• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

  • ***احتفاءً بمرور عشر سنوات على إطلاق الموقع ، الدكتور سعد الله آغا القلعة يعلن فتح الموقع للزوار اعتباراً من اليوم لتكون موسوعة كتاب الأغاني الثاني في متناول الجميع***

موشح نبه الندمان صاحِ بصوت الأستاذ صباح فخري : عندما يلعب الإيقاع و الآهات دور التعبير عن معاني النص البهيجة!

شعار كتاب الأغاني الثاني

أتوقف بين وقت وآخر ، عند مكامن التعبير في ألحان الموشحات ، التي كثيراً ما شاع أنها تتجه أساساً للتطريب ، ولا تلقي للتعبير عن المعاني أي وزن.
كان هذا عندما أبرزتُ ، مثلاً ، دور التغني بلفظة أمان ، في التعبير عن المعاني ، في الموشح الأشهر : لما بدا يتثنى ، إضافة إلى حالات أخرى سابقة ، وها أنا أتابع في السياق ذاته ، فأنشر موشح ” نبه الندمان صاحِ ” على مقام الحجاز كار ، أداء الأستاذ صباح فخري ، وأتوقف عند مكامن التعبير فيه.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الموشح يُنسب للشيخ سيد درويش ، وهذا محتمل ، نظراً لما تضمنته خلايا اللحن من تعبيرية ، أتوقف اليوم عندها بالتحليل ، وإن كانت مرجعية اللحن لسيد درويش لا تزال بحاجة إلى إثبات ، إذ وُثِّقَ في حلب على أنه قديم.
يجسد هذا الموشح حالة خاصة ، إذ أن لحنه بُني على إيقاع نقش الهزج ، الذي يصل عدد نبضاته إلى 40 نبضة ، و يتشكل من ثلاثة إيقاعات متتالية : الهزج وعدد نبضاته 22 نبضة ( 22/4 ) ، وهو إيقاع نادر الاستخدام ، والمدور التركي وعددها 12 نبضة ( 12/4 ) ، و المدور العربي وعددها 6 نبضات (6/4) . تمتد الدورة الإيقاعية الواحدة لإيقاع نقش الهزج ، على دور كامل من أدوار الموشح ، كما سنرى لاحقاً.
لم يتوقف أحد ، في حدود علمي ، عند السبب الأساسي ، الذي وجه الملحن ، لكي يركِّب ثلاثة إيقاعات ، لبناء لحن هذا الموشح عليها ، إذ يكتفي الدارسون بإيراد المعلومة ، في إطار محايد!
أنا أرى أن هذا التركيب جاء لغايات تعبيرية واضحة ، خاصة إن علمنا أن الإيقاع الثاني ، أي المدور التركي ، يولِّد بهجة واضحة ، تتوافق مع مواقع في النص ، تتطلب ذلك!

لنستعرض النص أولاً مع تثبيت الإيقاعات في مواقعها ، ما يسهم في اكتشافها لدى الاستماع إلى التسجيل ، ثم نتابع التعليق عليه ، مع التأكيد من الآن على المفردات التي وضعتها بين قوسين:
الإيقاع الأول : نبه الندمان صاحِ * إن داعي الأنس صاح * حيث من أيدي الملاح
الإيقاع الثاني : لاح ” نجم السعد” لاح ( سلسلة )
الإيقاع الثالث : وعيون الورد تسجم ( أي تسيل ) * دمعها فوق البطاح * وثغور الزهر تبسم
الإيقاع الثاني : عن ” لآلٍ وأقاح ” / ( سلسلة )
الإيقاع الأول : كوكب للحسن دارا * فمحا شمس النهار * ضوء خديه أنارا
الإيقاع الثاني : منه لي ” نورٌ ونار ” / ( سلسلة )
الإيقاع الثالث : يا كليم العشق كلِّم * إن باقي العمر راح * والهوى العذري علَّم
الإيقاع الثاني : أهله ” خلع العذار ” / ( سلسلة )

نلاحظ لدى استعراض النص ، أن الإيقاع الثاني ، أي المدور التركي ، أتى في طابع بهيج ، عند مفردات محددة : ” نجم السعد ” ، ” لآلٍ وأقاح ” ” نورٌ ونار ” ، ” خلع العذار ” ، وكلها مفردات تتطلب ذروة لحنية وإيقاعية ، للتعبير عن الشعور عندما يلوح نجم السعد من أيدي الملاح ، و يتبسم الثغر فيظهر اللؤلؤ ، و يشع النور و تلتهب النار من الخدين ، وصولاً إلى ” خلع العِذار ” ومعناها : يقال : خلَع فلانٌ عِذاره : انهمك في الغَيِّ ولم يسْتَحِ ، وهنا نلاحظ تطور النص من النجم إلى اللآلئ إلى النار إلى خلع العِذار! فلم يجد الملحن أمامه إلا أن يبني لحنه على إيقاع بهيج معبر! ولم يكتف بهذا ، فأضاف الآهات في بداية الشطرات التي ارتبطت بالإيقاع البهيج ، ليزيد من بهجة اللحن!
تجدر الإشارة إلى أنه من السهل رصد ملامح تعبيرية أخرى ، في تصاعد اللحن مثلاً ، عند كلمة صاح ، وعند كلمة لاح.
نلاحظ أيضاً ورود كلمة ( سلسلة ) إلى جانب الشطرات التي أتت على الإيقاع الثاني ، وهي ، وباختصار شديد ، عبارة عن لحن خاص ، يتكرر ، و يتناوب مع ألحان الأدوار الأخرى ، ما يجعله يترسخ في ذاكرة المستمعين ، ويحرض الطرب في وجدانهم.
يبدأ التسجيل بأداء الفرقة الموسيقية لخانة وتسليم من سماعي شد عربان جميل بك ، مصوراً على درجة الدو ، للتمهيد للغناء ، بحسبان أن الدرجات الصوتية متماثلة للمقامين ، ثم يؤدي الأستاذ صباح موشح نبه الندمان ، فموشح ” أفديه ظبياً إن ابتسم ” ، وهو على إيقاع اليوروك ، وعدد نبضاته 6 نبضات ( 6/8) ، وقد رأيت المتابعة في نشره ضمن التسجيل ، لأن عازف الرق سيؤدي الإيقاع مباشرة ، وبشكل واضح ، قبل الدخول في الغناء ، ما يوضح التغير الإيقاعي بين موشحين متتاليين ، مع تسارع الإيقاع ، وذلك وفق مراسيم زرياب ، التي ولدت في الأندلس ، في ضرورة تسارع الإيقاعات ، في سياق وصلة الموشحات .

نص الموشح الثاني : نلاحظ أن الأستاذ صباح فخري اعتمد كلمات : مبتسم ، رُسم ، قُسم في هذا التسجيل ، ثم عاد فسجله لاحقاً وفق الكلمات ما بين القوسين

أفديه ظبياً مبتسم ( ابتسم ) * في خده الخال رُسم ( ارتسم ) * هواك يابدر قُسم ( قَسم )
ولم أزل أهوى الغزل * وصادني باهي المقل
في خده تلقى البياض* هيا بنا إلى الرياض * والجفن منه السحر فاض
ولم أزل أهوى الغزل * وصادني باهي المقل

نتابع الآن هذا الموشح في تسجيل نادر للأستاذ صباح فخري ، الذي يؤدي الموشح في تعبيرية لافتة.

د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

Comments are closed.