انفتاح عازفي القانون على أساليب عزف وافدة أو مستحدثة مع التخلي عن الأسلوب العربي التقليدي والمطوَّر يُفقد تلك الآلة الأصيلة هويتها!

شعار كتاب الأغاني الثاني

شاع مؤخراً اعتماد أساليب عزف على القانون إما وافدة أو مستحدثة ، مع التخلي عن أساليب العزف العربية التقليدية والأصيلة. الأساليب الوافدة تعتمد السرعة ، و العزف باليدين في منطقة واحدة من القانون ، مع توليد اهتزازات تعبيرية للصوت ، أما الأساليب المستحدثة ، فهي تسعى لتوظيف جميع الأصابع ، لتنفيذ مؤلفات موسيقية غربية شائعة ، بغية إثبات قدرة العازف والآلة على استيعابها ، فيما تعتمد الأساليب التقليدية الأولى على الرصانة ، و تخصيص اليد اليمنى والبسرى لتعزف كل منهما في منطقة صوتية مختلفة ، مع إبراز أجواء المقام الموسيقي ، والتمكن من التنقل بين المقامات في يسر وليونة ، مع الاختتام بالقفلات التطريبية ، وهي الأساليب التي تطورت لاحقاً ، خلال عصر النهضة ، من خلال إضفاء الأبعاد التعبيرية والوجدانية على الأداء ، لتتكامل تلك الأساليب ، وهو ما سبق أن فصَّلت في شرحه في مناسبات عديدة.
بالنسبة لي ، الإبداع في أي مجال فني ، والعزف على القانون ليس ببعيد عن ذلك ، لابد من أن يعتمد على كلمات سحرية ، كثيراً ما تحدثت عنها : الاختزان الواعي لنتاج فترة النهضة الموسيقية العربية الحديثة في القرن العشرين ، ثم التوليد على أحد المسارات التي استقرت في تلك الفترة ، فالسبك من مسارات متعددة ، قبل السعي لتشكيل شخصية فنية خاصة تعتمد ماسبق ، وتضيف أبعاداً جديدة.
بالتالي ، أنا لا أمانع ، وبغية تحقيق تطوير جديد لأساليب العزف على القانون ، في ضم مسارات ، كانت استقرت في عوالم موسيقية قريبة أو بعيدة عن عالمنا الموسيقي العربي ، في سياق عملية السبك الموصوفة أعلاه ، و من ثم البحث عن شخصية فنية جديدة للعازف ، بل إنني كنت سباقاً إلى ذلك منذ سنوات طويلة ، سواء في اعتماد السرعة ، أو في العزف بأصابع متعددة ، أو في توليد الاهتزازات الصوتية التعبيرية ، أو في عزف جمل لحنية كاملة على وتر واحد ، ولكنني فعلتُ ذلك ، معتمداً ألا يقتصر العزف على تلك الأساليب ، وإنما أن تكون إضافة على الأساليب التقليدية والمطورة ، التي يجب أن تُقدم بنفس المستوى من المهارة ، ما أدى إلى تكوين شخصية فنية خاصة بي.
ولذا فإنني أدعو عازفي القانون المعاصرين ، لاستكمال معارفهم في أساليب العزف العربية التقليدية والمطورة ، والوصول فيها إلى درجة عالية من النضج و الاستيعاب والمهارة ، ومن ثم إدماجها في أعمالهم ، لأنه لا يمكن اعتماد أي عازف على القانون ، تقتصر معارفه على الأساليب الوافدة أو المستحدثة ، مهما كانت درجة الإبهار التي وصل إليها أمام متابعيه ، و مهما كانت درجة براعته في عرض الأساليب الوافدة والمستحدثة ، لأنه في اكتفائه بها ، يخرج عن هويته الأصلية ، ويُفقد آلة القانون ، كما عرفها العالم العربي ، هويتها!

د. سعد الله آغا القلعة

Tagged . Bookmark the permalink.

Comments are closed.