• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

المعالجة بالموسيقى عند العرب : نظرية متكاملة ذات أساس نظري و أساليب تطبيقية واضحة منذ القرن التاسع فيما لا يزال الغرب يعتمد التجريب!

شعار كتاب الأغاني الثانيعرضٌ موجز للنظرية العامة التي وضعها الكندي وطورها الموسوعيون العرب ،  لمعالجة الجسم البشري المريض بالموسيقى ، وذلك استناداً إلى أدوات زمانهم المعرفية ، التي ساعدتهم ،  إضافة إلى تجاربهم الشخصية ،  على فهمٍ معينٍ لآلية تأثير الألحان على الإنسان .

صورة متخيلة للكندي يفحص مريضاً

 خُلق الإنسان في عالمٍ متغير متحرك ، الليل يتلوه نهار ، والشتاء يتلوه ربيعٌ وصيف  ، والحرارة يتلوها رطوبة  ، والحزن يتلوه فرح ، فتفاعل الإنسان مع عالمه ، أحب التغيير ، في مظهره ، وأحس بالتغير في مزاجه وسلوكه وعواطفه ، بين يوم وآخر ، وفصل وآخر ، وعام وآخر.
ولكن ،  ما الذي يتحكم في هذا التغير ؟ هل هو الكون المتحرك أبداً ؟  الأرض تدور في محبة وشغف حول الشمس أساس الحياة عليها ، والكواكب تدور حول الشمس أيضاً ، تنازع الأرض محبتها ..  ينشط الإنسان صباحاً ، وينزع ، إذ يحل الليل ، إلى هدوء بعد حركة ،  وإلى حب بعد غضب .. وما هي طبيعة تأثير الموسيقا ؟ التي لها هذا السحر , فتغير حياة الإنسان مثلما تغيرها حركة ذلك الكون ؟ تحمِّسه حيناً ، وتجعله يهدأ أحياناً بعد ثورة ، ويفرح بعد ألم، ويحزن بعد أمل، وينام بعد يقظة، ويبكي بعد جبروت.

هل تأثرُ الإنسان بالموسيقا، حتى الخروج عن المتداول ، له علاقة بالكون المتحرك أبداً ? أي بالزمن , أم يتعلق فقط بانسجام الأصوات الموسيقية التي يسمعها ? أم له علاقة بالعناصر التي تؤلف جسمه ? وهل يختلف تأثير الموسيقا على الإنسان السوي المتوازن ، عنه في حالة الإنسان المريض المختل?

هذه الأسئلة، وأخرى كثيرة ، كانت تدور في أذهان الفلاسفة والمفكرين منذ أقدم العصور ، وكانت تطرح إجابات ، هي في حد ذاتها أسئلة جديدة , فالإنسان البدائي استخدم الرقص والغناء لطرد الأرواح الشريرة التي كانت تسكن أجساد المرضى , واليونانيون القدماء اعتبروا الموسيقا وسيلةً فعالة لشفاء الأمراض ، وتبعهم في ذلك الرومان.. ولازالت تلك الأفكار سائدة إلى اليوم ، بل إن منتصف القرن العشرين حقق اعتماد الموسيقا كوسيلة فعالة في معالجة الأمراض النفسية والعصبية والجسمانية، بحيث أصبح هذا الموضوع يُدرَّس في العديد من الجامعات في العالم، وإن كان لا يزال يعتمد على التجربة ، دون أن يكون هناك قواعد علمية واضحة ، تفسر آلية تأثير الموسيقا على المستمع ، السوي أو المريض، وتضع أسس استخدام ذلك التأثير في المعالجة.

1-  العلوم الأربعة الأساس عند اليونان:

في عام 580 ق.م. , وُلد فيثاغورث صاحب أول نظرية تربط بين الكون وحركته وعناصره والموسيقا والإنسان .  وظّف فيثاغورث هذه النظرية في محاولة لفهم الكون البعيد ، عبر فهم الإنسان والموسيقا القريبين.

قال فيثاغورث: ” إن الأعداد هي جوهر هذا العالم المتغير، ومعرفة نسبها المتوافقة تمكِّن من تفسير كافة مظاهر الحياة, وبما أن الكون جميل، وحركته تؤثر في الإنسان ،وبما أن الموسيقا جميلة وتؤثر في الإنسان،فإن نسب الأعداد التي تحكم الموسيقا لاشك تحكم حركة هذا الكون،ولاشك أن كل كوكب يدور(حول الأرض حسب اعتقاده) ، يبعث موسيقاه التي تنسجم مع موسيقا الكواكب الأخرى، لأن التباعدات بين الكواكب هي نفس التباعدات بين الأصوات الموسيقية”.

و هكذا وبسبب نظرية فيثاغورث , التي افترضت أن فهم الكون ( الفلك)  لابد من أن يتم عبر فهم الموسيقا , باستعمال أدوات الحساب والهندسة ، فقد صُنفت العلوم الأربعة الأساس اللازمة لفهم الكون على أنها: الحساب والفلك والهندسة .. والموسيقا.

2-  ماهية تأثير الموسيقا عند اليونان:

كما أسلفنا ، لاحظ الإنسان القديم أن الموسيقا لها تأثيرٌ ساحر وغامض على الإنسان ، وهذا واضح في نصوص الحضارات العربية القديمة،  والنصوص اليونانية، فها هو أفلاطون يعتبر الناي آلة موسيقية هامة في إحداث التأثير الأعظم على الإنسان ، وهاهو أرسطو  يميِّز بين السلالم ( المقامات ) الموسيقية وتأثيرها ، ولكن ذلك بقي دون أن يتمكن أحدٌ من وضع قاعدة تفسِّر ذلك التأثير ، بحيث بقيت آراء فلاسفة اليونان تشير إلى أهمية تأثير الموسيقا على الإنسان، دون أن تضع أنموذجاً لذلك التأثير يسمح باستخدامه ضمن منهج محدد .. ولكن الفكرة الأساس بقيت عالقة في الأذهان: فهم تأثير الموسيقا على الإنسان ، هو الطريق لتفسير مظاهر الحياة في هذا الكون.

3-  إشكالية اعتبار الموسيقا عند العرب كأحد العلوم الأربعة الأساس:

منذ بداية عصر الترجمة والتدوين ، اطلع العرب على اعتماد اليونان للموسيقا كأحد العلوم الأربعة الأساس، وسرعان ما اعترضتهم إشكالية كبيرة، فالعلوم الوافدة على اختلاف أنواعها تتشابه دراستها ، مهما اختلف الموقع الذي تتم فيه هذه الدراسة: الحساب تبقى قواعده متماثلة ، سواء كان اليونانيون هم الباحثون فيه أو العرب ، وكذلك الطب والهندسة والفلك والفلاحة وعلوم الهيئة والأرض..إلا الموسيقا ، فالآلات الموسيقية العربية مختلفة ، والسلم الموسيقي مختلف ، والإيقاعات مختلفة، والشعر العربي مختلف .. باختصار: اللغة الموسيقية العربية مختلفة تماماً عن لغة اليونان الموسيقية ، إلا ما تأثرت به الموسيقا اليونانية أصلاً من موسيقا سومر وأكّاد ، عندما استقت منها عناصر تطورها في بدايات الحضارة اليونانية.

وهكذا كانت الإشكالية : الموسيقا علمٌ من العلوم الأربعة الأساس ، ولا بد من فهم تأثيرها على الإنسان لتفسير الكون، ولكن هناك ضرورة قاطعة في الانطلاق من اللغة الموسيقية العربية السائدة لبناء العلم الموسيقي العربي ، ومن ثم استخدام القواعد الناتجة لفهم وتفسير الكون عبرها.

4- النظرية العامة للتأثير لدى الكندي

عاش أبو يوسف بن اسحق الكندي بين عام 800 وعام 866 ميلادية ، أي في ذروة عصر الترجمة والتدوين . اطلع الكندي على مجمل العلوم التي طُوِّرت إبان الحضارة اليونانية، وانتبه إلى أن الموسيقا تؤثر على المستمع المريض خصوصا، لكي تخفف من آلامه ، وتهدئ مزاجه . أراد الكندي أن يدخل أكثر في دراسة تأثير الموسيقا على الإنسان ، وبعد دراسة مستفيضة اعتمد فيها على أدوات عصره المعرفية ، طرح نظريته في آلية تأثير الموسيقا على الإنسان، والتي يمكن أن نسميها نظرية الحرارة ، وفق ما يلي:

يستند أساس نظرية الكندي إلى تغير الحرارة في هذا الكون المتحرك .. فحركة الكون ينتج عنها فصول أربعة: الخريف والشتاء والربيع والصيف، ويتميز كل فصل بتغير درجات الحرارة فيه عبر دورة معروفة ، يمكن أن نسميها الدورة السنوية، كما أن هناك دورة يومية مماثلة تتقاطع معها، تتغير فيها درجات الحرارة، من الظهر الحار إلى الفجر البارد، كما أن عناصر الكون الأربعة : الماء والتراب والهواء والنار ، تتدرج أيضاً في الحرارة، فالبرودة للماء والرطوبة للتراب والجفاف للهواء والحرارة للنار، ويقابل تلك العناصر أخلاط الجسم الأربعة : الدم أساسها والبلغم يجمده والصفراء تزيده والسوداء ترسبه ، وينتج عن هذه الأخلاط أمزجة أربعة تسيطر على جسم الإنسان، فالمزاج الصفراوي حار ، أما المزاج البلغمي فكسول ..

قابل الكندي أيضاً بين هذه العناصر وتطور عمر الإنسان ، فاعتبر الشبابَ العمر الأكثر حرارة  ، ويقابل عنصر النار، وقابل بنفس الطريقة بين الحداثة والهواء ، والكهولة والتراب ، والشيخوخة والماء ، ثم قام بالتوافق الأهم : الربط بين أوتار العود ونظريته الأساس ، فقال بأن أوتاره الأربعة تتدرج في تأثير سماع العزف عليها من الحرارة إلى البرودة ، فالوتر الأحدّ ( مكانه في الأسفل ) واسمه الزير يقابل النار في تأثيره، فيما افترض أن سماع الموسيقى لدى العزف على وتر البَمِّ ، وهو الوتر الأخفض ( مكانه في الأعلى ) ، يولد شعورا” بارداً مائياً.. ثم انتقل الكندي إلى الإيقاعات واختلاف تأثيرها حسب سرعتها ، فرتبها من الإيقاع الأسرع المؤثر تأثيراً نارياً ، إلى الإيقاع الأبطأ المؤثر تأثيراً مائياً كسولاً ( لاحظَ مثلاً أن المزاج البلغمي الكسول مرتبط بعنصر الماء).

العود بأربعة أوتار

اعتمد الكندي في تأريخه للزمن على الدورة السنوية للأبراج ، وعلى تطور الحرارة خلال الفترة الزمنية التي يقع فيها كل برج منها ، وافترض في تصنيفه للأبراج ، سواء كانت نارية أو ترابية أو هوائية أو مائية ، ارتباط كل برج بحرارة الفترة الزمنية التي يقع فيها ، دون أن يجعله يرتبط بالتصنيف التنجيمي للأبراج الذي شاع لاحقاً ، مستنداً في ذلك إلى أن كل برج يحدد موضعاً للأرض بالنسبة للشمس و لمجموعة النجوم ، مع كل ما يعنيه ذلك من تحديد للحرارة في تلك الفترة من السنة ، فمثلاً عندما نقول : نحن في برج الدلو ، فهذا يحدد فترة محددة ضمن مسار السنة ، تقع بين شهري كانون الثاني وشباط ، لو وقفنا خلالها عند مغيب الشمس في منطقةٍ ذات أفق بعيد ، ونظرنا إلى السماء ، في نفس النقطة التي يحدث فيها المغيب ، فإننا سنرى مجموعة النجوم التي تشكل برج الدلو ، ويستمر الوضع كذلك طيلة الفترة الزمنية لهذا البرج حتى انتهائها ، وبدء مرحلة البرج التالي زمنياً ، وهو برج الحوت ، واحتلال مجموعة النجوم الممثلة له ، لأفق المغيب ، وبالتالي فبرج الدلو يقع ، بالنسبة للكندي ، والموقع الذي كان يعيش فيه ، في الشتاء ، أي أنه  مائي التصنيف ، بينما هو في التصنيف المتداول ، برج هوائي.

نلخص نظرية الكندي في الجدول التالي:

الوترالإيقاعالعنصرالخلطالفصلالأبراجالفترة في اليومالعمر
الزيرالماخوريالنارالصفراءالصيفمن السرطان إلى العذراءمن الظهر إلى المغربالشباب
المثنىالثقيل الأول والثانيالهواءالدمالربيعمن الحمل إلى الجوزاءمن الفجر إلى الظهرالحداثة
المثلثالهزجالترابالسوداءالخريفمن الميزان إلى القوسمن المغرب إلى العِشاءالكهولة
البَمّالثقيل الممتدالماءالبلغمالشتاءمن الجدي إلى الحوتمن العِشاء إلى الفجرالشيخوخة

طرح الكندي ، استناداً إلى هذه الارتباطات ، التي اعتمدت على تغيرات الحرارة أساساً لفهم آلية تأثير الموسيقا على الإنسان ، مجالين للاستفادة من ذلك التأثير: الاستجابة (الطرب) ، والمعالجة.

افترض الكندي أن الاستجابة تتحقق ،  إذا استطاع الموسيقي أن يختار الوتر الملائم والإيقاع الملائم للمستمع، حسب اللحظة التي يتم فيها الاستماع ، وحسب عمره ، حيث يدور اللحن في طبقة موسيقية يحددها الوتر الذي يتم اختياره . أما في المعالجة ، فالاختيار ، حسب الكندي ، يتم حسب الخلل الذي يحدده الطبيب من زيادة أو نقصان أحد العناصر المحققة لتوازن جسم الإنسان ، وهنا يقوم الموسيقي بتعديل النسبة المختلة مثلما يقوم الطبيب المعالج بتعديلها عبر الدواء ، حيث يتم التعديل باختيار طبقة موسيقية وإيقاع ملائم ، كأن نسمع المريض المحموم عزفاً على وتر البم الأخفض ، وهو الوتر المائي في العود ، مع لحن مرسل ، مما يحقق , حسب نظرية الكندي ، تأثيراً مائياً رطباً لدى المستمع يساهم في تخفيض حرارته. لم يستطع الكندي أن يدخل أكثر في التوافق بين عناصر اللغة الموسيقية والطب ، لأنه عند حديثه عن المقامات الموسيقية، تحدث عن إمكانية أن يكون تأثيرها محزناً  أو مفرحاً  ، دون أن يستطيع إدخالها ضمن سياق النظرية العامة.

5-  إسهامات زرياب في تطوير النظرية العامة للكندي:

كان لابد للكندي من أن يتطرق في كتاباته إلى النفس ، كمكون أساس في الجسم الإنساني، متبعا” في ذلك النظرة السائدة للكون ،والتي يمكن تلخيصها وفق يلي:

يقسم الكون إلى قسمين رئيسين: ما تحت فلك القمر ، وما فوق فلك القمر، الأول مادي والثاني سماوي ؛ يشتمل العالم المادي على جميع الموجودات المادية، ومنها الإنسان الذي يتميز بالعقل الذي يجعله يرتفع إلى حدود العالم المادي ، وفيما تتركب جميع موجودات هذا العالم من العناصر الأربعة التي سبق ذكرها: النار والماء والهواء والتراب ، و يتكون العالم السماوي من الكواكب السيارة ، فإن الإنسان يشكل حلقة وسطى بين العالمين لأنه جسم مادي ، ولكنه يتميز أيضا” بالنفس المعبرة عن العقل والمخيلة والذاكرة.

لم يدمج الكندي مكون النفس في نظريته للمعالجة بالموسيقا ، فيما استطاع زرياب تحقيق ذلك، عبر إضافته الوتر الخامس إلى العود ، وأعتقد أنه أضاف أيضاً مساحة صوتية للعود ،لأنه جعله في منطقة متوسطة من الأوتار الأربعة ، للتعبير عن موقع النفس بين المكونات الأربعة للجسم البشري ، مع الحفاظ على التباعد الصوتي بين الأوتار.

6-  الفارابي :

لم يدلِ الفارابي بدلوه في هذا المجال بشكل واضح , رغم أن التاريخ حمل إلينا القصة الشهيرة  حول قدرته على التأثير على الحاضرين بالموسيقا ، سواء لتحريض الضحك أو النوم لديهم ؛ والواقع أنه تحدث مطولاً في كتابه الموسيقي الكبير عن تأثير الموسيقا على الإنسان ، دون أن يدخل في تفسير ماهية وآلية  ذلك التأثير ، معتمداً الفكر الرياضي في تشكيل المقامات والإيقاعات ، وإن كان أورد في كتابات أخرى بعض النصائح في الاستخدامات الأفضل للمقامات الموسيقية حسب الأوقات .

7-  صفي الدين الأرموي :

عاش صفي الدين الأرموي البغدادي في بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي، و سار في دراساته الموسيقية على نهج الفارابي، واعتمد الأسلوب الرياضي في تركيب الإيقاعات والمقامات الموسيقية. لم يتعرض الأرموي لتفسير آلية تأثير الموسيقا ، ولكن مساهماته في شرح أساليب تركيب المقامات الموسيقية ، ساعدت في فهم العلاقات الداخلية للخلايا اللحنية العربية.

8 – اسهامات ابن سينا وتطوير نظرية الكندي:

تمثل الإسهام الأساس لابن سينا ، في دمج المقامات الموسيقية ضمن النظرية العامة للكندي ، وإن كان قد استبعد المفهوم الزماني  للأبراج ، واعتمد التقسيم المتداول لها ، وفق ارتباط كل برج بأحد العناصر الأربعة الأساسية .

لابد لفهم هذا الموضوع ، من أن نعرض لشرح فكرة المقام الموسيقي:

ظهرت أولى محاولات ترتيب الأصوات الموسيقية في تسلسل ما لتحقيق تأثير مختلف في العصر العباسي ، على يد اسحق الموصلي ، بعد أن كان المغنون الذين سبقوه ، يستخدمون المقامات الموسيقية دون تسميتها بشكل واضح. أسمى اسحق المقامَ الموسيقي : المجرى ، وربط بين المجرى ودرجة استقراره ، فقال مثلاً : مطلق المثنى في مجرى الوسطى ( مقام النهاوند لاحقاً )  ، كما جاء في كتاب الأغاني .  اعتبر اسحق المجرى تسلسلاً مختاراً  لأصوات موسيقية ، يعتمد اختيارها على طبيعة أسلوب العزف على آلة العود، ولن ندخل هنا في تفاصيله لضيق المجال ، ثم حدد أن مجموعة الأصوات المحققة لمجرى معين،  تولد مقاماً جديداً إن تغيرت درجة الاستقرار، ولكنه لم يتعرض للعلاقة بين اختيار مقام ما والتأثير المتوقع على المستمع .

تطور أسلوب تعريف المقامات لاحقاً لتصبح مشكلة من عدد من الأجناس الموسيقية وفق ما يلي:

  • يتشكل الجنس موسيقي من تتابع معين لثلاثة أو أربعة أو خمسة أصوات موسيقية.
  • يتشكل المقام الموسيقي من تركيب ما من جنسين أو أكثر لتحقيق سبعة أصوات متتالية أو أكثر بتسلسل معين للأصوات.

سمي المقام الموسيقي كذلك ، ضمن نظرية التأثير الموسيقي ،  انطلاقاً من المعنى اللغوي للكلمة ، وبالتالي ، فالمقام هو الموضع الذي تحتله النفس ، عندما تستمع إلى لحن بني على الأصوات الموسيقية المشكلة لهذا المقام ، وبما أن تغيير درجة استقرار أي تتالٍ للأصوات الموسيقية ، يغير من تأثيرها حسب نظرية الكندي ، كان لابد من تسمية المقامات المتطابقة كتسلسل صوتي ، والمختلفة الاستقرار ، بأسماء مختلفة.

لابد هنا من أن نذكِّر بأن اصطلاح المقام يجد له مرادفا” في المغرب العربي تحت اسم : الطبع ، وهذا المصطلح يقترب أكثر ، بمعناه اللغوي ، من الارتباط بالمزاج ، والتأثير المختلف ، لدى الإنتقال من طبع إلى آخر.

تم أولاً استقراء تأثير الأجناس الموسيقية على الإنسان لدى سماعها، وصُنفت الأجناس حسب تأثيرها الحار أو البارد الهادئ.. وتم تركيب مقامات موسيقية متنوعة انطلاقاً من تلك الأجناس ، حتى بلغ عددها حوالي 365 مقاماً ،  يتوافق كلٌ منها مع يوم من أيام السنة ، ورتبت هذه المقامات حسب الأجناس المركِبة لها ترتيباً زمنياً مرتبطاً بتغير درجات حرارة التأثير ، وتغير فصول السنة ، كما رتبت بأسلوب متقاطع مع الدورة اليومية التي سبق الحديث عنها.

تم لاحقاً إعادة الارتباط بين المقامات ، كما سبق تعريف أسلوب تشكيلها ، والعناصر الأساسية الأربعة ، والأبراج ، وفق جداول وضعية ، خارج إطار فكرة الحرارة التي اعتمدها الكندي ، وذلك باعتماد تصنيف الأبراج ، وفق تصنيفها المتداول  ، نسبة للعناصر الأساسية الأربعة: النار والهواء والتراب والماء ، في خروج عن وحدة الفكرة التي جسدتها نظرية الكندي.

الجدول التالي يعطي فكرة عن علاقةٍ وضعية لبعض المقامات الموسيقية مع الأبراج ، وفق تقسيمها المتداول نسبة للعناصر الأساسية:

المقامالعنصرالبرج وفق التصنيف المتداول
راستالنارالحمل
عراقالترابالثور
أصفهانالهواءالجوزاء
زيرافكندالماءالسرطان
بزركالنارالأسد
زنكلاهالترابالسنبلة ( العذراء)
رهاويالهواءالميزان
حسينيالماءالعقرب
حجازالنارالقوس
بوسليكالترابالجدي
نواالهواءالدلو
عشاقالماءالحوت

كما تم وضع جداول أخرى لعلاقة المقامات بساعات النهار واختلافها.

يطيب لنا هنا أن نروي قصة اللقاء الأول بين الأستاذ محمد عبد الوهاب وعمر البطش الوشاح السوري الكبير. أراد عبد الوهاب إحراجه ، فسأله عن موشحات قديمة حفظتها حلب على مقام السيكاه الأصلي، وهو مقام نادر الإستعمال ، ومن المتوقع أنه لا توجد عليه موشحات. اعتذر البطش أن الساعة لا تلائم سماع هذا المقام، الذي يُفترض أن يُستمع إليه بين المغرب والعِشاء ، ووعد أن يكون ذلك في الغد وفي ساعة ملائمة لسماع المقام . في اليوم التالي أسمع البطش ضيفه ثلاثة موشحات على المقام المطلوب ، وأعجب عبد الوهاب بها أيما إعجاب ، ولكنه لم يكن يتوقع أبداً أن البطش لحنها في الليلة ذاتها. لقد تخلص البطش تخلصاً لبقاً ، وكان ذلك اعتماداً على الجداول التي تربط بين المقام والساعة الملائمة أكثر لسماعه.

ملاحظة: إذا عدنا إلى الجدولين أعلاه ، و اعتبرنا مقام السيكاه الأصلي من فصيلة مقام العراق ، الوارد ترابياً في الجدول الثاني ، وبحثنا عن الوقت الملائم للمقامات الترابية في الجدول الأول ، لوجدنا أنه من المغرب إلى العِشاء ، وبافتراض أن اللقاء كان في ليلٍ متأخر، فقد استفاد الشيخ عمر البطش من ذلك ، ليؤجل السماع إلى الموشحات ، و ليلحن الموشحات ليلتها ..

لعل من بواقي هذه الأفكار , أن اختيار المقام الموسيقي الذي يُعتمد لرفع الأذان في الجامع الأموي بدمشق ، لا يزال يتم حتى الآن ، حسب جداول ترتبط باليوم والساعة التي يتم فيها رفع الأذان.

9- التطبيق العملي للنظرية العامة ، والفرق بين تحقيق الاستجابة و التأثير ، بغرض المعالجة النفسية أو الدوائية:

يتوافق تحقيق الطرب ، أو الوصول إلى حالة الوجد لدى المتصوفة ، من جهة ، أو طرد الأرواح الشريرة ، أو تحقيق التواصل مع العالم الخارجي ، في المعالجة النفسية ، من جهة أخرى ، مع ضرورة تحقيق استجابة المستمع للخروج من حالته إلى حالة جديدة . ومهما اختلفت الغايات فالأسلوب واحد: العمل الموسيقي المحرِّض يستعرض كافة المراحل ، فيبدأ من منطقة الأصوات المنخفضة بلحن مرسل ، ثم تبدأ الإيقاعات متدرجة من البطء إلى السرعة ، مع الانتقال من الأصوات المنخفضة إلى الأحدّ وصولاً إلى المنطقة الأكثر حدة ، مع تدرج في استخدام المقامات من مقام مائيٍ وصولاً إلى مقام ناري كالراست مثلاً  ، حتى ينتهي العمل الموسيقي المحرِّض بخروج المستمع عن حالته الأصلية إلى حالة جديدة ،  تحقق الغاية ، التي تختلف حسب الحالات المذكورة آنفاً .

تجدر الإشارة إلى أن العمل الموسيقي قد يتوقف عند مراحل معينة  قبل الوصول إلى نهايته الموصوفة أعلاه ، خاصة في معالجة الحالات النفسية ، وحسب تطور المعالجة والاستجابة.

أما تحقيق الاستجابة لشريحة محددة من المستمعين ، أو في ساعة محددة، فلا شك في أنه يتطلب دراسة دقيقة ،  حسب الأسس التي تم عرضها ،  فمثلاً  يوصى بأنه إذا كان المستمع في سن الشيخوخة ، من منطقة جغرافية باردة المناخ ، فإن الألحان التي تناسبه هي ما عزف على طبقة صوتية منخفضة ، مع إيقاع بطئ . وهنا قد نلاحظ سيطرة الإيقاع السريع اليوم لأن السوق الغنائية تعيش اليوم على مستهلك أساس هو الشباب ، ناري المزاج ، كما يمكن أن تفتح لنا هذه الأفكار إمكانية لدراسة العلاقة بين الموسيقا والجغرافية.

بقيت المعالجة الخاصة التي يمكن أن تكون مستقلة أو مترافقة مع دواء، وهنا يكون دور الموسيقا تعويض الخلل في توازن العناصر المكونة للجسم البشري ( حسب نظرية الكندي المعروضة أعلاه ) زيادة أو نقصاناً.

10- ملاحظات:

  • لم تشر النظرية العامة للكندي إلى دور حيوية الجملة اللحنية ، في إحداث تأثير مختلف، وإن كان الكندي قد أشار إلى اختلاف التأثير حسب حيوية الجملة اللحنية حزناً أو فرحاً.
  • لم تشر النظرية إلى اختلاف التأثير حسب الآلة الموسيقية التي تؤدي الألحان ، أو حسب الفواصل الموسيقية في اللحن بين الأصوات الموسيقية المتتالية ، فيما أشار الكندي إلى اختلاف تأثيرها على المستمع دون أن يدمجها في نظريته العامة.
  • لم تشر النظرية العامة للكندي إلى اختلاف التأثير نتيجة تغيير درجة استقرار المقام ، وإن كان ربط بين التأثير والطبقة الموسيقية التي يتم فيها العمل الموسيقي ، فيما تم استدراك ذلك لاحقاً عندما تمت تسمية المقامات ذات الأصوات المتماثلة ودرجة الاستقرار المختلفة بتسميات مختلفة ، و بالتالي عُدَّ تأثيرها مختلفاً.
  • لم تشر أيٌ من الكتابات في هذا المجال إلى اختلاف تأثير الموسيقا على الإنسان كنتيجة لاختلاف محصلة قوى الجذب التي يتعرض لها ، حسب موقع الأرض سواء في الدورة السنوية ، أم اليومية ، والتي تعتبر ظاهرة المد والجذر مثلاً ، إحدى تجلياتها المرئية ، ما يفتح أمامنا مجالاً واسعاً لتطوير النظرية العامة للتأثير في المستقبل.
  • من البديهي أن النظرية المعروضة للكندي ، وما تلاها من تطوير ، لا تجد لها من يدافع عنها ضمن المعطيات العلمية الحديثة ، ولكنها وعلى كل حال كانت نظرية متكاملة ، طُبقت على أرض الواقع في البيمارستانات الشامية ، النوري في دمشق ، والأرغوني في حلب ، على عكس ما يجري الآن في العالم الحديث  من فرضيات ، تعتمد على التجربة ، وعلى تسجيل المشاهدات ، لاعتماد أسلوب التأثير وتعميمه.

نود أن نضيف أخيراً أن الكندي كان قد تحدث عن تأثيرات الألوان ، وقسمها أيضاً إلى ألوانٍ ذات تأثيرات مائية ونارية ، وهذا يشابه ما اصطلح عليه الفنانون هذه الأيام من تصنيف الألوان بين حارة و باردة ، وما قام به والت ديزني ، وهو من أشهر الفنانين في أميركا ، في فيلم “فانتازيا” ، عندما أجرى توافقاً بين الموسيقا والألوان ، من خلال ترجمة العزف في منطقة الأصوات الحادة ، باللون الناري الأحمر و في منطقة الأصوات المنخفضة ، باللون المائي الأزرق .. والحقيقة أنه كان في ذلك .. يتبع نظرية الكندي العامة في التأثير الموسيقي .. كما أتت تماماً.

د. سعد الله آغا القلعة

 

Tagged , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.