• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

قصيدة حامل الهوى تعبُ للشيخ يوسف المنيلاوي: رؤية مختلفة عن رؤية الأخوين رحباني رجَّحت البكاء والألم!

شعار كتاب الأغاني الثاني

الشيخ يوسف المنيلاوي

أتابع اليوم ، كما سبق و وعدتُ ، بالتوقف عند قصيدة : حامل الهوى تعبُ لأبي نواس ، التي كنا وجدنا أنها جاءت في نصٍ حمّالٍ لأوجه متعددة ، أوردها فيما يلي بين قوسين ، بحيث يسمح كل وجه منها برؤية مختلفة للجو العام الملائم لتلحينها:
حامل (الهوى ) ( تعب ) ( يستخفه ) ( الطرب )
إن ( بكى ) يحق له ليس ما به ( لعب )
كلما إنقضى سبب منك عاد لي سبب
تعجبين من ( سقمي ) صحتي هي العجب
( تضحكين لاهية ) و المحب ( ينتحب )
كنّا لاحظنا في النشرة السابقة ، أن النص حمل مفردات متناقضة ، أو منسجمة ، أو مختلفة المعاني ، وردت فيه على التوالي ، وحمَّلته أوجهاً متعددة:
الهوى ، التعب ، الاستخفاف ، الطرب ، البكاء ، اللعب ، السقم ، الضحك ، الانتحاب!
وأن الأخوين رحباني وضعا لحنهما الحيوي بناءاً على : الاستخفاف ، اللعب ، الضحك ، وأنهما تجاوزا : التعب ، البكاء ، الانتحاب ، السقم!
فماذا عن نسخة هذه القصيدة بصوت الشيخ يوسف المنيلاوي؟

الشيخ يوسف المنيلاوي
يعتبر الشيخ يوسف المنيلاوي من أهم مطربي الفترة التي شهدت إرهاصات النهضة الموسيقية ، إذ أنه عاش بين عامي 1850 و 1911 ، ما مكنه من أن يتعاصر ، ولو متأخراً ، مع انطلاق صناعة الأسطوانات ، ويسجل بالتالي عدداً كبيراً من الأسطوانات ، التي شكلت الصورة الأقرب لغناء القرن التاسع عشر ، حيث سجل أغلب أدوار محمد عثمان وعبده الحمولي ، اللذين عاصرهما ، ثم غيَّبهما الموت ، قبل استقرار تقنيات تسجيل الأسطوانات ، ولذا يمكن اعتبار أن تسجيلاته الغنائية ، شكلت صورة واضحة ، للفترة الانتقالية ، بين مدرسة الغناء التي كانت سائدة في حلب ، والمدرسة الغنائية الجديدة التي انطلقت في القاهرة لاحقاً.
ركز المنيلاوي تسجيلاته الغنائية على قالبي القصيدة الغنائية ، والدور ، فسجل في القصيدة ما كان سائداً ، إضافة إلى أدائه لبعض القصائد بأسلوبه المرتجل الخاص ، المرسل أو المتصل بالإيقاع.

القصيدة الغنائية
تبين الشواهد التي حملتها لنا الأسطوانات الأولى أن القصيدة الغنائية ، أتت في شكلين: القصيدة المرسلة ، التي تؤدى مرتجلة من قبل المطرب ، لاستعراض قدراته الصوتية ومعرفته بمسالك المقامات الموسيقية وتفرعاتها ، أو ملحنة وفق أسلوب تلحين الموشحات.
مع الوقت ، وبسبب تكرار الاستماع إلى تسجيلاتها ، بدأت القصيدة المرتجلة تتحول إلى قصيدة ملحنة ، لا تختلف كثيراً عن اللحن المرتجل الأساسي ، كما شهدنا لاحقاً ، في قصائد الأستاذ صباح فخري ، ومواويل محمد عبد الوهاب ، ثم لتتحول ، مجدداً ، في أعمال بعض المطربين ، من قصيدة مرسلة دون إيقاع ، إلى قصيدة ملحنة ، يرافقها الإيقاع البسيط ، وهو الشكل الذي نتابعه اليوم ، في قصيدة الشيخ يوسف المنيلاوي ، وكان أسسه عبده الحمولي ثم أبو العلا محمد.

اعتمد الأسلوبان القديمان في أداء القصيدة ( المرسل والموقّع ) ، على عناصر مشتركة ، فالجملة اللحنية تمتد على طول البيت الشعري فقط ، أي أن لكل بيت جملته اللحنية الخاصة ، فيما يتطلب الأداء الغنائي قدرة صوتية متميزة ، ومساحة صوتية واسعة ، و تمكناً في ترجيف الصوت ، وفي أداء قفلات تطريبية ، تتطلب سيطرة كاملة على تنقل الصوت عبر الأصوات الموسيقية المتلاحقة ، ناهيك عن ضرورة إحكام اللفظ ، وضبطه وفق أحكام التجويد المعتمدة في تلاوة القرآن ، من حيث الإيقاع اللفظي ، و التشديد على مخارج الحروف.
بالمقابل ، درجت العادة على أن يُمهد للقصيدة الغنائية ، بدولاب، كما أي أغنية ، وهو مقطوعة موسيقية تمهيدية بسيطة متكررة اللحن لكل مقام موسيقي ، إضافة إلى بدء الغناء بالتغني بكلمة يا ليل ، على مقام موسيقي محدد، ثم الانتقال إلى أداء القصيدة على المقام ذاته ، والعودة إليه في نهايتها ، مهما كانت التفرعات الواردة ضمن لحن القصيدة الملحنة أو المرسلة المرتجلة ، على أن يختتم التسجيل بجمل لحنية تؤديها الفرقة الموسيقية ، مع تقاسيم قصيرة على الكمان أو القانون ، حسب الحال .
اعتمدت الأسطوانات الأولى على وجود مشجعين للمطرب في الاستوديو ، لإضفاء جو الحفلة ، ما كان يساعد المطرب على الأداء بشكل أفضل.

قصيدة حامل الهوى تعب
بنى الشيخ المنيلاوي لحنه للقصيدة على أحد أوجه النص ، إذ اعتمد البكاء والسقم والانتحاب والطرب ، مخالفاً بذلك ما اعتمده الأخوان رحباني ، في لحنهما لفيروز ووديع الصافي ، ولذا فقد اختيار مقاماً حزيناً بطبيعته ، وهو مقام الصبا ، ليبني عليه أداءه للقصيدة ، كما يمكن تتبع أسلوبه التعبيري في الأداء ، من خلال الفيديو المرفق ، عندما يمر على كلمات تعبر عن البكاء والتحسر، وكذلك تكراره لبيت : كلما إنقضى سبب منك عاد لي سبب ، وتكراره لكلمة : عاد ، ضمنه ، إذ لعله قصد بذلك التعبير عن تكرار عودة الأسباب!

تجدر الإشارة إلى أن الجملة اللحنية في هذه القصيدة جاءت قصيرة ، لأنها كما أسلفت ، ترتبط في القصيدة الغنائية بالبيت الشعري ، وتمتد على طوله ، ولما كان نص القصيدة هنا محدود عدد الكلمات ، في البيت الشعري الواحد ، لأنها بنيت على البحر المقتضب ، فقد تسبب هذا في أن تكون الجملة اللحنية قصيرة.

يمكن متابعة تحليل نسخة القصيدة بصوت فيروز ووديع الصافي

د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

Comments are closed.