في غياب أعمال التوثيق: الأستاذ عدنان أبو الشامات يلجأ لتوثيق أعماله بنفسه!

شعار كتاب الأغاني الثاني

عدنان أبو الشامات

الأستاذ عدنان أبو الشامات ملحن مخضرم ،درس على يد يحيى السعودي وسعيد فرحات والشيخ عمر البطش الذي كان من أهم ملحني الموشحات العرب ، كما تابع أسلوب الأستاذ عزيز غنام الملحن المجدد ،الذي ابتدع أسلوب تلحين القصيدة ،بحيث يتوافق إيقاع اللحن مع الإيقاع الشعري للنص .وهكذا جمع الأستاذ أبو الشامات الأسلوبين المتباعدين ، أسلوب تلحين الموشحات التقليدي المعمول به في مدينة حلب ، والمعتمد على انفصال واضح بين إيقاعي النص واللحن ،والأسلوب الجديد المعتمد على توافقهما ، ولاشك في أن اجتماع أسلوبين  متضادين في فكره الموسيقي ،قد وجهه ليصبح أستاذاً في المقامات والإيقاعات ،كما سمح له بالدخول في عالم التجريب ،لابتداع إيقاعات جديدة كلما تعقد إيقاع النص ،وأعتقد   أنه لو أتيحت له ظروف أكثر إيجابية ، لكان بإمكانه أن يقدم لنا تجريبية أكثر وضوحاً.

تطور أعمال توثيق الألحان

كان الشيخ علي الدرويش الحلبي أول من عمل في مجال التوثيق بالتدوين الموسيقي ،موثقاً أعمال الشيخ أبي خليل القباني ،وسيد درويش ،دون أن يُطبع ناتج عمله ، ولكن  توفيق الصباغ كان أول من وثق لأعماله الموسيقية بالتدوين، في كتابه الدليل الموسيقي العام،  المطبوع عام 1950 في حلب،حيث أوردها  مضافة لقسم نظري في الموسيقى ، ثم تتالت أعمال التوثيق ،التي اعتمدت فكرة تضمين كتاب التوثيق لقسم نظري خاص. تجسد هذا أولاً  في كتاب ( من كنوزنا ) للدكتور فؤاد رجائي آغا القلعة ، المطبوع في حلب عام 1955،  حيث قام السيد نديم الدرويش ،بتدوين وصلات من الموشحات القديمة والجديدة ،مسبوقة بقسم نظري ،للدكتور رجائي ، ثم ظهر كتابان من إصدار اللجنة الموسيقية العليا في القاهرة ، لتدوين موشحات وأدوار قديمة ،ظهرت مسبوقة بقسم نظري للدكتور محمود أحمد الحفني ، ليتبع كل ذلك كتاب الموشحات الأندلسية لسليم الحلو في لبنان ، الذي اتبع الأسلوب ذاته .

في بداية التسعينات  أصدر الأستاذ محمود عجان كتاباً عن قالب الدور ،  ضمنه أيضاً قسماً نظرياً ،تتبعه تدوينات موسيقية لأدوار عديدة ، ليصل بعد ذلك ،إلى توثيقٍ لمؤلفاته الموسيقية الشخصية ، ولعل الأستاذ عبد الرحمن جبقجي ،كان السباق في إصدار كتب عديدة لتدوين مختلف أشكال النشاط الموسيقي العربي ، تضمنت  عدداً قليلاً من التدوينات الموسيقية لمؤلفاته الموسيقية  ، دون أن يضمن كتبه أقساماً نظرية تُذكر.

في غياب أعمال التوثيق : ملحن يلجأ لتوثيق ألحانه 

إذاً، هذه هي المرة الأولى ، في حدود علمي، التي يلجأ فيها ملحن إلى توثيق أعماله الغنائية  بالتدوين الموسيقي (فالصباغ والعجان وجبقجي وثقوا لبعض مؤلفاتهم الموسيقية )، في كتاب لا يتضمن قسماً نظرياً ، وهذه حقيقة يجب أن نتوقف عندها ، فأبو الشامات يريد أن يوجه الأهمية إلى أعماله هو ، وهذا حقه ، علماً بأنه كان من الممكن له ،وهو الذي سبق له أن أصدر كتاباً نظرياً في الموسيقى العربية، أن يضمن الموضوعين في كتاب واحد.

الأستاذ أبو الشامات يقدم هنا توثيقاً لأعمال من تلحينه ، قدمت في مجالات عديدة ،تلفزيونية وإذاعية ومسرحية ، معتمداً أساليب متعددة للتصنيف . ففي الموشحات ،اعتمد أسلوب التصنيف الذي ابتدعه كتاب ( من كنوزنا)  ،عبر ترتيب الموشحات  في وصلات حسب المقام الموسيقي ،تبتدئ كل منها بمعزوفة موسيقية على قالب السماعي ،بينما ابتعد عن هذا الأسلوب في توثيق أعماله الأخرى،التي أتت في ترتيب لا يتصل بالمقام الموسيقي.

نلاحظ أيضاً  أنه أدرج موشحات على القالب التقليدي المعمول به في مدينة حلب ، الذي لا يفرق فيما إذا كان النص قصيدة أم مبنياً على القالب الشعري للموشح الأندلسي  ، والذي يتطلب  احتواء الموشح على لحن أول يتكرر ثم لحن ثان فعودة إلى اللحن الاول ، والاعتماد على انفصال إيقاعي اللحن والنص ،واللجوء إلى متكآت لفظية إضافية لملء الثغرة الناشئة بينهما ، مع الاعتماد على الإيقاعات المركبة ، مع موشحات مبنية على نصوص لموشحات أندلسية ، تعتمد مبدأ التناوب بين أبيات تعتمد على وزنين مختلفين ،  ملحنة  حسب القالب الأندلسي لتلحين الموشحات  ،المستند إلى  لحنين متناوبين أيضاً ،مبنيين على الإيقاعات المركبة ، معتمداً  على طريقة  الأستاذ عزيز غنام في التوافق الإيقاعي ، المخالفة لأسلوب تلحين الموشحات الحلبية ،ولأسلوب تلحين الموشحات الأندلسية القديمة . أتى هذا خاصة في توثيق ما قدمه للأستاذ صباح فخري في مسلسل الوادي الكبير ، الذي دارت أحداثه في الأندلس .

ثم  قدم ،إضافة إلى هذا ، وفي ألحانه لمسلسل المغنون،الذي وثق لمغني الفترتين الأموية والعباسية ،ومنهم معبد وابراهيم الموصلي وعزة الميلاء، ألحاناً على الأسلوب ذاته ، المعتمد على التوافق بين الإيقاعين الموسيقي والشعري ، مبنية على قصائد تعود للفترة المعروضة ، ومرتبطة بإبقاعات مركبة ، ولاتحتوي أي تناوب في الألحان ، بسبب كونها قصائد متتالية الأبيات.وبالنتيجة رأى الأستاذ أبو الشامات أن تحديد قالب العمل،  موشحاً هو  أم قصيدة ، يعود أولاً إلى الشكل الشعري ،لا إلى أسلوب التلحين ، وهذا رأي جديد يحتاج للنقاش.

قام الأستاذ أبو الشامات ، بوضع إيقاعات خاصة تحقق التوافق المطلوب بين الإيقاعين الموسيقي والشعري ،حيث ظهرت في ألحانه إيقاعات جديدة كثيرة  ،و بتسميات خاصة .ففي قصيدة  رقص الدوح على مقام الراست ، نجد إيقاعاً جديداً دعاه إيقاع الدوح ، أما في قصيدة مالبدري فالإيقاع الجديد هو إيقاع الخاطر ، وكذلك أتى الإيقاع في  قصيدة  ياقاتلي تحت اسم: عروضي جديد بينما أتى إيقاع آخر تحت اسم: مركب جديد في قصيدة لا أخون الصديق.

اعتمد الأستاذ أبو الشامات على مقامات موسيقية متنوعة ، كان مقام الحجاز كار أكثرها تداولاً حيث  ورد في 17 عملاً تلاه مقام  العجم  الوارد 16  مرة ، فمقام الحجاز 12 مرة ، بينما تساوى مقاما الراست والزنجران  11 مرة ، فالهزام 10 مرات ، فالنوأثر 9 ، فالشوري 7 ، فالكرد 6 مرات ،وصولاً إلى الحجاز كار كرد 5 ، فالنهوند والنكريز 4   ، فالبيات و الصبا والعراق 3  مرات ، إلى  البستنكار مرتان فالسيكاه و الفرحفزا مرة واحدة ، كما استند ،وبتأثير من التجريبية في الإيقاعات ،  إلى مقامات مركبة ، كمقام صبا – عجم و مقام نهوند  – عجم ، بحيث كان الإجمالي 127  عملاً  ، مقدماً لنا طيفاً واسعاً من الأجواء التي اعتمدت على نصوص حديثة لعبد العزيز البابطين  ونظمي عبد العزيز ومحمد حربلي و قديمة لابن زهر وابن بقي .

بقي أن أشير إلى أن هذا الجهد يكرس أسلوباً جديداً ،يسعى الملحنون من خلاله لتوثيق أعمالهم ، في ظل غياب أعمال التوثيق التي تتبناها مؤسسات ثقافية معنية بالموضوع ، ولعلنا نأمل أن يتجهوا أيضاً إلى التوثيق ، بطرح تسجيلات تلك الأعمال ، لكي يطلع عليها العامة والخاصة ، وفي هذا خير عميم ،  للموسيقى العربية ومحبيها.

د. سعد الله آغا القلعة

 

Bookmark the permalink.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.