مقدمة كتاب حياة وفن فيروز والأخوين رحباني في نسخته متعددة الوسائط – الجزء الأول 1926- 1948 – التحولات الكبرى تولِّد الإبداعات الكبرى

شعار كتاب الأغاني الثاني

أبدأ مع الجزء الأول من كتاب حياة وفن فيروز و الأخوين رحباني،  في موسوعة كتاب الأغاني الثاني، أي في نسخة الكتاب متعددة الوسائط ،  نشر حصيلة جهد استغرق حوالي 9 سنوات، اشتمل حتى الآن، على توثيق 1132 سجلاً للأعمال الغنائية للسيدة فيروز، في نظام معلومات الموسيقى العربية، وتوثيق  أكثر من720 دراسة أو مقالاً أو فصلاً من كتاب عن المدرسة الرحبانية، بشكل رقمي، ما سمح بإجراء البحث في نصوصها، وبتقاطع المعلومات فيما بينهما، بهدف حسم التناقض الذي كثيراً ما برز بينها، وبالتوصل بالتالي إلى نتائج جديدة.

الباب الأول

أعرض في الباب الأول من كتاب حياة وفن فيروز للتحولات الكبرى التي حلت بالمنطقة العربية، في بدايات القرن العشرين، بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، و لما سببته تلك التحولات من توليد لإبداعات كبرى، على المستويات السياسية والفكرية والأدبية والفنية عموماً، و الموسيقية خصوصاً، تلك الإبداعات التي وجدت تجلياتها أولاً، في تثبيت موقع القاهرة، كمركز إشعاع موسيقي جديد على شبكة موسيقى المدن العربية، بعد تأثر مركز حلب، بفعل عوامل سياسية واقتصادية، جعلته يتحول لمركز اختزان للتراث الموسيقي العربي، وفي نشوء مركز بيروت، في مسار موازٍ لمركز القاهرة، غير مسبوق في تاريخ مراكز موسيقى المدن العربية، إذ كانت المراكز، كما سنرى، تتتالى ولا تتوازى!

أتوقف في الفصل الأول عند الأسباب التاريخية والسياسية والدينية، التي دفعت عائلة وديع حداد، والد نهاد حداد (فيروز)، لتهاجر في عشرينات القرن العشرين، من سورية، إلى جبل لبنان، ومنه، مع كثيرين من أهل الجبل، إلى بيروت، عاصمة الكيان الجديد: لبنان الكبير، الذي أنشأته فرنسا، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ولم يكن يحقق الإجماع!

في الفصل الثاني، أُعرِّف شبكة موسيقى المدن العربية، التي كانت تجمع حواضر العالم العربي، في شبكة تتناقل الرصيد الموسيقي، بشكل مستقل عن شبكات الموسيقى في الأرياف العربية، متوقفاً عند دور حلب ودمشق في تحفيز النهضة الموسيقية في القاهرة، على الشبكة، وعند دور بيروت كمتلقٍ لنتاجها الموسيقي، والعناصر التي ستحول بيروت بالتدريج، لتكون مركزاً إبداعياً منافساً لمركز القاهرة، قادراً على بث نتاجه عبر الشبكة، من خلال أثير إذاعة دمشق أساساً، وهو النتاج الذي كانت فيروز، المحرض والناشر الأهم له.

أما في الفصل الثالث فإنني ألخص الظروف الاستثنائية التي ولَّدها القرن العشرون، والتي أدت إلى تغييرٍ جذري في عناصر اللغة الموسيقية التي كانت سائدة، كما أصف مراحل تشكل العناصر الجديدة، التي دخلت على الموسيقى العربية، عندما انتقل مركز إنتاج رصيدها،  في نهايات القرن التاسع عشر، من بلاد الشام، ليستقر في القاهرة، لعقودٍ من الزمن، بحيث  أصبحت القاهرة تشكل المكون الأول للرصيد الفني على شبكة موسيقى المدن العربية المشرقية.
أتوقف تالياً في ذلك الفصل عند مراحل خروج بيروت تدريجياً من تأثير حلب ودمشق، الأكثر قرباً ، لتدخل خلال النصف الأول من القرن العشرين، في إطار تأثير النتاج الجديد لمركز القاهرة الموسيقي، في إطار الشبكة الموسيقية للمدن العربية، بتأثير التقنيات الجديدة العابرة للحدود، مع ممانعة واضحة، في البداية،  لتسرب فنون جبل لبنان إليها، قبل أن تؤسس تلك العناصر، إلى جانب عناصر اخرى، في منتصف خمسينات القرن العشرين، لتشكيل مركز جديد موازٍ  في بيروت، ستكون فيروز المحرض والناشر الأهم لنتاجه..

لأتوقف في الفصل الرابع عند المكون الثاني القادم إلى بيروت: اللغة الموسيقية السائدة في جبل لبنان.

من المنتظر أن تكون تلك اللغة الموسيقية ريفية، في إطار الشبكة الموسيقية الريفية الشامية، ولكنها في الواقع لم تكن تماماً ريفية فقط، بل إنني أقول بأن التلاطم الأول والأكثف بين لغات موسيقية متباينة، كما تلاطم الموجات، في مدِّها وجزرها، وذراها وانحساراتها، و أن المحرض للتنافس، ولسعي كل لغة موسيقية منها للبقاء والانتشار، لم يكن في بيروت، بل كان في جبل لبنان، كما سنرى!

يلخص هذا الفصل إذاً، الواقع الموسيقي في جبل لبنان، بفنونه ذات الطابع الريفي والجبلي الشامي، وكذلك التيارات الموسيقية فيه، المعبرة عن تيارات فكرية مختلفة، وصولاً إلى توصيف إرهاصات تشكل مركز بيروت الموسيقي، كمركز موازٍ لمركز القاهرة.

الباب الثاني

أركز في هذا الباب، على المرحلة التالية لكل تحولات كبرى، وخاصة في لبنان الكبير: رؤى متعددة تتولّد، في جبل لبنان، وتتلاطم فيما بينها، ومع الرؤى السائدة في بيروت، العاصمة الجديدة الجامعة، لتهزّ أفكار الباحثين عن الجديد، فتولِّد في خلاياهم التفتح للمعرفة والاختيار، إن لم يكن للرفض والبحث عن الجديد!

سأبحث في الإرهاصات التي رافقت تشكل مركز بيروت الموسيقي، في الفترة التي سبقت لقاء فيروز مع الأخوين عاصي ومنصور رحباني، وذلك من خلال البحث في منابعهم  المباشرة، وكيفية تفتح خلاياهم للمعرفة، وكذلك من خلال تتبع مسارات شخصيات أخرى، أسهمت في مسيرة فيروز، وفي تشكل مركز بيروت الموسيقي، كالأخوين فليفل في بيروت، وحليم الرومي، القادم من فلسطين مثلاً، ومن خلال أدوات نشر أساسية، كالإذاعات، التي كانت الدعامة الرئيسية لتشكل أي مركز إنتاج موسيقي معاصر على شبكة موسيقى المدن العربية، والتي ستكون الناشر الأساسي لنتاج فيروز والأخوين رحباني الموسيقي، على الأقل في المراحل الأولى.

أتتبع في الفصل الأول مجريات الأحداث، منذ ولادة عاصي رحباني، وحتى انطلاق الحرب العالمية الثانية، عبر أربعة محاور: تشكل المنابع الأولى لفكر الأخوين رحباني الموسيقي، وولادة الإذاعات الأولى، وبروز الأخوين فليفل في بيروت، وبراعم الفن التي تتفتح عند فيروز مع تشكل مخزونها اللحني الأول، وبروز صوتها كصوت استثنائي ينتظر الفرصة القادمة.

في الفصل الثاني أتوقف عند مجريات الأحداث، ابتداءً من عام 1938، الذي كان إذاً عاماً مفصلياً في حياة الأخوين رحباني، من جهة، وفيروز، من جهة أخرى، على صُعد عديدة، وصولاً إلى رصد انعكاسات انطلاق الأعمال الحربية في إطار الحرب العالمية الثانية، على شبكة موسيقى المدن العربية، أولاً، وعلى مركز بيروت الموسيقي الواعد، ثانياً، إذ ستولد، بفعل تلك الأعمال الحربية، أدواتٌ لأغراض سياسية، سرعان ما ستُسهِّل انتشار النتاج المشترك للأخوين رحباني وفيروز!

نصل في الفصل الثالث إلى عام 1942.  الحرب العالمية لا تزال تطحن البشر والحجر، فيما يسعى الانتداب الفرنسي، الذي تحول من السلطة الفيشية الموالية لألمانيا، إلى فرنسا الحرة الموالية للحلفاء، لتثبيت استقرار لبنان الكبير في جمهوريته اللبنانية، ليكون، كما هدف منظروه، جسراً اقتصادياً وحضارياً وفكرياً بين الشرق والغرب، ولتكريس بيروت عاصمةً للساحل والجبل، لتتلاطم الرؤى فيها، فتحفز، إما تعايشها، أو رفضها كلية، والسعي لجديد!

أطرح في الفصل الرابع أسئلة حول الفرص التي سيحملها استقلال لبنان في عام 1943، ومدى تحريضه لأولى محاولات الاستقلال الغنائي، وحول الانعكاسات المتناقضة لاجتذاب السينما الغنائية في القاهرة للأصوات اللبنانية على ولادة مركز الموسيقى الناهض في بيروت؟ وحول مدى تأثير استسلام الألمان وحلفائهم في عام 1945، وولادة الجامعة العربية، في العام ذاته، ثم استقلال سورية في 1946 ونكبة فلسطين عام 1948 على مسيرة فيروز؟ سنرى وبالتفصيل أن هذه الأحداث كانت عناصر أساسية، ستسهم في تشكيل الظروف الممهدة لبناء المؤسسة الجديدة: الرحبانيان، مع فيروز.

الباب الثالث القادم

سأتتبع في الباب الثالث من هذا الكتاب، و في ظل المستجدات التي ستسيطر على الأحداث في عامي 1948 و 1949، المسارات الموسيقية المتناقضة لكل من الأخوين رحباني، مع صوت شقيقتهما سلوى (نجوى)، و نهاد حداد (فيروز)، مع الأخوين فليفل، ثم مع حليم الرومي ونقولا المني وخالد أبو النصر وآخرين، كما سيشهد هذا الباب، بدايات دخولنا في التحليل الموسيقي،  لإبراز ذلك التناقض، بعد اكتمال توصيفنا لتكوُّن منابع وأدوات الأخوين رحباني، و لاستكمال تدريب صوت فيروز، ما سيستدعي أيضاً، استعراض عناصر اللغة الموسيقية كما تطورت في مصر في نهاية الأربعينات، من خلال السينما أساساً، و كذلك استعراض طبائع الأصوات المنافسة في بيروت  لصوت فيروز، سواء أكانت الأصوات السائدة في بيروت، في نهاية أربعينات القرن العشرين، أم الأصوات اللبنانية الواصلة عبر السينما المصرية، ففي هذا الاستعراض كشفٌ عن الفرصة العابرة التي أتيحت لفيروز، لتستغلها أفضل استغلال، ولتصبح، مع الوقت، إحدى شهيرات العالم!

سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

Comments are closed.