• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

حياة وفن أسمهان – الفصل الثالث – 3 : القصبجي وأسمهان والقصائد بين الأصالة والتجديد

شعار كتاب الأغاني الثاني

أسمهان 2الكتاب المسموع : حياة وفن أسمهان
الفصل الثالث – القسم الثالث

القصبجي وأسمهان والقصائد بين الأصالة والتجديد

القسم السابق: السنباطي وأسمهان والقصيدة التجديدية


التسجيل الصوتي للاستماع المتزامن مع قراءة النص :


 إذاً السنباطي ، وعبر ” يا لعينيكِ ” ، ولو أنه مرّ بقطيعة مع أم كلثوم ، استطاع في النهاية، كما رأينا قبل قليل، أن يحقّق عودة أم كلثوم إليه، وأن توكل إليه تلحين القصائد ابتداء من منتصف الأربعينات.

ماذا عن القصبجي الذي كان يتشوق أيضاً لتلحين القصائد ؟ كان القصبجي قد لحّن لـ أسمهان أولاً وقدّم لها ليت للبرّاق ثم أسقنيها التي قيل إن لحنه فيها كان متميّزاً على لحن عبد الوهاب لنفس النص، وهنا كان يشعر بأنه متفوّق، وبالتالي كان منتشياً، ولهذا اختار قصيدة من عقر دار عبد الوهاب ، وهي قصيدة لـ أحمد شوقي ، هذا الشعر.. شعر ذلك الشاعر أمير الشعراء كان محتَكَراً للأستاذ عبد الوهاب ، اختار هو لمتابعة منافسة عبد الوهاب من شعر شوقي هل تيّم البان السؤال هنا: هل سيلحّنها بشكل تجديدي لكي يتابع منافسة الأستاذ عبد الوهاب أم بشكل تقليدي، وقد كان قد سمع أن أم كلثوم قد بدأت بتحضير فيلم تاريخي هو ” دنانير “، وفيه لا شك قصائد تقليدية؟

إذاً لكي نتأكد هل كان الأسلوب تجديدياً أم تقليديّاً لنتابع هذا المقطع من هل تيّم البان لكي نتلمّس الإجابة على ذلك السؤال.

 (قطع إلى أغنية هل تيّم البان لـ أسمهان )

هل تيم البان فؤاد الحمام فناح فاستبكى جفون الغمام

أم شفَّه ما شفَّني فانثنى مبلبل البال شريد المنام


الأسلوب التقليدي والأسلوب التجديدي في تلحين القصائد

أم كلثوم والقصبجي

أم كلثوم ومحمد القصبجي

لاحظ القصبجي أن السيدة أم كلثوم رفضت قصيدة يا لعينيك لروحها التجديدية كما قالت ؛ إذاً وباعتبار أنه كان يتشوّق للتلحين لها أكثر من أن ينافس الأستاذ عبد الوهاب ، فقد قرّر أن يقدّم هل تيّم البان في روح تقليدية لكي تقبلها السيدة أم كلثوم . وهنا قد نتساءل: ما الفرق بين التجديدية والتقليدية في تلحين القصائد ؟ الواقع أن الأسلوب التقليدي في تلحين القصائد يعتمد في أبسط صورة ممكنة يمكن أن نشرحها على مبدأين اثنين: أولاً البيت الواحد الشِّعري من القصيدة يُلحَّن بجملة لحنية تبتدئ به وتنتهي في نهايته غنائيّاً دون أي تدخُّل للموسيقى أو بأقل تدخّل ممكن للموسيقى، أي لا لوازم موسيقية ، يبتدئ الغناء مع بداية البيت وينتهي مع نهاية البيت، وإذا كان هذا البيت المُغنّى على مقام البيات ، ففي نهاية الجملة اللحنية المغنّاة له يجب أن يتوضّح ذلك باستقرار على استقرار مقام البيات ، وإذا كان على مقام الراست فيجب أن يستقرّ على مقام الراست بوضوح. إذاً، هذان كانا بشكل عام المبدأين الأساسيّين في تعيين الأسلوب التقليدي.

وهكذا نتساءل الآن مثلاً قصيدة أسقنيها التي لحّنها القصبجي قيل عنها إنها تجديدية، هل كانت فعلاً كذلك؟ لنتتبّع البيت الأول ونلاحظ وجود تقاطع للموسيقى ضمن البيت الواحد. مثلاً عندما تبدأ بالغناء أسقنيها بأبي أنت وأمّي، موسيقى، لا لتجلو الهم عني، موسيقى، أنت همّي موسيقى. إذاً هناك تقاطع للموسيقى مع الغناء في البيت الواحد، وكان هذا الأسلوب التجديدي المرتبط بالتعبير عن المعنى، وبتوقّفات غنائيّة في البيت الواحد، وكان هذا يتعارض مع الأسلوب التقليدي، ولذلك قيل أسقنيها جاءت في لحن تجديدي.

 (قطع إلى أغنية أسقنيها لـ أسمهان )

أسقنيها بأبي أنت وأمي لا لتجلو الهم عني .. أنت همّي

فعلاً، لقد كان لحن أسقنيها لـ القصبجي كقصيدة لحناً تجديديّاً.

لنصل الآن إلى يا لعينيك التي رفضتها السيدة أم كلثوم لروحها التجديدية، ولنتأكد: هل ما عنته كان صحيحاً؟ هل كانت تجديديّة؟ نستمع الآن إلى البيت الأوّل منها، نلاحظ أن الموسيقى تتقاطع في البيت الأول: يا لعينيك ويا لي ، موسيقى، من تسابيح خيالي، موسيقى، فيهما، موسيقى، ذكرى، موسيقى، من الحبّ ومن سهد الليالي، موسيقى. ثم يُكرَّر اللحن، يُكرّر البيت ذاته في لحن آخر مختلف، مع لوازم موسيقية متقاطعة فيه، ودائماً في نهاية البيت لا يوجد لا استقرار لتوضيح المقام، ولا لازمة موسيقية توضّح المقام.

إذاً فعلاً كانت هذه القصيدة يا لعينيك ذات روح تجديدية، وكانت السيدة أم كلثوم مصيبة في رفضها لها من خلال منظارها الذي كان يقول: التجديد مقبول في المونولوج الرومانسي ، ولكن ليس في القصائد التي كانت تتمسّك بها بالأسلوب التقليدي. لنتابع يا لعينيك وروحها التجديدية.

 (قطع إلى أغنية يا لعينيك لـ أسمهان )

يا لعينيـكِ ويا لي من تسابيـح خيـالي

فيهما ذكرى من الحب ومن سهد الليالي

يا لعينيـك ويا لي من تسابيـح خيـالي


العلاقة بين الموسيقى العربية والشعر العربي

طالما أننا الآن في معرض الحديث عن القصيدة المغنّاة، اسمحوا لي بتوضيح بسيط في موضوع العلاقة بين الموسيقى العربية والشعر العربي. في القصيدة المغنّاة في الأسلوب التقليدي قلت إن البيت الواحد، عندما يُغنّى لا تقاطع فيه مع الموسيقى، والجملة اللحنية تمتد على طول البيت الواحد. وعندما ننتقل إلى بيت جديد شعريّ ليُغنّى.. له جملة لحنية أخرى، وبيت ثالث ..جملة لحنية أخرى، ولا تقاطع دوماً مع الموسيقى، وتنتهي الجملة اللحنية دوماً مع نهاية البيت المغنّى. من أين أتى هذا؟ لقد أتى من الشعر العربي القديم. قديماً في الشعر العربي، الصورة الجمالية التي يعرضها الشاعر تبدأ بالبيت الشّعري وتنتهي به، وعندما يُضطر الشاعر لبيتين لكي يُعبّر عن صورة جمالية واحدة، كان هذا يُعَدّ ضعفاً في الشعر العربي ؛إذاً بنفس الأسلوب، الصورة الجمالية يجب أن تبدأ وتنتهي في الشعر العربي بالبيت الواحد، والبيت الثاني بصورة جمالية مستقلّة، أيضاً في الجملة اللحنية، في الموسيقى العربية، كل بيت له جملته اللحنية الخاصة، وهذا يبيّن مدى العلاقة المتينة بين الموسيقى العربية والشعر العربي.


القصبجي وهل تيم البان

لنعد الآن إلى القصبجي وقد وجدنا أنه قد قرّر أن يُلحِّن هل تيّم البان على الأسلوب التقليدي. قبل أن نفحص ذلك لكي نتأكّد، يجب أن أقرّر شيئاً مهمّاً جداً: لقد كان قرار القصبجي بتقديم هل تيّم البان على الأسلوب التقليدي للقصيدة تنازلاً كبيراً منه، لماذا؟ لأنه كان رائد التجديد في الموسيقى العربية، وإذ به يتنازل من أجل أن يحرِّض أم كلثوم على أن تكلِّفه بتلحين القصيدة، تنازل وقدّم لها الأسلوب التقليدي وهو رائد التجديد.

لنفحص ذلك الآن ونتأكد من أن أسلوبيّته كانت تقليدية في هل تيّم البان ، ولنستمع إلى البيت الأوّل ونتأكد، الجملة اللحنيّة مكتملة في البيت، لا موسيقى تتقاطع مع الغناء، وفي نهاية البيت، هناك استقرار لتوضيح المقام وإنهاء الجملة اللحنية. لنتابع:

 (قطع إلى أغنية هل تيّم البان لـ أم كلثوم )

هل تيم البان فؤاد الحمام فناح فاستبكى جفون الغمام

 اختار القصبجي مقاماً موسيقياً جميلاً لكي يبني لحنه في هذه القصيدة عليه، هو مقام الهزام ، أو في هذا الموقع الموسيقي الذي تُغنّي فيه أسمهان يُسمّى راحة الأرواح. طبعاً اختار هذا المقام الذي يحقق الأسلوب التقليدي أكثر من مقامات أخرى.

على كل حال، ما أريد أن أذكّر به هنا أننا فحصنا البيت الأوّل، ولاحظنا الأسلوب التقليدي في الأداء، حيث لا موسيقى تتقاطع كما رأينا، والجملة اللحنيّة تمتدّ على طول البيت. لندقّق الآن في البيت التالي الذي حفل بتجانسات لفظية، طالما أبدع شوقي فيها، هذا البيت يقول” أم شفّهُ ما شفَّني فانثنى مبلبل البال شهيد المنام” ونلاحظ أن الأسلوب التقليدي موجود دوماً، لا موسيقى تتقاطع، والجملة اللحنية على طول البيت، مع قفلة في النهاية لإبراز مقام راحة الأرواح.

 (قطع إلى أغنية هل تيّم البان لـ أم كلثوم )

أم شفّهُ ما شفَّني فانثنى مبلبل البال شريد المنام

لندقِّق الآن: هل حافظ القصبجي على تقليديته في تلحين هذه القصيدة؟ ليكن ذلك مثلاً في البيت التالي … وتوقد الذكرى بأحشائه جمراً من الشّوق حثيث الضّرام على مقام الحجاز كار هذه المرّة.

 (قطع إلى أغنية هل تيّم البان لـ أم كلثوم )

وتوقد الذكرى بأحشائه جمراً من الشّوق حثيث الضّرام

أسمهان والعود

أسمهان والعود

 طبعاً ذكرت في البداية أن القصيدة أتت على مقام راحة الأرواح، وذكرت قبل قليل أن هناك بيتاً جاء على مقام الحجاز كار، طبعاً من الطبيعي أن الملحِّن يستطيع أن يُغيِّر مع تغير الجمل اللحنيّة والأبيات، أن يُغيّر المقام لكي يلوِّن اللحن، ولكي يسمح للصوت في تصاعد الجملة اللحنية أن يبرز أكثر وأكثر في الحدّة ممّا يُسهّل الاستجابة لدى المستمع والطرب، وهذه غاية الأسلوب التقليدي. على كل حال، أسمهان أدّت هذا بحرفيّة واضحة. ولكن، هنا تخطر ببالي فكرة: إنّني فعلاً أرثي “بين قوسين” لحال القصبجي المجدِّد، وهو يلحِّن، وهو مجبَر على التلحين في الأسلوب التقليدي، وحاولت أن أتتبّع: هل أُفلتت منه زمام الأمور؟ هل اتّجه إلى التعبيرية؟ سنستمع الآن إلى ختام القصيدة، حيث يعود إلى المقام الأساسي على الأسلوب التقليدي، وندقِّق في لحنه لآخر كلمة: لو دمتَ دام، دام من الديمومة، فنجد أنه مدَّ هذا اللحن غنائياً مدّة طويلة في التعبير عن الديمومة، وهذا ليس في الأسلوب التقليدي، ولكنّه لم يقاطعه موسيقيّاً. لقد مدّ غناء أسمهان لمدة طويلة معتمداً على قدرتها في مدّ الصوت لفترة طويلة، لكي يبقى في الأسلوب التقليدي، ولكن لم يستطع إلا أن يعبّر، وأن يقترب شيئاً ما من التجديدية.

 (قطع إلى أغنية هل تيّم البان لـ أم كلثوم )

يا زمَنَ الوصْـل ِ لأنتَ المُنى وللمُنى عِقـْدٌ وأنتَ النظـــــــامْ

وأنْسُ أوقاتٍ ظفِرْنا بها في غفلـَةِ الأيـَّــــام ِ لو دُمْتَ دامْ

أعتقد هنا أن سوء تفاهم حصل: السيدة أم كلثوم لم ترَ في تقديم القصبجي للأساليب التقليدية في القصيدة مع أسمهان تقرّباً منها، وإثباتاً لقدرته في تلحين الأسلوب التقليدي بعد أن رأى أنها رفضت يا لعينيك لروحها التجديدية، فأراد أن يثبت إنه قادر على الأسلوب التقليدي لكي تكلّفه بالقصائد . لم ترَ هذا، وإنما رأت في ما قدّمه تكريساً لـ أسمهان ، ولمكانتها، ولتبيان قدرتها على تقديم مختلف الأساليب التلحينية بتميُّز واضح. وهنا اتّخذت أم كلثوم قراراً خطيراً: في فيلم دنانير ، القصائد لـ زكريا أحمد ، أمّا السنباطي والقصبجي فلهما المونولوج الرومانسي . كان هذا قراراً خطيراً تماماً.

د. سعد الله آغا القلعة


يتبع: حياة وفن أسمهان : الفصل الثالث – 4 : رائعة أسمهان يا طيور و تحليلها

الفهرس العام لمجلد أسمهان الإلكتروني

Tagged , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.