رحلتي على الجسور بين العلوم والفنون – 2 : هل كان تطور الموسيقى العربية في العصور الوسيطة ذا طابعٍ سكوني؟

فهرس منشورات رحلتي على الجسور بين العلوم والفنون

في المعهد الموسيقي بحلب


تابع قائلاً: لدي إذن سؤالان، أولاً: لماذا ركزت في إجابتك على سؤالي الأول على كتاب الأغاني؟ وثانياً: هل يمكن أن تشرح لي مضمون البحث، الذي تطلَّبَ أن يلجأ أستاذك في فرنسا إليك، لكي تحضِّر لديه أطروحة الدكتوراه، فقط لأنك قادم من ثقافة مختلفة، أبرز عناصرها أمامه محاضراتك حول الموسيقى والتصوف وارتجالاتك على آلة القانون!

قلتُ: سأجيبك اليوم عن سؤالك الأول وأترك الإجابة عن السؤال الثاني لفرصة أخرى!

كنت في ذلك الوقت أدرس العزف على القانون في المعهد الموسيقي الذي أسسه وأداره والدي منذ عام 1948،  وهو معهد خاص ومجاني،  ولهذا حكاية أرويها لاحقاً .. ولكنني كنت في الوقت ذاته مهتماً أيضاً بقراءة كتب الموسيقى، ما أوصلني إلى كتاب الأغاني..

نعم لقد ركزت عليه في إجابتي السابقة لأنه حرض لديّ طرح الأسئلة الأولى ..!

كانت ملاحظتي الأولى وأنا أقرأ الصفحة الأولى من الكتاب ، وقد فهمت من والدي أنه يؤرخ للأغاني .. أي أنه كتاب تاريخ ، أنه لا يحدد السنة التي يتم فيها الحدث الذي يؤرخ له.. فالأحداث فيه ، كما جاءت ، ومن الصفحة الأولى ،  ترتبط بالأشخاص .. مرة بهارون الرشيد ومرة بالواثق بالله .. ومرة باسحاق الموصلي ومرة بمعبد .. أي أنه يفترض أن قارئ الكتاب يعرف هؤلاء الأشخاص ،  وأنه ، أي مؤلف الكتاب ،  لا يهتم بتحديد تاريخ الحدث .. فلا يعرف متى تم  ذلك الحدث ، وفي أي سنة كان .. فيما كان ، بالنسبة لي ، حتى في سنوات الصبا ، ربط أي حدث بسنة حدوثه ، أمر حيوي لفهمه .. لأنه يحدد الفضاء العام المحيط بحدوثه ،  وجملة الأحداث التي مهدت له ، والتي نتجت عنه .. فعندما تقول بأن حدثاً ما تم في سورية في عام 1943 ، مثلاً   ، فإنه يمكن لك ربط ذلك الحدث بمجمل عناصر الواقع السياسي والاجتماعي الذي كان في سورية خلال الحرب العالمية الثانية  ، والانتداب الفرنسي مثلاً ، بما في ذلك مكانة المغني  والموسيقي في ذلك الزمان ، ناهيك عن مستوى الغناء السائد.. وكانت هذه ملاحظة هامة بالنسبة لي ، ستبقى في الذهن ، وستقود عملي ، عندما قررت أن أعمل على مشروع مشابه .. هو كتاب الأغاني الثاني ، إذ قررت أن يكون الزمن واضحاً في جميع الأحداث التي أوثق لها ، بما يكفل إعطاء تحليل واضح لسياق تطورها ..

ولما كان من عادتي ألا أتقدم في القراءة إلا بعد فهم ما أقرأ .. فقد عدت إلى مكتبة الوالد لمحاولة تحديد الفترة التي تؤرخ لها الصفحة الأولى ، والتي ورد فيها ذكر هارون الرشيد و الواثق بالله .. عرفت أن هارون الرشيد حكم بين 786 و 806 ميلادية ، أي لمدة عشرين عاماً .. فمتى كانت الأحداث التي تحدثت عنها الصفحة الأولى ، ضمن تلك السنوات العشرين ؟ لا إجابة واضحة .. حسناً وماذا عن الواثق بالله ؟ تبين أنه حكم بين 842 و 847 ميلادية .. أي أن هناك حوالي 40 سنة بين حدثين في الصفحة الأولى .. فعلاً .. لقد كان الزمن يعرَّف بالأشخاص لا بالسنين ، ولا إمكانية لتعريف الجو المحيط بأي حدث يجري الحديث عنه .. ! سأتحدث لاحقاً عن مضمون الصفحة الأولى .. ولكن ملاحظتي عن الزمن كانت طاغية ..  بالنسبة لي .. لقد أحسست أن مسار الزمن في كتاب الأغاني كان بطيئاً .. يقترب من السكون ..! فهل كان هذا ظاهرة خاصة به أم أنه كان ظاهرة سائدة في مؤلفات ذلك العصر..؟

في أيام الصبا تلك ، كنت أقرأ كثيراً في كتاب كان نشره والدي قبل سنوات ، وتحديداً في عام 1955 ، باسم ” من كنوزنا ” ، أدرج فيه دراسة عن تطور شعر الموشحات ، وربط الأحداث التي كان يتحدث عنها بسنوات حدوثها ما أمكن ،  إضافة إلى تضمين الكتاب تدوين وصلات كاملة من الموشحات. كان المحرض لنشر الكتاب حاجة الإذاعة التي كان والدي يديرها لتدوين تلك الموشحات ، ما يسهل تنفيذها من قبل الفرقة الموسيقية ، من جهة ، وحفظها للأجيال القادمة ، من جهة أخرى ، ولا يزال هذا الكتاب يؤدي تلك المهمة بنجاح حتى اليوم ..


المهم .. كنت قد لاحظت الملاحظة ذاتها في قسم تدوين الموشحات .. الزمن ليس عنصراً أساسياً .. ففي وصلة الموشحات على مقام الراست ، مثلاً ، والوصلة عبارة عن سلسلة من الموشحات على مقام موسيقي واحد ، ترتب ، بحيث تتسارع الإيقاعات ، عندما ننتقل من أحدها إلى الآخر ، كنت وجدت موشحين في ذات الوصلة ، أحدهما موشح من ألحان عبد القادر المراغي ، وهو موشح أحن شوقاُ ، وثانيهما وضمن الوصلة ذاتها ، موشح للشيخ عمر البطش ، الذي كان أهم وشّاح عرفه تاريخ الموسيقى الحديث في حلب ، وكان  قد توفي قبل سنوات ، وهو موشح منيتي من رمت قربه ..  والموشحان يقدمان في وصلة واحدة  ، حيث يحدد الملحن ، ولا يشار إلى تاريخ كل منها ..

صورة تخيلية عبد القادر المراغي

كانت نتيجة هامة  .. حتى ذلك الزمان .. لم يكن تحديد السنة  هاماً في توثيق الأعمال الغنائية .. والتأريخ يأتي من خلال الأشخاص أيضاً .. كما في كتاب الأغاني ، دون أي تحديد للسنة التي خلالها ، قام كل منهما بتلحين موشحه ، ما ينفي أي إمكانية  لتعريف المرحلة التي ينتمي إليها العمل ، على مستوى الملحن ذاته ..

لدى القيام بمزيد من البحث ، علمتُ أن الشيخ المراغي ،  عاش بين عامي  1360 و 1435 ميلادية ، والشيخ البطش عاش بين عامي 1885 و 1950 ، أي أنه كان بينهما حوالي  500 عام ، ومع ذلك ضُمت أعمالهما في وصلة موشحات واحدة …. فكيف أمكن هذا ؟ كيف أمكن جمع ألحان تفصل بينها مئات السنين في وصلة واحدة ، فلا تحس بينها بأي هجنة أوغربة ؟ لنتابعها


كانت هذه ملاحظات، أكدت على ضرورة ربط الأحداث بتاريخ حدوثها ، وقادت أعمالي في القادم من السنين ..

ولكنها ، بالنتيجة طرحت عليّ السؤال الأهم .. هل كان تطور الموسيقى العربية في العصور الوسيطة  ذا طابعٍ سكوني؟  سؤال كبير لم أكن مهيئاً في سنوات الصبا لمناقشته .. وللحديث بقية.

نسخة المقال كما وثقها موقع أرشفة الإنترنت العالمي

د. سعد الله آغا القلعة

Tagged , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.

  • هل تريد أن نعلمك عن جديد الموقع؟

    Loading