سيد مكاوي في ذكراه: ارتبط مساره بثلاث ركائز أساسية بقي وفياً لها ضمن جو متغير : الإنشاد الديني والغناء العربي الكلاسيكي والغناء العربي الشعبي

شعار كتاب الأغاني الثاني

كان الشيخ سيد مكاوي يتمتع بإرادة قوية وطموح غير محدود وثقة بالنفس لامتناهية ،استطاع أن يصل عبر الجهد والمثابرة إلى أقصى مايمكن أن يصل إليه فنان في ظل ظروفه الشخصية.

ارتبط مسار الشيخ سيد مكاوي بمحورين: الأداء والتلحين ، كما ارتبط مساره بثلاث ركائز أساسية ، بقي وفياً لها ضمن جو متغير،  وهي الإنشاد الديني ، والغناء العربي الكلاسيكي ، والغناء العربي الشعبي.

نستطيع أن نقسم حياة سيد مكاوي إلى سبع مراحل تنقل فيها من الإنشاد الديني إلى العاطفي والوطني أداءً وتلحيناً:الأولى منذ طفولته عندما فقد بصره وحتى منتصف الأربعينات ، وفيها كان متجهاً للتعلم وللإنشاد الديني ، أما الثانية فتبدأ في منتصف الأربعينات مع تحوله للتلحين في الإنشاد الديني واستمر ذلك حتى عام 1955 .
المرحلة الثالثة كانت  بين 1955 و1965 ، عندما تحول للتلحين للأغاني العاطفية والاستعراضات المسرحية مع صلاح جاهين ، والرابعة من 1965 وحتى عام 1972 عندما عاد للغناء الديني المختلط بالعاطفي للإذاعة ،مع الشاعر فؤاد حداد ، وكانت هذه المرحلة متداخلة مع المرحلة الخامسة ، التي تتمثل في توجهه إلى الغناء الوطني المباشر على المسرح ، أما المرحلة السادسة فقد  بدأت عام 72 عندما دخل قائمة ملحني السيدة أم كلثوم ، والسابعة بعد وفاة أم كلثوم عندما أصبح ملحناً عاطفياً شهيراً  ، من جهة ، ومغنياً مستقلاً على المسرح ، وحتى وفاته عام 1997 ، حيث تداخل عنده الغناء الديني والعاطفي والتلحين.

ضمن هذه المراحل الخمس كان هناك منبعان اثنان لتكوينه الفني :الإنشاد الديني ، والتراث الغنائي والموسيقي  العربي، بشقيه الكلاسيكي والشعبي.

المرحلة الأولى (حتى عام 1955): توجه فيها الطفل سيد ، بناتج  ولادته في حي عابدين الشعبي ، حيث تختلط أصوات الباعة  والمنادين ، وبناتج فقدانه لبصره وهو طفل ، ممازاد في إحساسه بالأصوات ، و كذلك أداؤه المتميز ، لتعلم تلاوة القرآن ودراسة التجويد والتواشيح الدينية لدى الشيخ أحمد القهوجي والشيخ علي محمود والشيخ ابراهيم الفران، فأصبح منشداً دينياً ، وسرعان ماأوصله هذا للإذاعة في بداية الأربعينات كمنشد للتواشيح والقصائد الدينية..
هذا الإنشاد الديني ولد لديه الإيقاعية وحيوية الجملة اللحنية والتوجه للمقامات الشرقية ، وقد لازمته كلها طوال حياته . ولكنه كان ، وبنوازع شخصية ، قد اتجه للموسيقا العربية ، وأتيح له أن يتعلم أصولها  ، على يد عازف القانون محمود رأفت ، وهو موسيقي كان يحتفظ بمكتبة موسيقية من الأسطوانات الأولى التي وثقت التراث العربي من قصائد وموشحات دنيوية ، مما شكل المنبع الثاني في تكونه سيد الموسيقي.
وكان لابد لهذا التوجه من أن يدفعه إلى ولوج عالم التلحين ،وهكذا بدأت المرحلة الثانية عندما بدأ بتلحين التواشيح الدينية بطلب من الإذاعة التي تطلب الجديد دوماً..

ثم بدأت المرحلة الثالثة (55-65) عندما رغب في التحول إلى الغناء الدنيوي ،  تلاؤماً مع الطلب الشديد على ذلك الغناء . وأعتقد أن صورة الشيخ زكريا أحمد الملحن الأصيل كانت تحقق له المثل الأعلى.ولما كان زكريا قد حقق ثنائياً ناجحاً مع بيرم التونسي ، فسرعان ماتوجه سيد مكاوي ، عندما حانت الفرصة ، وتعرف على الشاعر الزجال صلاح جاهين لتشكيل ثنائي جديد معه (صلاح جاهين شكل مع كمال الطويل ثنائياً مشابهاً ولكنه كان متجهاً للأغاني الوطنية ) ، فقدما عدداً كبيراً من الألحان العاطفية ، ومنها اسأل مرة عليه لمحمد عبد المطلب ، ومبروك عليك يامعجباني ياغالي لشريفة فاضل ، والأغنيتان على مقام الراست ، وكذلك مسرحية الليلة الكبيرة الشهيرة. وهذه ملاحظة أولى : توجهه الدائم للمقامات الشرقية : الراست والبيات والهزام في أغلب ألحانه ، بتأثير نشأته في التواشيح الدينية ، إضافة إلى إيقاعية واضحة للجملة اللحنية ، تظهر فيها إيقاعية الكلمة بوضوح.

يظهر هذا بوضوح في الليلة الكبيرة ، إضافة إلى أننا نكتشف فيها أسلوب سيد درويش في تلحين المحاورات ، والانتقال من مشهد إلى مشهد آخر ، بانتقال مقامي أو إيقاعي مفاجئ ، إضافة إلى سيطرة نداءات الباعة التي عاشها هو في صغره. وطبعاً لحن لآخرين كليلى مراد:حكايتنا إحنا الاثنين ، وحتى عندما لحن عام 1956 نشيد حنحارب ، جاء على مقام راست ماهور الشرقي مع أن الأناشيد نادراً ماتأتي على مقامات شرقية ذات أرباع الأصوات.

المرحلة الرابعة (65-72) وفيها تحول للغناء المباشر،  وأتت عندما شكل مع الشاعر فؤاد حداد ثنائياً آخر عبر البرنامج الإذاعي:المسحراتي ، وفيه غنى مواويل مزج فيها الشاعر العواطف الدينية والدنيوية ، وأداها سيد مكاوي بصوته ، فطرحته من جديد كمطرب دنيوي ديني للإذاعة ، ونالت تلك الحلقات شهرة عريضة.
ولكن تحوله للغناء المباشر على المسرح وهذه هي المرحلة الخامسة  ، أتى عام 1967 ، في الحفلات المخصصة للقوات المسلحة ، عندما قدم إغان وطنية وعاطفية بصوته كان من أبرزها: الأرض بتتكلم عربي على مقام البيات الاصيل والشرقي أيضاً.

المرحلة السادسة  (72-74) بدأت عندما لاحظت أم كلثوم تشوق جمهورها للأصالة وللون الشيخ زكريا أحمد ، ولذلك ورغبة منها في التجدد عبر العودة للقديم ، طلبت من سيد مكاوي أن يلحن اغنية يامسهرني ، من نظم أحمد رامي ، فقدمها مجدداً على مقام الراست الشرقي الأصيل، متأثراً بالسنباطي ..وبخاصة في ليه يابنفسج..

أتاحت له هذه الأغنية أن يرى شهرته تتجاوز حدود مصر لأول مرة وتصل إلى العالم العربي لأول مرة. ويلاحظ أن أم كلثوم كانت راضية عن اللحن ، ولاحظت أنه غير معروف من جمهورها فقدمته في الحفلة الثانية بنفسها للجمهور ، في سابقة أولى عند أم كلثوم. وسرعان ما لحن أوقاتي بتحلو على مقام الهزام الشرقي لتغنيها عام 1974 ، ولكن الموت غيبها فغنتها وردة.

وتاتي المرحلة السابعة والأخيرة (بعد75) بعد أن أصبح سيد مكاوي شهيراً في العالم العربي بسبب غناء أم كلثوم من ألحانه  ، وهكذا أصبح مطلوباً من جميع المطربين ، فغنت له ميادة الحناوي أغان عاطفية ووطنية ، منها سورية ياحرية ، على مقام الراست ماهور الشرقي ، من نظم محمد حمزة .وأغان أخرى لمحمد ثروت وآخرين ..كما أنه توجه لغناء ألحانه بنفسه ، محققاً نجومية قل أن تحقق لفاقد للبصر ، وهذه توضح طموحه وجرأته التي كانت بلا حدود ، وأتذكر هنا ، عندما حكَّمتُ في القاهرة ضمن لجنة تحكيم الأغنية المصورة فيديو كليب غناه وصوره بنفسه.

كان سيد مكاوي غزير الإنتاج ، قليل التكرار ، ولكن ألحانه كانت تعبر عن أسلوب ثابت ، تحكمه المقامات الشرقية ، وحيوية وإيقاعية الجملة اللحنية ، والتزاوج بين الغناء الشعبي والديني و الكلاسيكي. لقد عاش فترة الانتقال من الأصالة إلى التجديد فالتغريب فالهبوط ، وحاول أن يتأقلم مع تلك المراحل ، مع السعي للبقاء وفياً لمنابع تكوينه ، واستطاع أن يبقى موجوداً في ظل ظروف صعبة تحيط بالغناء العربي اليوم، ولاشك أن الموسيقا العربية قد فقدت بوفاته ، ركناً من أركان الاصالة ، في وقت هي أحوج ماتكون إلى أوفياء للتراث والاصالة ، كما كان !

د. سعد الله آغا القلعة

 

Bookmark the permalink.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *