• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

مظلومة يا ناس لسعاد محمد : أطلقت شهرتها و وثَّقت ضياع حقوقها وتوقعت مآسي حياتها!

شعار كتاب الأغاني الثاني

أتوقف اليوم عند أغنية ” مظلومة ياناس ” ، التي أطلقت شهرة الفنانة الكبيرة #سعاد_محمد ، من كلمات الشاعر اللبناني محمد علي فتوح ، و ألحان الملحن السوري القدير الراحل محمد محسن.

الملحن
محمد محسن ملحن سوري قدير ، استطاع أن يجد له مكاناً في زمن الكبار . درس الموسيقى في دمشق ، على يد الأستاذ صبحي سعيد ، الذي لحن له أغانيه الأولى في إذاعة دمشق المحلية ، وهي إذاعة أنشأها الفرنسيون عام 1943 ، إبان الانتداب الفرنسي على سورية .
سافر إلى القدس ، للعمل في إذاعتها ، عندما توقفت إذاعة دمشق عن البث عام 1945 ، حيث غنى ولحن على مدى ثلاث سنوات ، للعديد من المطربين والمطربات ، ليعود إلى إذاعة دمشق ، بعد توقف إذاعة القدس ، بسبب نكبة فلسطين ، عام 1948.

في دمشق ، بدأ نشاطه بالغناء ، واستمر في ذلك حتى عام 1953 ، عندما بدأ بالتركيز تدريجياً على التلحين ، إذ نالت أغنية ” دمعة على خد الزمن ” لتغريد محمد ، من ألحانه عام 1953 ، و كلمات الشاعر اللبناني محمد علي فتوح ، شهرة واسعة ، ما جعل شركة بيضافون اللبنانية تتفق معه ، على أن يلحن لسعاد محمد ، التي كانت قد أصبحت معروفة ، بسبب قيامها بدور البطولة في فيلمين سينمائيين ، ثلاث أغنيات ، من كلمات فتوح ، الذي تزوجته سعاد  لاحقاً ، وهي : العمر يوم ، وين يا زمـان الوفا ، غريبة والزمن قاسي ، مع إضافة أغنية دمعة على خد الزمن . تسبب نجاح هذه الأغاني ، في تتويج هذه المجموعة بأغنية ” مظلومة يا ناس ” التي حققت شهرة غير مسبوقة.
سعاد محمد
كانت سعاد محمد ، المولودة في بيروت ، لأب مصري وأم لبنانية ، قد ركزت نشاطها الفني في دمشق ، ثم في حلب ، حيث ذاعت شهرتها محلياً. سافرت إلى القاهرة ، نهاية الأربعينات ، وغنت هناك ، فاسترعت انتباه المخرج محمود ذو الفقار ، الذي أسند إليها دور البطولة في فيلمٍ أنتج على عجل عام 1948 ، لتوثيق الأحداث في فلسطين ، ودور الجيش المصري فيها : ” فتاة من فلسطين “. لحن لها في الفيلم كبار الملحنين، أمثال محمد القصبجي ، ورياض السنباطي ، ورغم أنه لم ينجح كثيراً ، إلا أنه جسد نقطة انطلاق مسيرتها الفنية الثرية ، دون أن يحقق لها الشهرة المطلوبة.
عادت سعاد محمد إلى سورية بعد انتهاء التصوير ، لتستكمل مسيرتها الفنية ، قبل أن تدعى مجدداً إلى القاهرة ، لتقوم بدور البطولة في فيلم ” أنا وحدي ” عام 1952 ، في محاولة لإملاء الفراغ السينمائي ، الذي تسبب به ، انصراف السيدة أم كلثوم عن السينما ، اعتباراً من آخر أفلامها : فاطمة ، عام 1947 .
أدت سعاد محمد في فيلم ” أنا وحدي ” ، الذي عرض في شهر ديسمبر / كانون الأول 1952 ، عدة أغنيات ، اقتربت مما أدته أم كلثوم في أفلامها ، ومن تلك الأغاني مثلاً : ” أنا وحدي ” ، و” فتح الهوى الشباك” ، ما تسبب في ذيوع شهرتها ، نسبياً.
أغنية مظلومة يا ناس رسمت ملامح حياة سعاد محمد الحقيقية
أتت أغنية ” مظلومة يا ناس ” ، كما رأينا ، تتويجاً لعدة أغنيات ذات طبيعة حزينة : دمعة على خد الزمن ، وين يا زمان الوفا ، غريبة والزمن قاسي ، توافقت في ذلك مع الطابع السائد للأغاني في تلك الفترة ، الذي كانت السينما الواقعية قد بدأت بتحريضه .
ولكن هذه الأغنية ، كانت ترسم ، في سياق آخر ، ملامح حياة سعاد محمد الحقيقية ، التي حفلت بالصعاب و الظلم والاتهامات الباطلة ، كما سنرى ، ولذا فقد كانت هذه الأغنية أثيرة عندها ، تغنيها في كل مناسبة ، وكأنها لسان حالها ، بل وكأنها توقعت لها أن تُتهم يوماً .. وتُظلم.
وفي الواقع ، فقد حرض وجود كلمة ” متهومة ” في النص ، وكذلك ” حقوقي ضايعة ومهضومة ” ، قيامي ببحث طويل ، لتحديد التاريخ الذي سجلت فيه هذه الأغنية ، وهل أتت قبل أو بعد التهمة التي ألصقت بها ، إذ كانت سعاد محمد قد منعت من دخول مصر في عام 1956 لسنوات ، بسبب تهمة لا أساس لها ، إذ اتهمت بسرقة مجوهرات و السعي لإخراجها خارج مصر فيما كانت مجوهراتها الخاصة ولكنها لم تصرح عنها عند دخولها مصر ، إلى أن ألغي القرار عام 1960 ، إبان الوحدة بين مصر وسورية.
تبين من خلال البحث وجود روايات عديدة ، منها ما يؤكد أن الأغنية لحنت عام 1947 ، وهذا يعارضه واقع أن محمد محسن كان لايزال حينها في القدس ، أو أنها لحنت عام 1952 ، وهذا يعارضه واقع أن أغنية دمعة على خد الزمن ، التي لحنها محمد محسن لتغريد محمد أولاً ، سجلت في عام 1953 ، حسبما هو مثبت في إذاعة دمشق ، و كذلك في كتاب أصدره الأستاذ أحمد بوبس ، الباحث السوري ، عن حيـاة محمد محسن ، ما يعني أن مجموعة الأغاني التي سجلتها سعاد محمد لصالح بيضافون ، كانت عام 1954 ، في توظيف من شركة بيضافون لظهور سعاد محمد في السينما ، وهذا يتوافق مع الوثيقة الصوتية الوحيدة لهذه الأغنية ، التي لها تاريخ محدد ، و هي أداؤها لهذه الأغنية في القاهرة عام 1954 ، في إحدى الحفلات التي كانت تقيمها الإذاعة المصرية على المسرح العائم ” الباخرة سودان ” ، وكان ذلك في 4 تموز / يوليو 1954 ، ما يوضح بالتالي أنها أدت هذه الأغنية ، قبل التهمة التي ألصقت بها ، و صدور قرار منعها من دخول مصر ، ومع ذلك فقد كان من المستغرب أن يتضمن النص كلمة ” متهومة ” ، وهي كلمة غير متداولة في نصوص الأغاني ، ما جعل الاغنية وكأنها تتوقع ما سيحصل لها!
أما جملة ” حقوقي ضايعة ومهضومة ” ، وهي جملة نادرة التداول في نصوص الأغاني أيضاً ، فيمكن التوقف عندها من مدخل آخر ، إذ أن سعاد مولودة لأب مصري ، ويحق لها الحصول على الجنسية المصرية ، ولعلها طلبت الحصول على الجنسية ، عندما قدمت إلى مصر لتصوير فيلمها الأول ، ثم ضاع الطلب بين مكاتب الوزارات المعنية ، فورد ذلك في نص الأغنية!

اللحن .. بين التعبير والطرب
بني اللحن على مقام البيات الشجي ، و حفل ، في مشهده الأول ، بالتخافضات اللحنية ، المعبرة عن مشاعر التحسر الطاغية أمام الواقع الظالم الذي تعيشه ، ويمكن هنا التوقف عند التعبير الآسر ، في أدائها لكلمة ” مليانة ” ، أو ” دمع عيوني ” ، حيث ينبض الأداء بالحرقة والألم .
يتصاعد اللحن تدريجياً في المشهدين التاليين ، مع نمو مشاعر الاستنكار أمام الظلم ، فيعبر في المشهد الثاني ، أولاً ، عن التضاد بين نظرة الناس إلى الفنان الذي يعيش في نعيم ، وواقع حياته ، من خلال اعتماد مقام البيات الشوري ، مع استمرار سيطرة الأداء المعبر ، ليتصاعد اللحن أكثر ، عند المقارنة بين حياتها وحياة الطير المغرد ، كما هي تغرد ، ولكنها أسيرة الحرمان ، فيما يعيش الطير في حرية وأمان ، حيث بني اللحن على مقام الماهور ، وهو من فصيلة مقام الراست ، ولكنه يعمل فيه في الطبقات الحادة ، ونلاحظ أن محمد محسن نجح هنا  في تحقيق التوافق بين التعبير ، ثنائي الأبعاد ، والتطريب ، فمنطقة الأصوات الحادة تسمح بالتعبير عن غناء الطير ، و تؤمن أيضاً التطريب اللازم في ختامات الأغاني ، لتحقيق الذروة اللحنية ، إذ أن هذا التصاعد اللحني ، يحرض استجابة الجمهور ، الذي يخرج عن الجو الحزين المسيطر منذ بداية الأغنية ، ليدخل في حالة من الطرب المتوهج ، قبل اختتام المشهد الأخير عند ” أما أنا أنا شفت الضنا ” بعودة عبر مقام البيات الشوري العاطفي ، وبتخافض لحني معبر عن التحسر ، في ختام سريع يضمن استمرار موجة الطرب الآسرة.

الأغنية المنشورة من تسجيلات التلفزيون السوري

نص الأغنية:

مظلومة ياناس مظلومة وبريئة ولكن متهومة

مظلومة وكاسي مليانة من دمع عيوني وحيرانة
قضيت شبابي غلبانة لا رحمة ولا أم حنونة
محسودة ليه ما تقولوا على ايه وحقوقي ضايعة ومهضومة
مظلومة يا ناس مظلومة

عايشة في نعيم في عيون الناس والقلب بيشعلل ناره
واللي بحبه شرب الكاس وذاق عذابه ومراره
وبكيت عينيه ياحسرة عليه
والفرحة وياه محرومة وحقوقي ضايعة ومهضومة
مظلومة يا ناس مظلومة

الطير يغني يغني يغني على غصنه
عايش بأمان وحرية والنسمة بتردد لحنه
أنغام جميلة وشجية
أما أنا أنا شفت الضنا
طول عمري عايشة محرومة
مظلومة يا ناس مظلومة.

د. سعد الله آغا القلعة

Tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.