حياة وفن أسمهان – الفصل الخامس – 4 : بين الغرام والانتقام .. وليالي الأنس

شعار كتاب الأغاني الثاني

الفصل السابق : حياة وفن أسمهان – الفصل الخامس – 3

أسمهان 2الكتاب المسموع : حياة وفن أسمهان
الفصل الخامس – القسم الرابع

غرام وانتقام وليالي الأنس


التسجيل الصوتي للاستماع المتزامن مع قراءة النص :


لم تعد معاني الفراق والتشوّق واضحة في أغاني الفيلم، ولا في الفيلم ذاته، لأن الفراق الأخير كان نهائيّاً ؛ أسمهان هنا لم يعد أمامها إلا الغناء.

شارك الأستاذ فريد الأطرش في تلحين أغنيات الفيلم لأول مرة إلى جانب الكبيرين رياض السنباطي و محمد القصبجي ، وقد كان على قدم المساواة إلى جانبهما. كانت أغنيته الأولى ليالي الأنس في فيينا ، وقد بنى اللحن على إيقاع الفالس لأن فيينا مدينة اشتُهرت بفالسات شتراوس.

يستوقفني أولاً في ليالي الأنس في فيينا ذلك التعبير الغريب الذي تؤدّيه أسمهان عندما تتغنّى” أدي الحبايب عالجنبين إيه اللي فاضل عالجنّة”، تُعبّر هنا في تساؤل، وكأنها تتساءل إلى أي اتجاه ستوجِّه أحزانها الدفينة؟

 (قطع إلى أغنية ليالي الأنس في فيينا  لـ أسمهان )

آدي الحبايب عالجنبين ايه اللي فاضل ع الجنّة؟

أسمهان في ليالي الأنس

أسمهان في ليالي الأنس

فعلاً، في تلحينه لهذه الأغنية، ليالي الأنس في فيينا ، استطاع الأستاذ فريد الأطرش أن يَنفُذ إلى حقيقة عواطف أسمهان .

في تلك الأيام الصعبة، كانت الأبواب جميعها موصدة أمامها إلا الغناء، كانت قد تركت أسرتها الصغيرة نهائياً، وكانت قد تركت أسرتها الكبيرة، وكان فيها بعض من يتّهمها بالخيانة، لم يبقَ أمامها إلا الغناء، وهنا كان الصراع الداخلي بين الكبرياء الذي ( التي ) فُطِرت عليه ( عليها ) ، وبين حاجتها للمال، وبالتالي للغناء لكي تعيش.

في أغنية ليالي الأنس في فيينا ، وفي المقطع التالي يظهر ذلك واضحاً في مقطع ساعة هنا… ساعة سرور… تغنّيها في الفيلم عروس في ليلة عرسها، وإذ باللحن وبالتعبير يقطُر حزناً دفيناً، وخاصة في مقطع إيه اللي رايح يبقى لك من النعيم غير ظلّه؟ في هذا المقطع، هل كانت تتساءل: هل كان نعيم الغناء الذي تعيش فيه ظلاً من نعيم الحياة التي عاشتها؟


 (قطع إلى أغنية ليالي الأنس في فيينا لـ أسمهان )

ساعة هنا.. لو تصفى لك تنسى معاها الكون كلّه

إيه اللي رايح يبقى لك من النعيم ده غير ظلّه؟

 أودّ هنا أن أنتقل في المعنى ذاته إلى أغنية ثانية في الفيلم من ألحان فريد الأطرش ، أنا أهوى ، التي لحّنها في أسلوب شرقي مختلف وتطريبي، ولكن فيها عبارة أخرى تتقاطع في المعنى مع ما غنّته الآن، إيه اللي رايح يبقى لك من النعيم غير ظلّه؟ عندما تُغني في أنا أهوى .. والدنيا دي إيه تسوى؟ هل كانت تتوقع وفاتها القريبة؟

 (قطع إلى أغنية أهوى لـ أسمهان )

إبعد همومك عن روحك ايه تجني منها غير نوحك

والدنيا دي ايه تسوى؟ وإيه تفيد الشكوى؟

آه يا مين يقول لي أهوى

أسقيه بإيدي قهوة

أنا أهوى

الجيتار هواين في أغنية ليالي الأنس

الجيتار هواين في أغنية ليالي الأنس

لنَعُد إلى ليالي الأنس، في المقطع التالي أجد نفسي في موقف لا أستطيع أن أجيب على التساؤل التالي: من كان الأول في استخدام آلة الجيتار هوايين في الموسيقى العربية؟

في الواقع، تُجمِع المراجع التي عالجت فن الأستاذ عبد الوهاب على أنه كان هو الأول، وقد استندت في هذا إلى ما قاله الأستاذ عبد الوهاب نفسه في برنامج إذاعي بعنوان “حياتي”، كان قد قدّمه، وكرّر الكلام ذاته في برامج تلفزيونية أخرى. قال: لقد كنت الأول، وكان ذلك في فيلم رصاصة في القلب في عام 1944، وبالتحديد في أغنية اِنسَ الدنيا.

لنستمع الآن إلى المقطع الذي فيه جيتار هوايين في أغنية اِنسَ الدنيا، ونتأكّد من الجملة الأساسية فيه.


(قطع إلى العزف على الجيتار هوايين في أغنية انس الدنيا)

 في المقطع التالي من أغنية ليالي الأنس يستخدم الأستاذ فريد الأطرش آلة الجيتار هوايين ، ومن الطبيعي أن السيدة أسمهان غنّتها قبل وفاتها في 14 تموز عام 1944 في ذات العام الذي يقول الأستاذ عبد الوهاب أنه فيه استخدم آلة الجيتار هوايين في فيلم رصاصة في القلب .

إذاً من كان السبّاق؟ طبعاً لا أستطيع الآن الإجابة، ولن أستطيع الإجابة، ولكن أقول هنا إن استخدام الأستاذ فريد لهذه الآلة يأتي هنا في شكل ملائم تماماً للمعاني، عندما تُغنّي أسمهان خيال ساري مع الأوهام، عن الطيف الجاري مع الأحلام.. هنا آلة الجيتار هوايين تُعبّر عن ذلك الخيال، عن ذلك الطيف. ولكن لو دقّقنا في الجملة اللحنية التي تعزفها آلة الجيتار هوايين سنجد أنها تماماً في البداية، مثلما أتت عند الأستاذ عبد الوهاب . إذاً، هناك من استقى من الآخر، ولكن مَن استقى مِن مَن؟ هذا ما لا أستطيع أن أؤكّده.

 (قطع إلى أغنية ليالي الأنس في فيينا لـ أسمهان )

خيال ساري مع الأوهام وطيف جاري مع الأحلام

وليه تصبر على الأيام تفوت من غير ما تتهنى

 فعلاً، إنها معانٍ وألحانٌ لا تتلاءم أبداً مع ما تُغنّيه عروس في ليلة فرحها، وحتى في المقطع الأخير، عندما المعاني تُعبّر عن الفرح في كلمتي” اِفرح وامرح”، تؤديهما أسمهان في بكائيّة مختنقة، وحتى في مقطع “تهنا بقربه وتسعد بهواه”، أيضاً تقترب أسمهان من البكاء، ولكن هذا لا يمنعها أبداً من أن تؤدي الختام الاستعراضي الذي أراده فريد ، مذكِّراً برغبته في أداء استعراض السينما، تؤدي الختام في حرفيّة نادرة.

 (قطع إلى أغنية ليالي الأنس في فيينا لـ أسمهان )

اِمرحْ.. واطرَبْ..

اِفرحْ.. واشربْ..

اِبعت قلبك يسبح ويطيرْ

في الدّنيا دي يلقى له سميرْ

تهنا بقربه، وتسعد بِهواهْ

وتهنّي شباب القلب معاهْ

دي فيينا روضة مِ الجنة يسعد لياليكِ يا فيينا

نغم في الجوّ له رنّة.. سمعها الطير بكى وغنّى

 فعلاً، في هذه الأغنية كانت أسمهان كالطير الذي بكى وغنّى.

د. سعد الله آغا القلعة


يتبع : رثائية أيها النائم

فهرس مجلد أسمهان الإلكتروني

 

Tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.