• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

على الجسور بين العلوم والفنون : عندما تحولت ثانوية المأمون لتكون بيتَ الطفولة والصبا!

ذات يوم من أيام عام 1992 ، تلقيت اتصالاً من إدارة ثانوية المأمون بحلب ، تطلب مني ، وقد درستُ فيها ، المشاركة بإلقاء كلمة في حفلٍ يقام بمناسبة مرور 100 عام على تأسيسها في عام 1892. اعتذرت بسبب ارتباطي بإلقاء محاضرة في اليوم ذاته خارج البلاد ، ووعدتُ بإرسال كلمة لتقرأ بالنيابة عني.

ثانوية المأمون بعيد إنشائها وسميت حينها المكتب الإعدادي . في عام 1947 اكتسبت اسمها : ثانوية المأمون

كنت أعلم أن كلمات كثيرة ستلقى في هذه المناسبة ، ولذا ، فقد طرحت على نفسي السؤال ، وأنا أضع أصابعي على مفاتيح الكمبيوتر لأكتب: ما الذي سيميز كلمتي؟  وراحت بي الذكرى إلى تلك الأيام ، وسرعان ما لاحت في مخيلتي صورة ثانوية المأمون ، وأنا أنظر إليها من شرفة بيتنا .. وسرعان ما أدركت أن ما سيميز كلمتي ، هو أنني كنت أسكن في بيت يطل عليها، منذ أن كان عمري خمس سنوات ، وأنها كانت في سنوات الطفولة والصبا والشباب جزءاً من حياتي اليومية ، بل ومن بيتي ، وهكذا راحت الأفكار تتدفق بأسرع من قدرتي على الكتابة ، فكانت الكلمة التالية:

ثانوية المأمون .. بيت الطفولة

قدر لي أن أعاصر هدم البيتين اللذين عشت فيهما طفولتي وصباي.. البيت الأول كان يطل على جادة الخندق في حلب ، وقد هدم ضمن مشروع تنظيم منطقة باب الفرج، وكان الثاني بيتاً في بناء جميل تقليدي الطابع هدم أخيراً ، وحل مكانه بناء آخر لا شخصية له ولا طابع. وقد تتساءلون عن العلاقة بين بيت طفولتي ،وثانوية المأمون، فهل أستميحكم العذر في أن أتمهل قبل أن أصل إلى ما أرمي إليه؟

كنّا نسكن في منطقة جادة الخندق حتى منتصف الخمسينات، في بيت عربي الطابع. أحسست ذات يوم بحركة غير عادية في البيت، الأثاث يحمل إلى سيارة شحن كبيرة، حيث كان يرتب وينقل. لم يكن هناك طعام محضر للغداء يومها ، ولذا فقد ناولتني والدتي شطيرة من البيض المقلي على عجل ، وهي تقول :أسرع فوالدك قادم وقد آن موعد الرحيل.  في تلك الأيام لم أكن أفهم تماماً معنى الرحيل ، إذ لم يكن عمري يزيد عن خمس سنوات .. وماهي إلا ثوان حتى عادت تستعجلني للمغادرة ، ولما كنت لم أنته بعد من الشطيرة، فقد تركتها على طرف البركة ،على أمل أن أعود إليها لاحقاً!

في بيتنا الجديد شدتني أصوات لعب وصياح مشجعين.. لقد كان يطل على باحة كبيرة فيها ملاعب،قالت لي أمي :إنها التجهيز الأولى (ثانوية المأمون) والعقبى لك في دخولها.

ثانوية المأمون

ثانوية المأمون كما كانت ترى من شرفة بيتنا

لم يكن الاسم غريباً.. فقد كان كثيراً ما يتكرر في مجلة صوت الطالب التي كانت تصدر عنها ، والتي كان أخي أحمد رجائي سكرتير تحريرها في نهاية الأربعينيات.. كان قد بقي في البيت الأول نسخ منها ، درجت على فك حروفها وأنا طفل ، أتعلم القراءة ، يجذبني اسم أخي يزين مقالاته وقصائده فيها، وكذلك أسماء أساتذته.. الأستاذ سليمان العيسى والأستاذ عمر يحيى..

كان بيتنا الجديد في طابقين ،طابق أقام فيه والدي ،الدكتور فؤاد رجائي آغا القلعة ، رحمه الله ،عيادته ، وزين شرفتها بلوحة كتب عليها ما يلي: ( العليم في طب الأسنان فؤاد رجائي )، وطابق ثان سكنا نحن فيه. منذ ذلك الوقت .. أصبحت ثانوية المأمون جزءاً من حياتي اليومية .. ولمدة طويلة.

المأمون 3

صورة من أحد الاحتفالات في المدرسة

بعد أخي الأكبر أحمد الذي كان طالباً في التجهيز الأولى في نهاية الأربعينيات ، جاء دور أخي الثاني عارف، الرياضي الذي كنت أرقبه من شرفة المنزل يلعب لعبة كرة السلة ، منتظراً اليوم الذي سيسمح لي فيه باللعب إلى جانبه. منذ اليوم الأول له في المدرسة، طلب أخي من أمي ، حفظها الله ، ألا توقظه إلا حين يبدأ صاروخان ( الآذن المكلف بإغلاق باب الثانوية الخارجي) النقر على الباب بالمفتاح.. وفعلاً ما إن يبدأ النقر ( الذي لازال يرن في أذني ) حتى تبدأ رحلة الإيقاظ التي تتم في سرعة هائلة تنقل أخي من فراشه إلى قاعة الدرس في سبع دقائق أو أقل..

وجاء دوري لأصبح طالباً في ثانوية المأمون.. لن أنسى أبداً صورة ذلك اليوم الأول لي فيها.. أتحسس بناظري مواقع فيها لم أكن أشاهدها من بيتي.. فكأنما نحن صديقان منعت الطفولة الأصغر عن اللقاء بالأكبر.

والتقيت بالأساتذة الذين كنت أرقبهم من شرفة بيتي، يخرجون كل يوم مع الطلاب في الزحمة.. فيوسع لهم الطلاب المسار.. يحيطونهم بالاحترام والمحبة.. وإذ بي أراهم أمامي في قاعة الدرس يقدمون لنا التربية والعلم .. أنا وزملاء الدراسة الجدد.

وهكذا درّسني أساتذة أجلاّء ، أذكر منهم أولاً الأستاذ مفيد ملاح ، الذي كان أستاذي في الجغرافية .. فيما بعد تزوجت من ابنته ، وتخصصت فيما تخصصت ، ولعلها صدفة عجيبة،في الهندسة الجغرافية.. أذكر أستاذي بدر الدين علاء الدين ، الذي كان له فضل تحريض حبي للرياضيات ، فتابعت بعدئذ في صنوف الهندسة.. وكذلك الأستاذ محمود فاخوري، أستاذ الأدب ، الذي كان له أيضاً فضل تنمية محبتي للغة العربية، مما ساعدني لاحقاً على أن أحسن التعبير عما أريد أن أنقله من أفكار. حقاً لقد كان لكل أستاذ من أساتذتي فضل في توجيهي نحو محور من محاور العلم.

الصور أصبحت تتزاحم في مخيلتي وأنا أكتب هذه السطور.. فها هي صورة الأستاذ عبد الرحمن أبو صالح “أستاذ الفيزياء والكيمياء” ببسمته المحببة تجنبنا مصاعب هذين العلمين العصيين على الفهم ، إن لم يهيئ الله لهما أستاذاً قديراً.. وهاهي صورة الأستاذ عمر كردي ، ناظر المدرسة ، تطل في شريط ذكرياتي،تظهره متعجباً من كثرة حصولي على أذونات رسمية لمغادرة المدرسة بقصد المشاركة بالعزف على آلة القانون ، في الحفلات التي كانت تقيمها مديرية التربية أو المدارس الأخرى.. ثم إذ بها لا تؤثر على النتائج التي أحققها في الامتحانات!

المدخل إلى العلم والمعرفة

وتمر السنوات.. ويغادر والدي هذه الدنيا فجأة.. ثم أتخرج من ثانوية المأمون عام 1967 لأنتسب إلى كلية الهندسة .. ولننتقل إلى منطقة جديدة أقرب إلى الجامعة ، لأغادر حلب إلى سفر لم ينته بعد، تقطعه زيارات كان لبيتيّ طفولتي فيها حصص دائمة ، أمر بجادة الخندق ومنطقة الجميلية أرقبهما من بعيد.. ذات مرة فوجئت ببيت جادة الخندق وقد هدم ضمن مشروع تنظيم باب الفرج .. وإذ بي أحس وكأن جانباً من جذور طفولتي قد تقطع.. فتمسكت بالبيت الثاني وتتالت زياراتي له .. في كل زيارة جديدة وأنا في حلب ..

ذات يوم.. وقفت ذاهلاً أمام بناء جديد حل مكان بيتي القديم المطل على ثانوية المأمون.. غادرت المنطقة وأنا جريح العاطفة.. يغلب علي إحساس غريب بتقطع جذور الطفولة والصبا والشباب.. ومرت فترة طويلة قبل أن آتي في زيارة جديدة.. ويا للغرابة .. هاهي قدماي تقودني من جديد إلى نفس المنطقة.. خاطبت نفسي قائلاً : لِمَ تذهب إلى هناك ..؟ الزيارة لم تعد تستحق العناء ،ومع ذلك .. تابعت السير.. وإذ بي أكتشف وأنا أقترب أن أنظاري لم تكن تتجه إلى البناء الجديد الذي حرمني من ذكريات طفولتي .. بل تسارعت إلى جهة أخرى تتحسس تلك الجدران التي تضم في حناياها مدرستي القديمة.. لقد أدركت حينها أن جذور طفولتي وصباي لم تتقطع ..لأن بيتي الآخر.. ثانوية المأمون .. مازال موجوداً راسخ الجذور ، يقدم المعرفة لكل من يسعى إلى مستقبل أفضل!

د. سعد الله آغا القلعة

*نص الكلمة التي كتبتها عام 1992 وقُرأت في الاحتفال بمرور 100 عام على افتتاح ثانوية المأمون ، التي أنشأها الوالي جميل حسن باشا عام 1892 في حلب، وسميت حينها المكتب الإعدادي ، كما نشر هذا النص في الكتاب الذي صدر لتوثيق الاحتفال.

Tagged , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.