• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

حامل الهوى تعبُ بصوت فيروز ووديع الصافي : نصٌ حمّالٌ لأوجهٍ متعددة ، اختار منها الرحبانيان بعضَها ، وتجاوزا البعض الآخر ، فسعت فيروز بأدائها البصري لدعم اللحن الناتج!

شعار كتاب الأغاني الثاني

أشرتُ في نشرة سابقة ( تحليل أغنية يا معلق لخالد الشيخ ) ، إلى أن الملحن الجاد ، عندما يستلم أو يختار النص الذي سيضع له لحناً ، و يجد أنه يحمل أوجهاً متعددة ، فإنه يبحثُ في ثناياه عن جملة أو كلمة تشكل ، في رأيه ، ما أدعوه : الكلمة أو الجملة المفتاح ، إذ تدلّه على الجو العام للَّحن ، وذكرتُ في هذا الإطار ، أن حيوية لحن خالد الشيخ لأغنية يا معلق ، الذي كان موضوع النشرة قبل السابقة ، أتت بسبب ورود كلمة الغواني في البيت الأول ، فحددت مسار اللحن ، في حيويته ، كما حيوية الغواني ، فيما جاء لحنه لقصيدة : عيناكِ ، لنزار قباني ، هادئاً ، بناءاً على النص المتكرر ، المحدد للجو العام : فأنا لاأملك في الدنيا ، إلا عينيكِ وأحزاني.

وبناءً على ذلك ، فقد نشرتُ لاحقاً، لحن محمد القصبجي لأغنية فين الحبيب ، بصوت نور الهدى ، وبينتُ أن القصبجي ، حدد الجو العام للَّحن ، استناداً إلى جملة : فين الحبيب اللي أتمناه ، التي تعبر عن التلهف ، في البحث عن الحبيب ، فجاء اللحن حيوياً معبراً عن اللهفة التي غلَّفت النص.

أبدأ اعتباراً من هذه النشرة ، بالتوقف عند نصٍ شهير ، حمّالٍ لأوجه ، تداوله ملحنون كبار ، كلٌ على طريقته ، وكان الحاسم في الاختيار ، في كل مرة ، كلمة أو كلمات في النص ، وفرت لكل ملحن خياراً مختلفاً ، إنه نص قصيدة : حامل الهوى تعبُ يستخفه الطربُ ، لأبي نواس . لنستعرضه ، و نحدد ، فيما بين قوسين ، الأوجه المحتملة ، لاختيار الجو العام الملائم للتلحين:

نص القصيـدة الأولى

فيروز:
حامل (الهوى ) ( تعب ) ( يستخفه ) ( الطربُ )
إن ( بكى ) يحق له ليس ما به ( لعبُ )
وديع:
كلما انقضى سببٌ منك عاد لي سببُ
تعجبين من ( سقمي ) صحتي هي العجب
فيروز:
( تضحكين لاهية ) و المحب ( ينتحبُ )
نلاحظ أن مفردات متناقضة ، أو منسجمة ، أو مختلفة المعاني ، وردت في النص على التوالي ، وحمَّلته أوجهاً متعددة:
الهوى ، التعب ، الاستخفاف ، الطرب ، البكاء ، اللعب ، السقم ، الضحك ، الانتحاب!

لحن الأخوين رحباني

أتوقف أولاً عند لحن الأخوين رحباني للقصيدة ، بأداء فيروز ووديع الصافي ، والذي جاء على قام النهاوند ، وأتساءل : ما هي المفردات المنسجمة ، التي اختارها الرحبانيان ، كمفتاح لتحديد الجو العام للّحن؟
أعتقد أن حيوية اللحن تؤكد أنهما اختارا: الاستخفاف ، اللعب ، الضحك ، وتجاوزا : التعب ، البكاء ، الانتحاب ، السقم! دون أن أستبعد دور البحر الشعري الذي بنيت عليه قصيدة أبي نواس : البحر المقتضب ، في ذلك  وهو بحر رشيق وزنه : فاعلن مفاعلتن.

حمل اللحن بعض الملامح التعبيرية ، في تصاعد اللحن المتتالي ، مثلاً ، عند تكرار جملة : تضحكين لاهية ، في تعبير عن الاستنكار ، إذ تضحك لاهية ، والمحب ينتحب.
طبعاً كان المفروض أن يتابع وديع في أداء بيت : تضحكين لاهية والمحب ينتحبُ ، بعد البيتين اللذين غناهما ، فالمعنى مستمرٌ في السياق ذاته ، إن افترضنا أنه يخاطب المحبوبة ، ولكن فيروز تغنيه لاختتام المشهد، ولأن الأداء في الأساس لم يكن حواراً بين طرفين ، ولم يكن تجسيداً لأيٍ من شخصيات القصيدة ، ويؤكد ذلك أسلوب التبادل في الأداء في القصيدة التالية ، في الفيديو المرفق ، وهي أيضاً من شعر أبي نواس : يا غزالاً من كثيب ، إذ نلاحظ ، أن فيروز ووديع ، يتبادلان الأداء لبيت : لشقائي صاغك الله حبيباً للقلوبِ.

أتت القصيدة التالية : يا غزالاً من كثيبِ ، على مقام الحجاز كار في الأجواء الحيوية ذاتها ، رغم أنها تحمل أيضاً أكثر من وجه ، إذ ترد فيها كلمة الشقاء ، التي تتعارض مع حيوية اللحن ، وإن كانت أجواء هذه القصيدة أقل تباعداً ، في مفرداتها ، من القصيدة الأولى .

نص القصيـدة التالية
المجمـوعة
يا غزالاً من كثيبِ أنت في حسن و طيبِ
فيروز
يا غريب الدار ما وصلك مني بقريبِ
يا حبيبي بأبي أنسيتني كل حبيبِ
وديع
لشقائي صاغك الله حبيباً للقلوبِ
فيروز
لشقائي صاغك الله حبيباً للقلوبِ

لنتابع الآن أداء القصيدتين ، في الفيديو المرفق ، وندقق خاصة في تعابير وجه السيدة فيروز ، وهي تؤدي البيت الأخير ، من القصيدة الأولى ، حيث تتعارض المعاني بشكل مباشر ، عندما تغني : تضحكين لاهية والمحب ينتحب ، إذ نراها تغني أولاً بتعابير وجه هادئة : تضحكين لاهيةً ، ثم إذ بها تبتسم عند : والمحب ينتحبُ ، مع حركة متمايلة للراس ، تلائم ما سبق وغنته قبل ثوانٍ : تضحكين لاهية ، ولا تلائم ما كانت قد بدأت بأدائه : والمحب ينتحب ، إذ أن الابتسام و تمايل الرأس يتعارضان مع الانتحاب ، إلا إن افترضنا جدلاً ، أنها كانت تعبر في ذلك عن موقف المحبوبة ، التي لا تهتم لانتحاب المحبّْ ، وهذا غير وارد ، إذ سبق أن وجدنا ، أعلاه ، أن الأداء لم يرتبط بتجسيد أيٍ من شخصيات القصيدة ، فهل كانت بهذا الفرق في التزامن ، بين النص والتعبير البصري ، تضيف بعداً إضافياً للتأثير ، يدعم حيوية اللحن ، و يخفف من وضوح تناقض تلك الحيوية ، مع انتحاب المحب؟

في نشرة قادمة أتوقف عند رؤية مختلفة ، لملحن آخر ، للقصيدة ذاتها ، اعتمدت خياراتٍ اخرى!

د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

Comments are closed.