• هل تريد استلام رسالة بكل جديد على الموقع ؟ أنقر هنا

شلالات لجميل بشير : مغامرة جمعت أوتاراً من ثلاث قارات و أبرزت دفء الشرق!

شعار كتاب الأغاني الثاني

في منتصف ستينات القرن الماضي ، زارت فرقة موسيقية أرجنتينية العراق ، فحفزت في فكر  جميل بشير ، أحد أبرز أعلام المدرسة العراقية في العزف على العود ، ومدير قسم الموسيقى في الإذاعة والتلفزيون ، أن يخوض مغامرة غير مضمونة النتائج ، وذلك في أن يجمع ثلاث آلات موسيقية وترية : آلة الهارب الأوربية و آلة الجيتار في صورتها الأمريكية اللاتينية ، مع آلة العود المشرقية في صورتها العراقية ، وأن يتمكن من إبراز مواطن التميز في آلة العود ، نسبة لآلات الغرب.

مدارس العود العربية
تراوحت أساليب العزف على العود ، عربياً ، بين مدرستين :
أولاً : المدرسة التقليدية ، التي اعتمدت على شكل خاص لنقر الريشة ، يتضمن الكثير من التحليات والنقرات التجميلية ، مع الاكتفاء بالنقر لإبراز اللحن الأساسي حيث تتجه الريشة من الأعلى للأسفل ، فيما يُكتفى بتوظيف النقر بالاتجاه المعاكس للتحليات والزخرفات اللحنية ، ما كان يمنع عازفي العود التقليديين من أداء الأعمال الموسيقية السريعة ، و ارتكزت كذلك ، على استخدام 3 أصابع من أصابع اليد اليسرى بشكل رئيس ، مع تبديل في مواقع الأصابع على الزند حسب الضرورة ، وحسب المقام المستخدم ودرجاته الموسيقية ، واللجوء إلى الإصبع الرابعة فقط ( الخنصر ) بشكل عابر ، إضافة إلى توظيف الأصابع لتوليد أصوات بدون النقر على العود ، عندما يفتقد العازف لإمكانات الريشة ، وفق الأسلوب الذي تم وصفه سابقاً ، فيلجأ إلى الضغط بإحدى أصابع اليد اليسرى على الوتر بشكل قوي ، لتوليد الصوت المطلوب ، فيما سمي : البصم ، وهذه التقنية ، في إجمالها ، هي التقنية التي اعتمدها أغلب العازفين التقليديين ، كالأستاذ  فريد الأطرش ، والأساتذة رياض السنباطي ومحمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب ، وكذلك الأستاذ عمر النقشبندي والأستاذ أسعد الشاطر في سورية ، وغيرهم كثر على امتداد العالم العربي.
ثانياً : المدرسة الحديثة التي اعتمدت أسلوب نقر مختلف ، أقل ليونة وتجميلاً ، و وظفت الأصابع الأربعة بذات الدرجة من الأهمية ، كما تميزت بانتقالات مدروسة على طول زند العود ، بشكل مماثل للأسلوب المعتمد في عزف آلة الكمان ، و كذلك بالقدرة على تنفيذ الجمل الموسيقية السريعة ، من خلال النقر على الأوتار بالاتجاهين ، وهي التقنية التي اعتمدها الأساتذة منير بشر وجميل بشير وسلمان شكر ونصير شمة في العراق ، و عزيز غنام ومحمد قدري دلال في سورية ، على سبيل المثال لا الحصر..
ومع الوقت ، انتقلت عناصر من المدرسة الثانية إلى الأولى ، في تطوير لها ، اعتمدها عازفون تقليديون مطوِّرون ، كالأستاذ فريد الأطرش أساساً.

الشريف محي الدين بن حيدر
يمكن إرجاع المدرسة الثانية في عزف العود ، إلى الشريف محي الدين بن حيدر ، الذي تعلم العزف على البيانو والعود منذ طفولته المبكرة ، ثم انتقل إلى العزف على التشيللو ، إلى أن أطلق مدرسة جديدة للعزف على العود ، عندما استقر في بغداد منتصف الثلاثينات ، ليدير معهدها الموسيقي ، حيث اعتمد تعليم العود وفق أساليب التدريس للعزف على آلة التشيللو ( الكمان الجهير ) ، وخاصة أسلوب انزلاق اليد على طول زند العود ، وفق أساليب الانزلاق المعمول بها في آلات الكمان والفيولا والتشيللو ، كما تم تغيير أسلوب ضبط أوتار العود ، وإضافة وتر سادس ، ما يوفر للعود مساحة صوتية أوسع ، و رفع الطبقة الموسيقية للعود ، ليكون أقرب لإمكانية أداء العزف الفردي ، فيما كانت وظيفة العود في الفرقة الموسيقية العربية التقليدية ، تتطلب أن يركز العود على منطقة الأصوات المتوسطة والمنخفضة ، لدعم منطقة الأصوات العريضة ، و توفير النبض الإيقاعي المنغَّم ، وهو ما لم تعد إليه حاجة حقيقية في الفرقة الموسيقية العربية الحديثة ، مع دخول آلات التشيلو إليها ، فأسس الشريف محي الدين بذلك ما سمي مدرسة العود البغدادية ، وكان من أوائل تلامذته الأخوان جميل ومنير بشير وسلمان شُكر وغيرهم..

أدعوكم الآن للتعرف على الشريف حي الدين حيدر من خلال عزفه على العود في ثنايا هذا التسجيل


جميل بشير
ولد الموسيقار جميل بشير في مدينة الموصل عام 1921 وتوفي في لندن في 27 سبتمبر/ أيلول عام 1977 . انتسب إلى المعهد الموسيقي ببغداد نهاية الثلاثينات ، فدرس العزف على آلة الكمان على يد الأستاذ الروماني ساندو آلبو ، ودرس آلة العود على يد الشريف محي الدين حيدر. كان جميل بشير صاحب فكر موسيقي غامر ، واستطاع الانتقال بآلة العود لتعبر عن هذا الفكر مستقلة عن الفرقة الموسيقية ، وفي اعتقادي أنه أثر كثيراً في ترسيخ ملامح المدرسة العراقية في العزف على العود ، لتستمر اليوم على أيدي العديد من العازفين المبدعين ، أمثال الأستاذ نصير شمة وغيره.. رغم أنه لم يحظ بالشهرة التي حازها شقيقه منير بشير ، الذي استطاع أن يدخل مجالات أوسع ، إذ أتيحت له الفرصة لكي يقدم عزفه في مختلف دول العالم ، فيحظى بالإعجاب والتقدير..

ضبط العود
يمكن من مراقبة التسجيل ، الكشف عن أسلوب ضبط العود عند جميل بشير : يتم العزف على ستة أوتار : وهي من الأعلى إلى الأسفل : ري قرار ، مي قرار ، لا ، ري ، صول جواب ، صول قرار . هذا ضبط عجيب للأوتار ، فالأوتار الخاصة بالأصوات العريضة ، موجودة في الأعلى والأسفل ، وهي تحيط بالأوتار التي تؤدي اللحن الرئيسي ، على عكس أوتار العود التقليدية ، حيث تتصاعد حدة الأصوات الموسيقية من الأعلى إلى الأسفل ، كما أن الطبقة الموسيقية أعلى بمقدار درجة صوتية واحدة ، عن أسلوب ضبط العود التقليدي ، وهو ما يكسب العود رنيناً خاصاً ، و قدرات صوتية مختلفة ، تلائم العزف الإفرادي ، ولا تتصل بدور العود التقليدي كما أسلفت أعلاه.

شلالات
في معزوفة شلالات : هناك ثلاثة أبطال : الهارب – العازف ليوناردو فيكارو ، : الذي يصور شلالات المياه في سرعتها وصخبها وهي تسقط من علٍ ، والجيتار : العازفان جورجيو أورديس و أمادو بيثوا ، الذي يصور أجواء أمريكا اللاتينية ، أما العود : جميل بشير ، فقد صور دفء وحنان الشرق.
جاءت معزوفة شلالات على مقام النهاوند ( مينور ) على الري ، في الأقسام المصورة لسحر الشرق ، وعلى مقام العجم ( ماجور ) على درجة الفا ، في الأقسام المعبرة عن أجواء أمريكا اللاتينية.
تميز جميل بشير في معزوفة شلالات ، بريشته الرقيقة ، و بتوظيفه للأصوات الموسيقية المتداخلة والمنسجمة ، و بقدرته على زلق أصابع يده اليسرى على طول زند العود بيسر وبراعة ، مع دعم ذلك باهتزاز اليد اليسرى ، ما وفر صدى يفوح في فضاء اللحن ، و أكسب عزفه دفئاً وحناناً ، رغب في إبرازه أمام صلابة أوتار الهارب والجيتار.. ولكن ” شلالات ” صورت أيضاً ، وهو الأهم ، عاطفة الفنان ، وهو يرقب شلالات المياه تتساقط أمامه ، بألوانها ، فتفيض عاطفته من سحر المشهد ، و يرتعش قلبه ، لينعكس عاطفة وارتعاشاً في نقرات على العود .. دافئة ، وهو ما يفسر أن المعزوفة تبدأ بالهارب ، مصوِّر الشلالات ، وتنتهي به!


د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

Comments are closed.