شلالات جميل بشير في ذكراه: مغامرة جمعت أوتاراً من ثلاث قارات و أبرزت دفء الشرق!

شعار كتاب الأغاني الثاني

في ذكرى رحيل الموسيقار العراقي جميل بشير ، أحد أبرز أعلام المدرسة العراقية في العزف على العود ، ومدير قسم الموسيقى في الإذاعة والتلفزيون ، أتوقف عند مغامرة خاضها ، عندما فكر في أن يجمع ثلاث آلات موسيقية وترية : آلة الهارب الأوربية و آلة الجيتار في صورتها الأمريكية اللاتينية ، مع آلة العود المشرقية في صورتها العراقية ، وأن يتمكن من إبراز مواطن التميز في آلة العود ، نسبة لآلات الغرب.
جاء ذلك عندما زارت فرقة موسيقية أرجنتينية العراق ، في منتصف ستينات القرن الماضي ، فحفزت في فكره ،  أن يخوض تلك المغامرة التي كانت غير مضمونة النتائج!

جميل بشير
ولد الموسيقار جميل بشير في مدينة الموصل عام 1921 وتوفي في لندن في 27 سبتمبر/ أيلول عام 1977 . انتسب إلى المعهد الموسيقي ببغداد نهاية الثلاثينات ، فدرس العزف على آلة الكمان على يد الأستاذ الروماني ساندو آلبو ، ودرس آلة العود على يد الشريف محي الدين حيدر. كان جميل بشير صاحب فكر موسيقي غامر ، واستطاع الانتقال بآلة العود لتعبر عن هذا الفكر مستقلة عن الفرقة الموسيقية ، وفي اعتقادي أنه أثر كثيراً في ترسيخ ملامح المدرسة العراقية في العزف على العود ، لتستمر اليوم على أيدي العديد من العازفين المبدعين ، أمثال الأستاذ نصير شمة وغيره.. رغم أنه لم يحظ بالشهرة التي حازها شقيقه منير بشير ، الذي استطاع أن يدخل مجالات أوسع ، إذ أتيحت له الفرصة لكي يقدم عزفه في مختلف دول العالم ، فيحظى بالإعجاب والتقدير..

ضبط العود
يمكن من مراقبة التسجيل ، الكشف عن أسلوب ضبط العود عند جميل بشير : يتم العزف على ستة أوتار : وهي من الأعلى إلى الأسفل : ري قرار ، مي قرار ، لا ، ري ، صول جواب ، صول قرار . هذا ضبط عجيب للأوتار ، فالأوتار الخاصة بالأصوات العريضة ، موجودة في الأعلى والأسفل ، وهي تحيط بالأوتار التي تؤدي اللحن الرئيسي ، على عكس أوتار العود التقليدية ، حيث تتصاعد حدة الأصوات الموسيقية من الأعلى إلى الأسفل ، كما أن الطبقة الموسيقية أعلى بمقدار درجة صوتية واحدة ، عن أسلوب ضبط العود التقليدي ، وهو ما يكسب العود رنيناً خاصاً ، و قدرات صوتية مختلفة ، تلائم العزف الإفرادي ، ولا تتصل بدور العود التقليدي كما أسلفت أعلاه.

شلالات
في معزوفة شلالات : هناك ثلاثة أبطال : الهارب – العازف ليوناردو فيكارو ، : الذي يصور شلالات المياه في سرعتها وصخبها وهي تسقط من علٍ ، والجيتار : العازفان جورجيو أورديس و أمادو بيثوا ، الذي يصور أجواء أمريكا اللاتينية ، أما العود : جميل بشير ، فقد صور دفء وحنان الشرق.
جاءت معزوفة شلالات على مقام النهاوند ( مينور ) على الري ، في الأقسام المصورة لسحر الشرق ، وعلى مقام العجم ( ماجور ) على درجة الفا ، في الأقسام المعبرة عن أجواء أمريكا اللاتينية.
تميز جميل بشير في معزوفة شلالات ، بريشته الرقيقة ، و بتوظيفه للأصوات الموسيقية المتداخلة والمنسجمة ، و بقدرته على زلق أصابع يده اليسرى على طول زند العود بيسر وبراعة ، مع دعم ذلك باهتزاز اليد اليسرى ، ما وفر صدى يفوح في فضاء اللحن ، و أكسب عزفه دفئاً وحناناً ، رغب في إبرازه أمام صلابة أوتار الهارب والجيتار.. ولكن ” شلالات ” صورت أيضاً ، وهو الأهم ، عاطفة الفنان ، وهو يرقب شلالات المياه تتساقط أمامه ، بألوانها ، فتفيض عاطفته من سحر المشهد ، و يرتعش قلبه ، لينعكس عاطفة وارتعاشاً في نقرات على العود .. دافئة ، وهو ما يفسر أن المعزوفة تبدأ بالهارب ، مصوِّر الشلالات ، وتنتهي به!


د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

2 Responses to شلالات جميل بشير في ذكراه: مغامرة جمعت أوتاراً من ثلاث قارات و أبرزت دفء الشرق!

  1. سوسن خضير says:

    السيد الدكتور سعد الله اغا القلعة
    دائما تبدع بكل شيء تنشره وذلك لثقافتك الفنية ، انك لكنز غني بالمعلومات / مع خالص الشكر والتقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *