هل يسجل التاريخ كل جديد ؟ و هل كل جديد مهم؟

شعار كتاب الأغاني الثاني

كنت قد حددتُ في نشرتي السابقة ، الفرق بين النجومية والأهمية، وذلك في معرض إجابتي عن السؤال ، حول أسباب تركيزي على توثيق كل جديد ، وإرجاعه إلى صاحبه ، إذ اعتبرت أن التاريخ يوفر في سجل صفحاته مساحات أوسع للأعمال ذات الأهمية ، التي حملت الجديد ، والتي أنتجتها فترة النهضة الموسيقية العربية في القرن العشرين ، على حساب المساحات التي يخصصها لتوثيق نتاج نجوم اليوم ،الذي يفتقد أغلبه ، رغم لمحات جمالية فيه ، العناصر الجديدة ، التي تستأهل التوثيق والتأريخ.
تابع صاحب السؤال حينها سائلاً: ركزتَ في كلامك على مصطلح محدد : الجديد . ماهو الجديد ؟ وكيف يولد ؟ وهل يسجل التاريخ كل جديد؟ وهل كل جديد مهم؟
من حيث المبدأ ، يهتم التاريخ بتوثيق العناصر الجديدة ، ويهتم بإرجاع كل جديد إلى الشخص الذي ابتدعه . ولكنه في هذا لا يوثق لكل جديد ، بل للجديد الذي يلهم الآخرين ، للجديد الذي يفتح الباب أمام فضاءات إبداعية جديدة. يحدث هذا حين يسعى من ولَّد هذا العنصر الجديد ، أو كل مهتم ، لسبر أغوار ذلك العنصر ، واستنباط مداخل مختلفة له ، ومسارات وتفاعلات أخرى تطوِّره ، وهم في ذلك يبتدعون في كل مرة جديداً ، يلهم آخرين أيضاً ، لتوليد فضاءات جديدة ..لا تنتهي.
ولو تمعنا أكثر في هذا المبدأ ، لوجدنا أنه يصح ، ليس فقط في الموسيقى ، وإنما في الفنون والآداب ، بل وفي العلوم أيضاً. بالنتيجة : الجديد المهم ، والذي يسجله التاريخ ، هو الذي يلهم الآخرين .
ولاشك في أن التنافس الذي عاشه المبدعون في عصر النهضة ، أمثال محمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي و رياض السنباطي وفريد الأطرش ، كان ضاغطاً بشدة ، فالكل ، في مجال الإبداع ، يستمع باهتمام إلى نتاج الكل ، والكل يسعى لابتداع الجديد ، مستفيداً من أداة نشر جديدة ، أو ساعياً للتوافق مع قيود جديدة ، تفرضها تقنية جديدة ، أو باحثاً عن صوت جديد ، قادر على نشر و إغناء نتاجه ، أو ساعياً وراء قبول صوت شهير ، كأم كلثوم أو أسمهان أو فيروز ، لنشر جديده ، والكل ، في مجال النقد ، يسعى لتسليط الضوء على كل جديد ، والكل ، في مجال الإنتاج ، يسعى للبحث عن الجديد ، لعرضه ونشره.
طبعاً ليس من المهم أن يكون هذا الجديد أصيلاً تماماً ، وإنما يمكن أن يكون إضافة جديدة ، على عنصر فني أصيل ، مستقر في وجدان المبدعين ، أو سبكاً أو إدماجاً لعناصر أصيلة مستقرة ،يولِّد جديداً ، أو تغييراً في درجة التوازن بين تلك العناصر الأصيلة المستقرة ، لإضفاء درجة توازن مختلفة ، أو سبكاً أو إدماجاً لعناصر أصيلة مستقرة ، مع عناصر أصيلة مستقرة في عوالم موسيقية أخرى ، لتوليد فضاءات إبداعية جديدة.
ولما كان لكل مبدع طريقته في اختزان المعرفة التي ولدتها فترة النهضة ، و أسلوبه الخاص في التعبير عن أحاسيسه ومشاعره ، فلاشك في أن جديده سيكون مختلفاً عن جديد غيره ، مما سينتج تلوينات مختلفة على العنصر الأصيل ، أو على العناصر الأصيلة التي دخلت في عملية السبك والإدماج ، ما يولِّد مدارس تلحينية مختلفة.
بالمقابل كم من جديد وُلد وذرته الرياح ، دون أن ينتبه إليه أحد ، أو انتبه إليه الآخرون ، فلم يلهمهم أي فكرة جديدة تبنى عليه؟ فتجاوزه التاريخ؟ نعم .. قد يتنطح البعض لتوليد الجديد ، دون أي نجاح يذكر ، لأن الإبداع لا يكون دون المرور بمراحل سابقة ، أهمها الاستناد إلى اختزان واعٍ للماضي ، و ممارسة التوليد على العناصر الإبداعية الأصيلة المستقرة ، وذلك قبل الدخول في أي عملية للسبك والإدماج ، وصولاً إلى ابتداع الجديد ، ولذا فلاشك في أن ناتج أي محاولة لإبتداع الجديد ، من قبل شخص لا يتحلى بالمعرفة ، ولا بالحس الفني ، ستكون له قيمة فنية محدودة ، أو سيكون بدون أي قيمة ، فيهمله الجميع ، ويبقى خارج التاريخ.
ولكن ، قد يظلم التاريخ المبدعين ، وما أكثر المظلومين ، إذ تجانبهم الشهرة ، ولا تسلط عليهم الأضواء ، من قبل النقاد والباحثين ، و من قبل أدوات الإعلام ، فيذهب جديدهم ، دون أن يجد له مكاناً على صفحات التاريخ. حدث هذا في الماضي ، بسبب وفرة الإنتاج الحامل للجديد ، أو تسليط الأضواء على البعض ، دون غيرهم ، ويحدث اليوم ، بعد أن ابتعد النقد عن دوره الأساسي في توجيه ذائقة الجمهور ، وفي تسليط الأضواء على الإبداع أينما وجد ، ليصبح همّه ، في غالب الأحيان ، وعبر أدوات إعلامية فقدت إهتمامها بالإبداع ، الترويجَ لأي نتاج ، بغض النظر عن قيمته الفنية!
استوقفني صاحب السؤال قائلاً : قبل أن تتابع .. كأني ألحظ في حديثك علاقة ما ، بين النقد و بين ما يسجله التاريخ .. فهل يمكنك إيضاح ذلك ؟
ولهذا إجابة قادمة!

د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

Comments are closed.