الأوبري ، في سياق تعليقه على حفلتها في حلب ، نفى أن تكون قادرة ، لا هي ولا غيرها من المغنين ، على الابتكار قائلاً:
” إنها إذا أعادت فإنما تعيد النغمة ذاتها مع شيء من التنميق بسيط في القفلات .. إذ ليس بإمكانها – ولا بإمكان أحد سواها – أن يبتكر أنغاماً و أساليب أثناء الغناء.. فالابتكار نتيجة إلهام و بحث وتمرين”!

في الواقع ، كان هذا الموضوع قد بدأ بإثارة جدل كبير في القاهرة ، وذلك عندما طرُح موضوع ترشيحها لنيل جائزة الدولة التقديرية في الفنون ، وهي أعلى جائزة في مصر ، كان أطلقها الرئيس جمال عبد الناصر في عام 1958 ، لكي تمنح للمتميزين فى الإنتاج الفكري ،  فى الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وقيمة الجائزة مائتا ألف جنيه وميدالية ذهبية.
تركز الجدل حول الابتكار ، ومدى انطباقه على أداء السيدة أم كلثوم لأغانيها  ، وهو الجدل الذي أدى إلى تأخير حصولها على الجائزة لتسع سنوات ، وإليكم ما حصل:


الترشيح الأول عام 1959 انتهى بالرفض!

في شهر تشرين الأول / أكتوبر عام 1959 ، انعقدت الجمعية التاريخية المصرية ، برئاسة الدكتور محمد شفيق غربال ، ورشحت السيدة أم كلثوم بالإجماع ، لنيل جائزة الدولة التقديرية في الفنون. وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1959 ، اجتمع مجلس إدارة اللجنة الموسيقية العليا في مصر ، وقرر بالإجماع ترشيح السيدة أم كلثوم لنيل الجائزة التقديرية في الفنون ، نظراً للاعتبارات التالية:
” نصت المادة الرابعة من القانون رقم 27 لعام 1958 ، على وجوب توفر من يمنح الجائزة التقديرية ، أن تكون له مؤلفات أو أعمال أو بحوث سبق نشرها أو عرضها أو تنفيذها ، وأن يكون لهذا الإنتاج قيمة علمية أو فنية ممتازة ، وأن تظهر فيه دقة البحث والابتكار ، وأن يضيف إلى العلوم أو الفن شيئاً جديداً ، ينفع الوطن خاصة والإنسانية عامة.
ونظراً لأن السيدة أم كلثوم إبراهيم – وهذا رأي الموسيقيين – تقوم بأعمال فنية ممتازة ، من حيث التوجيه الفني ، والأداء الذي انفردت به ، مما يضفي عليه قوة في التعبير والابتكار ، ويجعل من تصرفها فيه ، لوناً من التأليف بالغ الأثر ، في استكمال التأليف الأصلي. وقد رفعت أم كلثوم المستوى الفني ، وساهمت بأكبر نصيب في نهضة الموسيقى العربية وتطويرها ، مع المحافظة على طابعها ، مؤدية بذلك الخدمة الكبرى للقومية العربية عامة وبلادها خاصة.
وهي إذ تقوم بأداء هذه الرسالة الكريمة منذ حقبة من الزمن ، جاهدة في نشرها وعرضها وتنفيذها ، فإنها قد نجحت النجاح الأوفى الذي يجعلها جديرة بأن تتوج جهودها بهذا التقدير السامي”. إمضاء رئيس اللجنة أحمد شفيق أبو عوف
ورغم هذا الترشيح ، فقد رفضت اللجنة الفرعية في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ، وهو الجهة المنوط بها منح الجوائز ، وكانت تلك اللجنة برئاسة الدكتور حسين فوزي ، هذا الترشيح ، باعتبار أن أم كلثوم مؤدية وليست مبتكرة. ولعلها تسلحت في هنا بمضمون قانون الملكية الفكرية ، الذي كان صدر عام 1954 ، وحصر الحقوق الفكرية للأغاني بالملحن والمؤلف ، واستبعد المؤدي ، مبعداً عنه صفة الابتكار.

الرئيس جمال عبد الناصر يحسم الجدل ، بعد سنوات

أم كلثوم وفرقتها مع عبد الناصر 1

في عام 1968 ، أي بعد تسع سنوات ، وكانت السيدة أم كلثوم قد حصلت على عدة أوسمة ، نقل رئيس اللجنة الموسيقية أحمد شفيق أبو عوف ، وهو من الضباط الأحرار ، للرئيس جمال عبد الناصر ما حصل ، فأعرب عبد الناصر عن دهشته الشديدة مما سمعه ، وأمر بمنحها الجائزة ، فاجتمعت اللجنة التي أصبحت برئاسة توفبق الحكيم ، واقترحت منحها الجائزة ، وجاء في حيثيات الاقتراح:
” لقد قدمت أم كلثوم إلى الدولة ، في جميع المناسبات القومية ، صورة من تفاعل الفن وتجاوبه مع الأحداث الكبرى ، وأشاعت التذوق الجمالي عن طريق اللحن والنغم بصوتها الفريد ، الأمر الذي فرض نفسه فنياً على جميع المستويات المحلية والعالمية”.
أما المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ، فقد أصدر قراره بمنحها الجائزة ، وجاء في حيثيات القرار :
” إن أم كلثوم استطاعت أن تعمق معنى الكلمة العربية ، وتوصلها إلى النفوس ، عن طريق أدائها المميز ، واستطاعت أن تضيف إلى التأريخ الفني مدرسة ، تعتمد على صفات لها قيمة ، في استمرار التراث الفني ، وفي نفس الوقت بعيدة عن التجمد ، مما أعطاها التطوير الحي والمستمر”.

ملاحظات
أشير هنا إلى الملاحظتين التاليتين:
1- كان الابتكار هو النقطة التي حام حولها الجدل ، الذي حسمه الرئيس عبد الناصر ، ورغم ذلك لم ترد كلمة الابتكار في حيثيات اقتراح اللجنة برئاسة توفبق الحكيم ، ولا في حيثيات قرار المنح ، وهي نقطة بقيت بالتالي معلقة!
2- تشير بعض المراجع إلى أن أم كلثوم حصلت على الجائزة في عام 1966 ، وهذا خطأ ، إذ يثبت الفيديو المنشور هنا ، أن الدكتور ثروت عكاشة هو الذي سلمها الجائزة بصفته وزير الثقافة ، حيث عُيِّن في هذا المنصب للمرة الثانية في عام 1967!
3- أفسح منح السيدة أم كلثوم الجائزة ، عام 1968 ، في المجال أمام الأستاذ محمد عبد الوهاب ، لنيلها عام 1970 ، إذ لم يكن من الممكن منحها له دون السيدة أم كلثوم!

الدكتور حسين فوزي

الدكتور حسين فوزي

من المفيد التوقف هنا عند ثلاثة نقاط : شخصية الدكتور حسين فوزي وعلاقته بالموسيقى أولاً ، و مفهوم الابتكار ثانياً ، وتوقيت منح أم كلثوم الجائزة ثالثاً :
الدكتور حسين فوزي شخصية متعددة المواهب ، تجولت بين العلوم والفنون، فقد كان طبيباً ، ودارساً للعلوم ، ومتخصصاً في علم الأحياء المائية ، تدرج في المواقع ، حتى أصبح رئيساً لجامعة الاسكندرية ، ورئيساً للمجمع العلمي المصري ؛ ولكنه كان أيضاً كاتباً تخصص في أدب الرحلات ، وفي شرح الموسيقى السمفونية ، التي تحمس ، لها في مواجهة الموسيقى العربية ، والنقطة الأخيرة هي التي تهمنا ، خاصة إن علمنا أنه أنشأ البرنامج الثاني في الإذاعة المصرية ، ووجهه نحو تقديم وشرح الموسيقى السمفونية ، كما وضع مؤلفات عديدة منها كتابه الموسيقى السيمفونية ـ ١٩٥٠ ، وكتابه عن بيتهوفن ـ ١٩٧١. من هنا يمكن أن نتوقع أن موقفه من السيدة أم كلثوم ، كان موقفاً من الموسيقى العربية ككل.

النقطة الثانية هي مفهوم الابتكار:
الابتكار في اللغة العربية حسب القاموس المحيط : من ابتكر : كُلُّ مَنْ بادَرَ إلى شيءٍ. و يقال في مراجع أخرى : ابتكر الشيءَ أي ابتدعه غير مسبوقٍ إليه . ونلاحظ بالتالي أن الابتكار يرتبط دائماً بشيء ما.
أما في المعنى السائد لهذا المصطلح ، انطلاقاً من المصطلح المقابل باللغة الإنجليزية : Innovation ، فالابتكار له مفهوم اقتصادي ، يمكن إيضاحه بمقارنته بالاختراع ، فالاختراع يكون في توليد فكرة جديدة ، أما الابتكار فيكون في تحويل فكرة جديدة ، أو معروفة ، إلى منتج جديد ، يحقق سوقاً جديدة لدى طرحه في الأسواق ، ما يعني أنه ليس له علاقة بالملكية الفكرية ، التي تعود للمخترع.

وهنا تأتي النقطة الثالثة : توقيت القرار بالجائزة: عام 1968 ، إذ أن أم كلثوم ، وبعد نكسة حزيران ، أطلقت أسلوباً جديداً في إقامة الحفلات لدعم المجهود الحربي ، في المحافظات المصرية ، ثم في عدد من البلدان العربية ، وفي فرنسا ، و هي في هذا ، تكون قد توافقت ، من حيث المبدأ ، مع أحد عناصر مفهوم الابتكار الاقتصادي ، إذ أنها حولت فكرة ، ضرورة دعم المجهود الحربي ، إلى منتج جديد ( الحفلات ) ، حقق نجاحاً كبيراً له قيمة اقتصادية.
وإلى هذا ألمحت اللجنة الفرعية في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ، برئاسة الأستاذ توفيق الحكيم عندما قالت : ” لقد قدمت أم كلثوم إلى الدولة ، في جميع المناسبات القومية ، صورة من تفاعل الفن وتجاوبه مع الأحداث الكبرى ” ، دون أن يكون من المناسب ، أن يكون هذا هو المجال الذي يسمح لأم كلثوم بالحصول على الجائزة ، ما أدى إلى استبعاد مصطلح الابتكار.

ولكن ، موضوع الابتكار بقي عالقاً ، فهل كان من الممكن اعتبار أم كلثوم مبتكرة ، موسيقياً؟ ولهذا حديث آخر!

د. سعد الله آغا القلعة

Tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

4 Responses to الابتكارُ شرطٌ من شروط الحصول على جائزة الدولة التقديرية : هل كانت أم كلثوم مؤدية أم مبتكرة؟

  1. انا اجزم ان محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش رياض السنباطي او محمد القصبجي اولى من ام كلثوم بهذه الجائزة لتطويرهم العميق في الموسيقى العربية وادخال الاوبريت والالحان الراقصة الاوربية والآلات الغربية في الفرقة النوسيقية .ولكن الرأي السياسي هو الاقوى دائما .

  2. انا اجزم ان محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش رياض السنباطي او محمد القصبجي اولى من ام كلثوم بهذه الجائزة لتطويرهم العميق في الموسيقى العربية وادخال الاوبريت والالحان الراقصة الاوربية والآلات الغربية في الفرقة النوسيقية .ولكن الرأي السياسي هو الاقوى دائما .

  3. Hasan says:

    أم كلثوم كانت تؤدي ألحان زكريا والقصبجي والسنباطي باللحن المخصص للكلمات التي يلحنها هؤلاء الملحنين، ولكنها كانت تضيف على هذه الألحان الكثير الكثير ، كارتجالالت المواويل في هذه الألحان، المواويل الرائعة التي كلنت تضيف على اللحن الأصلي ما يجعلها مبتكرة وخلاقة . إضافة إلى الارتجالات في مقاطع معينة خارجة عن اللحن الأصلي، والامثلة كثيرة جدا لا داعي لذكرها .
    مما يجعل السيدة ام كلثوم فنانة مبتكرة حقا في هذا المجال .
    ولا بد من ذكر نيل الموسيقار فريد الأطرش لهذه الجائزة من الرئيس جمال عبد الناصر قبل وفاته في عام ١٩٧٠

  4. أم كلثوم استحقت الجوائز والأوسمة ليست عن عبث لكن لأن صوتها لم يجُد الزمان بمثله وغنت أرقى الألحان وأرقى القصائد وأبدعت فيها بالتفريدات لن يجود الزمان بمثلها..طبعاً نحن نعلم أنها قامت بمحاولة التلحين وأجادت فيه لكن لم تقتنع جيداً بهذا ولذلك توقفت عنه..هل نتصور شاب في عمر العشرين عاماً يلحن لكوكب الشرق أصعب الألحان إنه العبقري بليغ حمدي..رحم الله سيدة الغناء العربي وباقي عمالقة الفن وأسكنهم عالي الجنان..لك أرق تحياتي د.سعد لما تقدمه لنا من فن الزمن الجميل..دمت بألف خير..ننتظر المزيد إن شاءالله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.