ولماذا لا نحتفي بمن غيَّبته الأضواء بعد رحيله؟ الأستاذ الملحن إبراهيم جودت على سبيل المثال!

شعار كتاب الأغاني الثاني

يشكل نظام معلومات الموسيقى العربية ، حيث ترتبط الأحداث بتواريخ حدوثها ، نقطة انطلاق لاستدراك تقصير أملته ظروف الحياة اليومية و واقع الاعتياد على تسليط الضوء على أسماء درج العالم على الاحتفاء بها كل عام!  ولذا فإنني أطرح اليوم هذا السؤال : لماذا لا نسلط الأضواء على كانت لهم بصمة مؤثرة في محيطهم ، ثم غابت عنهم دائرة الأضواء بعد رحيلهم ، إذ أن استعراضي المتجدد لذلك النظام ، بغرض تتبع تسلسل الأحداث المتصلة بالموسيقى في كل يوم من أيام السنة ، بدأ يضع أمامي شخصيات غيَّبتها الذاكرة ، رغم معرفتي اللصيقة بها وبتاريخها ، لصالح من رافقتهم الأضواء حتى بعد رحيلهم!

وفي هذا الإطار ، فإنني أحتفي اليوم بذكرى رحيل الملحن السوري إبراهيم جودت ، في العاشر من شهر ديسمبر / كانون الأول 2010 ، وسيكون هذا فاتحة مسار جديد لحالات كثيرة مماثلة!

ولد إبراهيم جودت في حلب عام 1934. بدأ بتعلم العزف على آلة العود في عام 1948 على يد عازف الناي محمد عبده ، ثم انتسب في عام 1950 للمعهد الموسيقي في حلب ،  الذي أسسه الدكتور فؤاد رجائي آغا القلعة وكان يدرِّس فيه كبار الموسيقيين ،  أمثال الشيخ علي الدرويش ، وابنه نديم الدرويش ، و مجدي العقيلي وشكري الإنطكلي و غيرهم من المختصين كل في مجاله. في عام 1954 تخرج إبراهيم جودت من المعهد الموسيقي بحلب ، وكان ذلك في العام ذاته الذي دخلت فيه المعهد لدراسة الموسيقى فلم أعاصر وجود الأستاذ إبراهيم في المعهد ، و لكن أخي الدكتور أحمد كان زميلاً له وصديقاً.

تقدم إبراهيم جودت للعمل في إذاعة حلب كعازف وملحن. يستذكر دائماً أهمية إذاعة حلب في صقل مواهبه ، وخاصة لجنة الاستماع فيها والتي كانت برئاسة المؤلف الموسيقي و عازف الكمان الشهير توفيق الصباغ ، و عضوية  الملحن وعازف العود والنشأتكار عزيز غنام و الملحن و عازف البيانو أنطوان ظابيطا ، و الأستاذ ممدوح الجابري وغيرهم . كانت اللجنة كما يقول الأستاذ ابرهيم جودت أصعب لجنة يمكن أن يمر أمامها عازف أو ملحن ، وكانت ترفض أي لحن فيه أي تشابه ولو عابر مع أي لحن سابق .. يستذكر أنه تقدم أمامها بلحنه الأول وكان لقصيدة ابن زيدون : جازيتني عن تمادي الوصل هجرانا ، وأن أعضاء اللجنة وبعد الاستماع إلى اللحن طلبوا تغيير المقام الموسيقي ، فعاد بعد مدة وقد فعل ذلك ، فأعادوا طلب تغيير المقام الموسيقي مجدداً ، وكرروا ذلك عدة مرات! وبعد حوالي سنة عادوا فقبلوا لحنه الأول! كانت هذه طريقتهم في صقل مواهب الملحنين الجدد ، وتعليمهم كيفية التعامل مع النصوص من زوايا مختلفة ولو كان اللحن الأول هو الأفضل!

مع افتتاح التلفزيون السوري في عام 1960 انتقل أغلب فناني إذاعة حلب إلى دمشق ، ومنهم الأساتذة المطربون صباح فخري ومحمد خيري و مصطفى ماهر وسحر والموسيقيون والملحنون عزيز غنام وسمير حلمي و إبراهيم و غيرهم ، كان منهم إبراهيم جودت الذي عيِّن وفي عام 1969 رئيساً لدائرة الموسيقى في إذاعة دمشق.

وضع إبراهيم الكثير من الألحان في مجال الموشحات والأغاني العاطفية و الوطنية ، كما وضع الموسيقى التصويرية للمسرحيات التي كان يقدمها المسرح القومي بدمشق   و كذلك لمسرح العرائس ، ومع ولادة المسلسلات التلفزيونية ، انتقل إلى وضع الموسيقى التصويرية للعديد من المسلسلات التلفزيونية و الأفلام السينمائية.

أنشر اليوم من ألحانه أغنية ” إذا الربيع أتى ” بصوت الأستاذ صباح فخري ، التي أتت في سياق مسلسل الوادي الكبير الذي عرض في عام 1974 وكان من بطولة وردة الجزائرية وصباح فخري ، فيما نشرت قبل قليل حلقة كاملة  من برنامجي التلفزيوني العرب والموسيقى ، كنت عرضت فيها لتطور أنماط التأليف الموسيقي العربي وصولاً إلى الموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات ، و استقراء إمكانية التحول إلى التأليف الموسيقي الخالص الذي لا يتصل بنص أو بمشهد ، وكان ضيف الحلقة الأستاذ إبراهيم جودت.


د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *