سمات الموسيقا العربية وآفاق تطويرها

شعار كتاب الأغاني الثاني

بحث مقدم إلى مؤتمر القاهرة للموسيقا العربية المنعقد في 13/11/1993 ضمن محور : مستقبل الموسيقا العربية

الحديث عن سمات الموسيقا العربية حديث بديهي لا يدخل في التخطيط له أي شك أو حذر، وقد لا تختلف النتيجة بين متحدث وآخر ،  بينما يقدم الباحث على الحديث في آفاق تطويرها حذراً وجلا،ً.. فكيف نطور موسيقانا ؟ وأيضاً.. لماذا نطورها أصلاً والتطوير والتحديث يفتح عادة آفاق واسعة لا يمكن فيها لناقد أن يحد من الحرية ولا يمكن لباحث أن يتصور إلى أي مدى يمكن أن يذهب  بعيداً عن الأصالة والجذور ، ثم هل يحقق الحفاظ على التراث وتقديمه كما كان ، الإجماع الحقيقي؟ وقد فطر الإنسان على حب التغيير! بل ولعله الكائن الوحيد الذي يتميز على غيره بالسعي للتغيير إن كان في مظهره أو في الجوهر ..
ثم ما هي الغاية من الموسيقى حتى نحدثها أو لا نحدثها ؟ أليس مخاطبة الحس والعقل والغريزة في الإنسان ؟  فمن الموسيقا ما يخاطب الغريزة عبر الإيقاع السريع  ، ومنها ما يخاطب الحس عبر المقام الموسيقي واللحن الأصيل ، ومنها ما يخاطب العقل عبر التعبير والبناء اللحني.
أليست الرغبة في التحديث أصلاً  ناتجة عن زيادة دور العقل في حياة الإنسان ، بعد أن عمت الثقافة والوعي ، وقد كان العقل في الغناء العربي مرتبطاً بالكلمة المغناة أكثر من الجملة اللحنية ،  فانخفض مستواها لدرجة أن الإنسان العربي بات يبحث عن أي مضمون في الغناء العربي المعاصر فلا يجد!

نقطة جديدة .. ألم تتحول موسيقانا الأصلية باسم التطوير من موسيقا تقليدية أساسها الموشح والدور والقصيدة ، إلى موسيقا وأغاني منوعات ، أساسها الجملة اللحنية المكرورة ، والكلمة الهابطة ، و الإيقاع السريع الراقص؟  ألم يحدث ذلك باسم التطوير والتحديث،  في البداية عبر دخول غير منظم للآلات الغربية ، وتقليص واضح لدور الآلة الشرقية ، والإيقاعات المركبة  ، والقدرة الصوتية والمقام الموسيقي ؟

إذاً ، قد يكون التطوير أساساً مزلقاً يجدر ألا نقع فيه ، بل علينا أن ننظر فيه بهدوء ، وأن نبحث عن الطريق إليه بحذر . علينا أن نسعى لربطه بجذور موسيقانا كي لا يصبح وليدا،ً غريباً  في أرضه ،  أو أن يسيطر فيذهب بموسيقانا الأصيلة إلى غياهب النسيان.

من هنا كان الحديث في الأصالة و المعاصرة إشكالياً ،  ومن هنا كانت ضرورة التنبيه إلى خطورة عملية التحديث ، إن لم تكن مدروسة بوعي و علم ودراسة للمجتمع الذي سيحتويها.  ومن أجل أن تكون عملية التطوير والتحديث  صحيحة ، وهي كما رأينا ضرورة حياتية في الإنسان ،  ليطبع عصره بطابعه كلما تطور العصر، فلا بد من الانطلاق من السمات الصحيحة للموسيقى العربية لا السمات الصحيحة لأي موسيقا أخرى ،  والتفحص في هذه السمات ، دراستها ، البحث عن معالم فيها لم تظهر لنا من قبل ،  ومن ثم السعي للتعامل مع هذه السمات عبر الأدوات العلمية المتاحة.
يمكن أن نستعين بما شئنا من أدوات البحث ولكن انطلاقا من الإحساس بالتواصل مع السمات الحقيقية ونحن نقوم بعملية التحديث هذه.

كيف نقوم بكل هذا ، لنضمن مستقبلاً  ناصعاً لموسيقانا ؟

لنعد أولاً إلى سمات الموسيقى العربية ، لأنها منطلقنا إلى تحديد طريق المستقبل .لابد من العودة إلى بدايات الغناء العربي كما جاء مرتبطاً باللغة العربية . طبعا،ً لن أنسى الإشارة هنا إلى جذور الغناء العربي القديمة ، والتي تأصلت عبر حضارات عربية قديمة سكنت بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام ومصر واليمن ،  وساهمت في بناء الجملة اللحنية في أشكالها الأولى،  وفي إرساء دعائم صنعة المقام في الموسيقى العربية ، وإعطاء الحضارة اليونانية العديد من السمات التي استندت إليها تلك الحضارة في تقديم أبحاثها في الموسيقى لنا ، ولكن مع ذلك لنحدد البداية التي سنعتمدها في هذه الدراسة ، إنها بداية الغناء العربي.

 أول سمة من سمات الموسيقى العربية أنها غنائية . وهي ظاهرة موجودة في موسيقات الشرق جميعها بنسب متفاوتة ، ولكن الفرق بين الموسيقا العربية وبين موسيقات الشرق الأخرى ، أنها ارتبطت باللغة العربية ، وبتحديد أكثر بالشعر العربي ، ذي الإيقاعات المركبة والقوافي المتكررة . لن ندخل هنا في طبيعة العلاقة بين الشعر والموسيقى ، وكيف حرض الغناء نشوء صورة جديدة للشعر غير الصورة التقليدية التي كانت تعتمد على بناء معين ( وهنا أؤكد على كلمة بناء ) يبدأ بالوقوف على الأطلال ، وبكاء الدمن ، ودعوة الصحب للوقوف على الأطلال ، ومن ثم الوصول إلى المديح أو الهجاء. كل هذا كان عبارة عن بناء معين للقصيدة التقليدية ، بالإضافة إلى عناصر الشكل الأخرى ، كالبحور الشعرية وتسلسل القوافي . الغناء بدأ عبر استعمال بضعة أبيات من الشعر التقليدي ، و تلحينها لتنشأ صورة غنائية جديدة للشعر ، تحاول التكيف مع أغراض الغناء السائدة في تلك الفترة ، وأساسها الغزل ، حيث اتسم الشعر الغنائي بسرعة الأوزان ، وزيادة نسبة الأحرف الصوتية فيه ، حتى أن الفارابي قال بإن الشعر الغنائي هو ما زادت نسبة الأحرف الصوتية فيه عن الثلث، ومع ذلك فالبناء اللحني لم يكن واضحاً:  اللحن يمتد على بيت واحد ،  ويتكرر إلى أن جاء ابن محرز ، وطور ذلك إلى بيتين.

مع الوقتتطورت مكانة الغناء ، ولا شك في أن عرب الحجاز قدموا الشعر العربي ، ولاشك في أن عرب الأقطار الأخرى : الجنوبية كاليمن ، والشمالية كالعراق وسورية ومصر ، قدموا اللحن وأساليبه ، نظراً للتطور الذي عاشه عرب تلك المناطق ، ولتطور الصنعة عندهم ، ولتفاعلهم مع الحضارات العظيمة المجاورة لهم في تلك الفترة : بيزنطة و فارس .

من ارتباط تلك الموسيقى بالشعر تكوَّن الغناء العربي . هذا الارتباط بالشعر فرض على الجملة اللحنية سمات معينة خاصة ، تمثلت مثلاً  في أن العرب لم تكن تقبل لفظ الحروف في غير أزمنتها الواردة في اللغة العربية ، مما نتج عنه أن اتسمت الجملة اللحنية بالقصر ، والتماثل حين التكرار ، لارتباطها بكلمة أو جملة أو شطرة متكررة من بيت شعري ، كما اتسمت بتلاصق الأصوات نظراً لأنها كانت غنائية ، ونستطيع أن نتصور الانتقالات الصوتية المفاجئة لم تكن معروفة تماماً  في تلك الأيام.

 واتسمت الجملة اللحنية بالإيقاعية .. فالشعر العربي له إيقاع خاص ، والعرب كانت تطرب للإيقاع فيه ، ولذا كان لا بد من أن يكون الغناء العربي في غالبيته موقعاً ،  وإن كان هذا الموضوع يحقق مجالاً خاصاً للبحث ، فالإيقاع الشعري إيقاع مفصل دوماً ، أي أنه لا يمكن تتابع ساكن ومتحرك فيه بشكل متكرر ، أما الإيقاع الموسيقي فهو إيقاع مفصل أو موصل ، حيث يمكن للإيقاع أن يحتوي على نبض ضعيف ونبض قوي متكررين ، على شكل يخالف شكل الإيقاع الشعري.

من هنا نشأ الفراق بين الموسيقا والشعر إيقاعياً ، فظهر الغناء المتقن ، الذي إيقاع اللحن فيه لا يعتمد إيقاع الشعر ، بل إيقاعه إيقاع موسيقي مختلف مع المحافظة على أزمنة مدود الحروف ، وتطور الأمر بشيوع اللحن في اللفظ ومد الحروف أثناء الغناء ، فوصل الأمر بالأندلس إلى وضع الإيقاع الموسيقي أولاً  ثم صياغة الكلمات الموافقة له !

وشاع الارتجال في الغناء ، مثلما الشعر الذي كان يرتجل دائماً في العهود الأولى : الجاهلية وصدر الإسلام  ، إلى أن شاعت البديهة فالروية ، ومثلما كان الشاعر يرتجل أحياناً ، عبر التغني ببعض الشعر المعروف على إيقاع وقافية ما ، ثم يبدأ الارتجال محرضاً ،  بهذا الشعر، فإننا نرى الارتجال في أيامنا هذه يحرض في البداية ، وبنفس الأسلوب ، ببعض الجمل المعروفة ، ثم إما أن يبدأ الارتجال الحقيقي محرضاً ،  أو ينتهي الأمر ببعض الجمل المعروفة فقط .  ومثلما نجد الشعراء يرتجلون في النقائص على نفس البحر والقافية ، فإننا ترى الارتجال مشتركاً بين مطرب و عازف قانون، انه دائماً الأسلوب الغنائي ذاته ،الذي يسمح بتحديد سمات الموسيقى العربية كاملة.

وباختصار و بدون الدخول في تفاصيل إضافية نستطيع أن نقول أنه يمكن تلخيص سمات الموسيقا العربية الأساسية فيما يلي:

  • الارتباط بالشعر وبالتالي: الغنائية .وبالتالي تلاصق الأصوات .
  • الارتباط بالشعر وبالتالي: الإيقاعية مع الإشارة إلى إمكانيات تطور الإيقاع الموسيقي عبر تركيبات رياضية شرحها الفارابي ولم يسايرها الشعر.
  •  الارتباط بالشعر و بالتالي: تماثل الجملة اللحنية حين تكرار الإيقاع أو البحر الشعري أو التفعيلة .
  • الارتباط بالشعر وبالتالي: الارتجال ,مع الإشارة إلى قدم الارتجال كحاجة موسيقية مباشرة .
  • المقامية أي الارتباط بالمقام الموسيقي وتأثيرات المقامات المختلفة حيث يتشكل المقام الموسيقي من تركيب  أجناس موسيقية بنفس الأسلوب الذي يتشكل فيه البحر الشعري من التفعيلات.
  • شكل البناء اللحني يحقق التناوب ويمكن ربط هذا الشكل بالموشحات وتناوب الأبيات والأقفال . (لاحظ أن شكل التناوب اللحني يتجسد في معظم أشكال التلحين كالطقطوقة والقد والموشح ….)
  • البناء المركب عبر النوبة والوصلة حيث تتسارع الإيقاعات وتتزايد حدة الأصوات حسب مراسيم زرياب .
  • استعمال سلم موسيقي طبيعي يحفل بالأصوات الموسيقية المقامية تعتمد كثرة الأصوات المتاحة لتركيب مختلفة لدرجة وصول عدد المقامات إلى المئات .
  • ترك مهمة المضمون للكلمة المغناة وإن كان الفارابي يشير إلى ما سماه الموسيقى المخيلة أي المثيرة للخيال بمعزل عن المغناة دون أن نجد أي إشارة إلى الأسلوب اللازم لتطبيقها ..
  • استعمال البو ليفوني أو توافق الألحان وهناك إشارات كثيرة إلى ذلك عبر كتابات المؤلفين كالفارابي وابن سينا وابن زيلة بالإضافة إلى إشارات كتاب الأغاني وخاصة في حالة ابن جامع الذي كان بمصاحبة جارية له لحنين مختلفين ومتوافقين في نفس الوقت , إلى أن طقوس الإنشاد الديني والأذكار تحفل بشواهد ناصعة على توافق الألحان بشكل فطري مما يضفي على تلك الطقوس مهابة وجلالا،ً من روعتها.
  • عدم اللجوء إلى التدوين إلا في إطار الخطوط العامة للحن،ً للتخوف من تسطيح اللحن عبر تدوينه .
  • تصنيف المقامات الموسيقية حسب تأثيرها في المستمع حارة.. باردة ..محزنة.. مفرحة..واستخدام تأثيرها في معالجة الأمراض النفسية والفيزيولوجية .
  • سكونية التطور فالملاحظ أن ما عرضه كتاب الأغاني قد لا يختلف كثيرا،ً عن الخلايا اللحنية للقصائد التي غنتها أم كلثوم (إلا في حدود البناء الجديد والتعبيرية في الألحان والتسامح في مد الأحرف أثناء الغناء).
  • الارتباط بأشكال الفن الأخرى (الزخرفة والرقش والخط العربي) و تحقيق نفس الأساسيات في الإيقاع والتكرار والتماثل …ويجب أن نقرر على كل حال أن كافة السمات المعروضة حققت عبر التفاعل بين مختلف أشكال الفنون العربية الإسلامية والفنون السائدة لدى العرب في فترات سابقة.

بعد هذا الاستعراض السريع نصل إلى ما أسميناه التطوير أو التحديث .

غالباً عندما يتم الحديث عن التطوير ، تتجه الأنظار إلى نموذج موسيقي آخر وهو الموسيقا الغربية ، والتي تعتبر متطورة أكثر من موسيقانا ، ويبدأ المحدثون باستلهام أساليب تلك الموسيقا بشكل عشوائي غير هادف ، منطلق من دراستهم لتلك الموسيقا ، لدرجة أن أغلبهم يكون أحادي المعرفة الموسيقية، أي يكون دارساً للموسيقا الغربية فقط ، ويبدأ محاولات التطوير في موسيقانا التي هي موسيقاه أيضاً ،  دون النظر إلى طبيعة وسمات الموسيقا العربية ، ودون دراستها حتى!
ولكن هل يحق لنا استلهام الموسيقا الغربية هكذا لتحقيق مستقبل موسيقانا ؟ .. قبل أن نجيب ، لا بد من استعراض سماتها بشيء من الاختصار ، معتمدين في ذلك الموسيقا الكلاسيكية حصراً ،  ودون النظر إلى موسيقات المنوعات الغربية ، التي دخلت أيضاً موسيقانا ، تحت اسم التطوير ، فحولت جل غنائنا إلى غناء منوعات ، مشابه لغناء المنوعات فيها ، يسيطر بكثافة ، لدرجة أن ملامح مستقبل موسيقانا تظهر قاتمة تماماً ،  إن لم نتخلص من هذا النوع من الغناء وتأثيره السلبي على الذوق العام.

تمتاز الموسيقا الكلاسيكية بعدة سمات أهمها:

اللاغنائية فهي على عكس موسيقى الشرق لا ترتبط بالكلمة ، مما حقق انتشارها في أمم مختلفة اللغة في أوروبا. عدم الالتصاق بالكلمة في الموسيقا الغربية ، تسبب في طول الجملة ، وانخفاض نسبة تماثلها عن نسبتها في الموسيقا العربية ، كما أمكن كسر التلاصق في الأصوات ، لأن إمكانيات تنفيذ الآلات الموسيقية أكبر بكثير من إمكانيات الأصوات البشرية .

عدم الالتصاق بالكلمة سبب أيضا،ً اللاإيقاعية في أغلب أعمال الموسيقا الغربية الكلاسيكية ، مما مكن من إضفاء التعبير على الأعمال فغالباً ما يبعد الإيقاع إمكانيات التعبير الموسيقية عن أجواء جديدة ، والإيقاع يمكن أن يعبر عن بعض الحالات من الفرح أو الحزن ، دون أن يتمكن من التعبير عن الأجواء الإنسانية المعقدة أكثر .
وهنا يجب التمييز بين الموسيقا الإيقاعية والموسيقا المقاسة زمنياً ،  فأنا أقصد بالموسيقا الإيقاعية الموسيقا التي يظهر فيها نبض الإيقاع القوي و وتركيباته.

وغاب الارتجال في الموسيقا الغربية بفعل دخول التدوين وتأثيره الكامل ، بالإضافة إلى الهارموني (تآلف الأصوات) ، الذي هو عمل جماعي ، يلتزم فيه كل موسيقي بأداء دور معين ، متزامن مع أداء غيره ، والعمل الإبداعي هو مجمل ما يقوم به العازفون ، تحت قيادة قائد الأوركسترا ، الذي يحقق وحدة العمل الإبداعي .

وغابت شخصية المقام الموسيقي ودوره الواضح،  بسبب اختصار المقامات الموسيقية إلى اثنين فقط ، والاستعاضة عن ذلك بالهارموني للتعويض عن ذلك النقص ، كما غاب التناوب في البناء اللحني والقوالب ، حيث حلت الحركات في العمل السمفوني ، التي لا تتناوب في الإيقاع ولا تتسارع تدريجياً  ، كما رأينا في الموسيقا العربية .
بقي أن نضيف أن التطور في الموسيقا الغربية كان دوماً  على شكل طفرات ، أو مدارس ، لدرجة أن ما نصفه بالموسيقا الغربية لم يعد مطبقاً في الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة ، وأصبح تراثاً  أيضاً ،  يقوم الغرب بتطويره ، عبر نماذج بعيدة كل عن النموذج الذي نقوم بمناقشته .

وباختصار نستطيع أن نقول إن الموسيقا العربية امتازت بالارتباط بالكلمة ، وما ينتج عن ذلك من سمات طبعتها ، وخاصة في مجال الغنائية والإيقاعية والارتجال وارتباط المضمون بالكلمة المغناة وتماثل الجملة اللحنية وتلاصق الأصوات المغناة واعتماد التكرار والتناوب أساساً  للعمل الموسيقي ، ضمن فضاء مقام يختلف من مقام لآخر.

أما الموسيقا الغربية فقد شاع فيها سمات معاكسة تماما،ً لما رأينا تتضح في التنظيم الكامل للعمل الموسيقي والابتعاد عن الغنائية و الكلمة.

وهنا نصل إلى النقطة الرئيسية في البحث المعروض ..كيف نطور موسيقانا ؟ هل نتبع نموذج الموسيقى الغربية؟

عرضنا الإجابة بالنفي ، وهنا يطرح سؤال جديد :هل من نموذج يلائم موسيقانا أكثر لنحتذي حذوه؟ و هذا يقودنا إلى تساؤل آخر : هل لا بد من نموذج نحتذيه لنطور موسيقانا ؟ فنقلد الآخرين .. هل لا بد لنا دوماً من نموذج نقلده ؟ لا  بالطبع! من الممكن أن نستأنس بما قام به الآخرون من دراسات ، من منهج ،  من أدوات علمية للبحث ، ولكن الإبداع والتطور لابد أن يرتبط بجذوره كيلا يكون هجيناً غريباً في وطنه ، وكيلا تصبح الموسيقى المطورة موسيقا لا تحقق التواصل إلا مع مؤلفها فقط.
إذاً  كيف نطور موسيقانا ؟ سأحاول إعطاء إجابات قابلة للنقاش لأنها ليست مطلقة ، فدوماً كان الجديد عرضة للنقاش ، و الشك ، حتى الاتفاق على صحته و ملاءمته للمطلوب أم لا. 

1- الغناء:

أ – الكلمة:

  • بما أن المضمون أتى في الغناء العربي مجسداً  عبر الكلمة المغناة ،  التي مرت فيما مضى بعصور تخلف و تأطر ضمن إطار الغزل فقط ، بعيدة عن الأغراض الأخرى للغناء ، التي تعبر عن المعاناة الإنسانية بشتى معاييرها ، فإن دعوة الشعراء المجيدين و الجادين أصبحت ملحة ، للتعاطف مع الغناء وحاجته الموسيقية من خلال :
  1.  عرض مضامين جديدة تطرح هموم الإنسان العربي المعاصر في المستويين العام والخاص ،  على أن تكون القصة والحدث وتصارع الأحداث المروية هي أساس تلك المضامين ، وهنا يطيب لي أن أذكر بالمسرح الغنائي الذي لاشك في أنه سيحقق المدخل الأساس لهذه المضامين.
  2. مسايرة الشكل المطلوب موسيقياً  من أحرف مد تساعد على إطلاق الصوت واللحن بالنسبة الدنيا التي قررها الفارابي ، والتي هي الثلث ، والشكل المطلوب إيقاعياً  عبر إدخال تغييرات في القافية ، ضمن مقاطع لتساعد على دخول المضمون المقصود هنا باب الغناء الساحر . إن إغلاق الباب أمام الشعراء الحقيقيين ، سيجعل الكلمة تراوح في مكانها وهذا سيؤثر على الأغنية عموماً ، لأن اللحن لا يمكن أن يكون معبراً عن كلمة لا معنى لها .

ب – اللحن:

عندما يبدأ العمل الموسيقي مستنداً  إلى أساس من الكلمة المدروسة موسيقيا ً وموضوعاً ، فإن محاولة الملحن التعبير عن أجواء الكلمة لا شك سترفع بها إلى مصاف ملائمة مشاعر المستمع. فاختيار المقام الموسيقي يرتبط بالتأثيرات المطلوبة لجو الأغنية ، فإن كانت الكلمة حزينة اختير مقام الصبا ، وان كانت الكلمة فيها كبر واعتزاز مقام العجم،  دون أن يرتبط ذلك بالسلطنة اللحظية للحن. دون أن ننفي إمكانية التعبير عن هذه العواطف من خلال مقامات أخرى تتداخل فيها ديناميكية اللحن لتوليد الشعور بالعاطفة المعنية.
على الملحن أن يدرس الأجواء المتغيرة في الكلمة ، وتصارع الأحاسيس ضمن العمل الشعري ، فيحاول أن يمهد لذلك الصراع ، عبر تغيرات المقامات ، وعبر الانتقال من مقام لآخر ، بتمهيدات موسيقية معروفة لدى الملحنين المجيدين ، أما عندما يكون جو القصيدة أو الكلمة المغناة فيه يعبر عن مشاعر متشابكة قلقة ، غامضة ، فلا بد للملحن من اللجوء إلى مقامات معروفة تحقق ذلك ، أو البحث عن تركيبات جديدة للأجناس الموسيقية العربية ، لإحداث تركيبات مقامية جديدة ، تصدم المستمع و تحضره للجو العاصف ،  القلق ، الذي تتحدث عنه القصيدة / راجع في هذا الإطار نظريتي التي أتت بعنوان: الأجناس الموسيقية المتداخلة والمفتوحة : تطوير الأساس المقامي للموسيقى العربية/.

لم يعد بالإمكان افتراض أن يتَّبع العمل الغنائي الجديد قواعد اسحق الموصلي التي تطلب مطابقة الوزن الشعري مع الإيقاع ، مثلما لا نستطيع أن نعتبره مرتبطاً فقط بالحالة اللحظية التي يعيشها الملحن ، كما كان في بدايات القرن العشرين . العمل الغنائي هو عمل يقوم على أساس وضع مسبقاً وهو الكلمة ، التي أصبحت هي الأساس الذي يحدد جوهر العمل ، وأجواءه. وفي هذا الإطار أصبح على الملحن أن يدرس حجم القصيدة ، أن يعيشها ، مثلما المخرج الفنان الذي يدرس قصة الفيلم الذي سيخرجه ، يدرس الشخصيات ، يدرس الحوار ، يدرس خلفيات العمل، رموزه ، ثم يطلق للإخراج عنانه ، بعد دراسة طويلة ، وبعد معاناة طويلة ، ودراسات ومناقشات طويلة مع كاتب القصة. هذا الوضع يجب أن نجد له ملائما،ً ضمن العمل الموسيقي الغنائي،  حيث الملحن إذاًهو المخرج!

وهنا يأتي دور الموسيقيين والمطربة أو المطرب أو المجموعة الغنائية ،  في إيجاد طريقة يتعامل الموسيقي فيها مع اللحن ، ويعيشه ، ليس على طريقته الخاصة ، بل على طريقة المخرج ، الملحن. على الموسيقي أن يتعلم أداء التعبير الموسيقي ، وعلى المطرب أو المطربة أن يدرسا الكلمة ، أن يفهماها ،  أن يعتنيا بالتذوق واللفظ .  على الصوت أن يعيش جو الأغنية ،  معاناتها ، أن يتمثلها. لقد ذهب وقت الاعتماد على الصوت فقط ، لا بد من صوت قادر موسيقياً ، وقادر تعبيرياً . لا بد من أصوات لا تحد الملحن،  ولا تمنعه من اختيارات لحنية جديدة. المطرب الذي لا يؤدي إلا ما حفظه من الطفولة مطرب محدود، عليه أن يدرس ، عليه أن يتدرب، عليه أن يتمكن من  تنفيذ كافة الأجواء اللحنية التي يطلبها الملحن ،  وعليه أيضاً أن يكون مثقفاً  ثقافة عامة واسعة ، كي يدرك المعاني التي يسعى الكاتب والملحن إلى إظهارها.

2 – الموسيقا :

عندما يكون العمل موسيقيا،ً غير غنائي ، يصبح الأساس هو اللحن لا الكلمة ، والمؤلف الموسيقي هو المخرج الذي يعبر عبر أفكاره فقط ، عن المعاني و المضامين التي سيضمنها العمل الموسيقي الجديد .

هناك نوعان للتأليف الموسيقي:

  • التأليف الموسيقي الجمالي : حيث يكون المهم العمل الإبداعي الموسيقي بغض النظر عن المضمون الذي يمكن أن يعبر عنه. فيطلق المؤلف العنان لخياله ولعواطفه الجمالية ، دون أن تحده أي قيود . وهنا قد تأتي نقطة جديدة لم ندرسها قبلاً ، وهي القالب. ففي الأغنية كان القالب مفروضاً من الكلمة ، أما الآن فقد أصبح حراً . و هنا يمكن للمؤلف أن يلجأ لما يريد من القوالب ، الشرقية المتناوبة، أم الغربية المفتوحة غير المتناوبة .  المهم أن تكون  اللغة الموسيقية ، هي اللغة التي ألفتها الأذن العربية ، والمحققة كما رأينا في ذهنية المستمع ، والتي تتلخص في تماثل الجمل اللحنية وتلاصق الأصوات مع التسامح في اعتبار هذا أساساً  فقط للحن الأصلي ، ثم يتم إجراء التفاعلات عليه ، عبر الدخول في عوالم تقليص التماثل والتلاصق والتناوب ، واللجوء إلى اتساع الجملة اللحنية وتوظيف قدرات الآلات الموسيقية . هذه التفاعلات يجب أن تكون مدروسة حسب المقامات الشرقية المستعملة ، وتداخلات الأجناس فيها كما سبق وأشرت.  وهنا أشير إلى أنني أميل إلى البوليفوني ، وهو تآلف الألحان ، فمثلما تعودت الأذن الشرقية سماع اللحن الواحد ، يمكن لها أن تعتاد على سماع لحنين متوافقين آنياً ، ولكن ليس لأول مرة . لنترك اللحن الأصلي ينساب أولاً ،  فيتركز في ذهنية المستمع ، ثم نلجأ إلى التفاعلات البوليفونية ، لكي نبرز جماليات لم تظهرها الألحان المقامية اللحنية الواحدة . وفي الواقع ، عندما يكون اللحن بوليفونياً فإنه يتآلف في الموسيقا العربية بشكل متميز ، مهما كان المقام المستعمل ، لأن الأذن الشرقية( تسلطن) على كل لحن على حدة ، وعلى الإثنين معاً دون أي تعارض ، و هناك تجارب كثيرة في المجال.

هناك نقطة تجدر الإشارة إليها ، وهي أن الاصطحاب والترعيد والترهيج ، مرادفات للهارموني و البوليفوني ، استعملت لدى العرب ، ومنه أذكر حادثة ابن جامع وتلميذته ، عندما غنيا كل منهما بلحن مختلف ، وفي آن واحد ، كما روى كتاب الأغاني ،  كما أن هناك تجارب واضحة لسيد درويش ومحمد عبد الوهاب في هذا المجال.

إذاً  في العمل الموسيقي الجمالي ، ارتباط بالأصالة الشرقية ، وتفاعل بوليفوني ممكن ، مع بقاء كل ما ذكر حول دور المؤلف الموسيقي في الإخراج والفرقة الموسيقية في الأداء كما سبق و ذكرنا في حالة الغناء.

  • الموسيقى ذات المضمون والموسيقى المرتبطة بالتعبير عن حدث ما : هنا تقصر الموسيقا عن التعبير عن كل العواطف الإنسانية المتشابكة ،  إن لم نلجأ لدراسة مستفيضة للمقامات الموسيقية ، والأجناس الموسيقية ، وتركيباتها الممكنة ، و تداخلاتها التي تفتح فعلاً آفاقاً هائلة أمام التلحين المقامي ، للدخول في مجال التعبير الصوتي اللاهارموني. هذه التداخلات التي تعتمد مبدأ التفكيك و إعادة التركيب ، هي أساس الحداثة في مجمل فنون الإنسان ، حيث نستطيع أن نفكك الجملة اللحنية ، والتركيبات المقامية التي فرضها ارتباط الموسيقا العربية بالكلمة و الشعر ، و ندخل في أجواء حرة مفتوحة ، لا حدود فيها لطول الجملة اللحنية ولا للتداخلات الممكنة للأجناس الموسيقية.

إذاً يبقى كل ما ذكرت صحيحاً  في فقرة الموسيقا الجمالية ، مع الإشارة إلى ضرورة استعمال نظرية الأجناس المتداخلة التي سبق و عرضتها أمام مؤتمر القاهرة في عام 1992 .

  • الارتجال: ينبغي ألا تنسينا الحداثة المطلوبة الغنى الكبير الذي تستند إليه موسيقانا في موضوع الارتجال ، آلية الارتجال القديمة كانت تستند إلى قاعدة متينة من المعرفة بالمقامات الشرقية ، وأصول إظهار كل منها ، وأساليب التنقل بينها و تصويرها على مقامات مختلفة . اليوم يمكن للارتجال أن يستند إلى قاعدة مماثلة ، ولكن ليس فقط من هذا الباب ، بل من ارتباط كل مقام بآلية تأثير مختلفة ، بالإضافة إلى قاعدة عريضة من المعرفة بالتداخلات الجديدة و المقامات الجديدة المعتمدة على مبدأ التفكيك و التركيب ، فالارتجال يبقى دوماً حوارا ً بين الموسيقي و المستمع ، لأن الحوار مباشر لا ضياع فيه عبر التدوين و أداء الفرقة . و مع ذلك فلكي يكون الحوار متصلا ً و حقيقيا ً ، فإنه يجب أن يعبر عن حقيقة الإنسان المعاصر ، الذي أصبح معقد العواطف متشابك الأحاسيس مشبعاً بالقلق والمعاناة و الوحدة ، في عالم كله مادة وسرعة و صخب!

وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية الثقافة الموسيقية للجمهور،  في حسن اتصال الحوار بين الموسيقي والمستمع ، فنحن نلاحظ كموسيقيين ، أن المستمع القديم كان يطرب للحركة المفاجئة والانتقال المفاجىء بين المقامات الموسيقية ، وذلك نابع من معرفته بما يجري ، بينما أصبح جمهور هذه الأيام لا يطرب إلا للمتكرر ، حتى أن كبار المطربين أمثال محمد عبد الوهاب وصباح فخري وغيرهم ، ابتدعوا ظاهرة القصيدة الملحنة والموال الملحن!
لن يكون الحل هنا إلاّ بتقوية الدروس الموسيقية في المدارس ،وتوجيهها إلى التذوق الموسيقي العربي.

 4 – التعليم الموسيقي المتخصص :أين يمكن أن تطبق متطلبات تحقيق مستقبل حقيقي للموسيقا العربية ؟ أين يمكن أن يطلع عازف على القواعد التي سيضمنها ارتجالاته على الأسلوب القديم المختص بالطرب ،  أم الجديد المختص بالتعبير؟  أين يمكن أن يدرس ملحن ناشىء نظريات تداخل الأجناس والتراكيب المقامية الناشئة عنها؟ أين يمكن أن يطلع مطرب على الأصوات وأساليب الغناء المطرب و المعبر ؟ وأين يمكن أن يدرس ملحن الشعر والكلمة و تذوقهما؟ أسئلة سؤال تطرح نفسها ، و نحن نطالب الموسيقي و الملحن و المطرب بالتطوير!
أنا أسأل نفسي : أين يتعلم عازفوا القانون الجدد أو عازفوا العود ؟ إنها موهبة أثبتت نفسها ولا شك ، ولكنها تبقى براعم ، والمواهب وهج يلمع وينطفئ إن لم نحطها بالرعاية. فلا مجال لاستمرارية العطاء إلاّ من خلال مؤسسات ترعى كل هذه المواهب ، و تقدم لها العلم و المعرفة ، و تدعمها في طريق إمكانية تقديم فنونها في أمكنة نظيفة تحترم الفن و تقدسه ، و إلا فهل الموسيقا إلاّ مرافقة لمجالس اللهو ؟
لابد للمواقع المرتبطة بالموسيقا الجادة،  من أن تؤمن للعاملين في هذا المجال عيشاً كريماً كي لا تجتذبهم إغراءات الموسيقا المسيطرة.

5 – نقاط أخرى:

  •   نلاحظ أخيرا،ً عودة الفرق الجماعية إلى تقديم أشكال الغناء الفردي. أعتقد أن مستقبل الموسيقا العربية سوف يشهد تطورا،ً للطريقين : الغناء الجماعي والغناء الفردي ، ولكن هذا لابد من أن يتم خلال المسرح الغنائي القادر على احتواء الشكلين بما يضمن تكاملهما.
  • لابد من دعم التجريب ، فنحن عندما نستعرض تجربة سيد درويش في تجريبه لمسرحة الموسيقا العربية ، وتغييره لصيغة المطرب الملحن ، التي كانت سائدة ، إلى صيغة الملحن المؤدي التي تلت ، ونجاحه في تحقيق المسرحية عبر العديد من العناصر ، فإننا  لابد من أن نتذكر أن المسرح الغنائي نفسه كان يفتح له المجال لذلك ،  وأن الجمهور كان بتشجيعه يؤمن استمرارية هذه التوجهات.
  • لابد من تقوية النقد التحليلي للموسيقا العربية ،  لكي تستطيع أن تحقق  ثقافة جماهيرية واسعة ، وتساهم في رفع سوية الذوق العام ، وبخاصة من خلال إصدار المجلات الموسيقية المتخصصة ، وكذلك البرامج الموسيقية الإذاعية والتلفزيونية ، المعتمدة على شرح أساليب التذوق الموسيقي.

وبالنتيجة فإن تحقيق مستقبل مشرق للموسيقا العربية لا يكون بالانقطاع عن الجذور ،  ولا يكون بإغلاق الآذان والأعين عما قامت به شعوب أخرى في مجال تطوير موسيقاها . التطوير لا يكون إلا بالاستناد إلى سمات الموسيقا العربية الأصيلة ، وعبر الانطلاق منها ، و التسلح بالثقافة و العلم والصقل ، عبر المعاهد الموسيقية المتخصصة ، التي تجمع بين أساتذتها أساتذة التراث وأساتذة التجريب ، وتأمين المواقع التي يقدم فيها الفن النظيف ، و السعي لأن لا يكون التطوير نبتة غريبة في مجتمع شرقي أصيل يسعى للمحافظة على هويته و قوميته.
عبر كل هذا يمكن أن نقول إن التطوير ممكن ، لا بل ضروري ، شئنا أم أبينا ، و لكنه تطوير مدروس ، لا يؤدي بموسيقانا إلى تقليد منوعات الغرب ، أو موسيقاه التقليدية ، ولا يؤدي بنا إلى رفض مخاطبة الحس ، و الاتجاه فقط إلى مخاطبة العقل ، فالإنسان نفس و حس و عقل و غريزة، وعلى الموسيقا أن تخاطب كل هذه العناصر الإنسانية ، كل في وقته ،وكل حسب أسلوب خاص ، يرقى بالموسيقا لتكون لغة الإنسان الحقيقية ، لغة العواطف المشاعر و العقل.

د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *