مئوية أسمهان – 1 : مائة عام على ولادة أسمهان!

شعار كتاب الأغاني الثاني

الباب الثالث: أسمهان.. الولادة ، الهوية ،الفرص ، التهديدات والضياع

الفصل الأول : متى ولدت أسمهان؟

متى كانت ولادة أسمهان؟

في كل مرة تحل فيها ذكرى ولادة أسمهان ، يثار الجدل من جديد حول السنة التي ولدت فيها .. إذ ترتبط ولادتها بثلاثة تواريخ محتملة وهي :  1912 ، حسب ويكيبيديا باللغة الإنجليزية وإحدى نسخها باللغة العربية ، وهو التاريخ الأكثر تداولاً ، و 1917 ، حسب نسخة ثانية لويكيبيديا ، و 1918 ، حسب مجلة المصور ، و في روايات متفرقة ، فيما ترتبط برواية «متفق » عليها ، في أنها ولدت على ظهر باخرة متجهة من إزمير إلى بيروت، لدى سفر أهلها المفاجئ من ديميرجي من أعمال إزمير في تركيا إلى سورية، وأن تلك الولادة تمت في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر في إحدى تلك السنوات المحتملة.
وفي الواقع ، عندما تكون الحياة قصيرة وغنية ، كما كانت حياة أسمهان ، إذ أنها ولدت مع نهاية الحرب العالمية الأولى ، ورحلت مع نهايات الحرب العالمية الثانية ، يكون من المهم تحديد عدد السنوات التي عاشتها .. فهل سجلت أولى أسطواناتها وعمرها عشرون عاماً ؟ أم أربعة عشر عاماً .. وهل استطاعت أن تترك هذا الأثر الكبير في مسيرة الموسيقى العربية ، من خلال حياة امتدت لحوالي اثنين وثلاثين عاماً ، أم خمسة وعشرين عاماً وبضعة أشهر؟ ناهيكم عن أن نشاطها الفني خلال تلك الحياة القصيرة، في الاحتمالات جميعها ، لم يمتد إلا لخمس سنوات فقط ، مرت في سماء الفن كلمح البصر! استطاعت أسمهان خلالها أن تحرض بشكل غير مسبوق كبار الملحنين على تجاوز قدراتهم ، وعلى استكشاف مسالك في الحداثة الموسيقية و التعبير الموسيقي ، لم يكن لهم أن يفكروا في استهدافها.
لقد جعل هذا توصيف حياتها بدقة أمراً غير سهل ، وخاصة في أبعادها الفنية التي تداخل فيها الفن مع العلاقات العائلية والسياسية، إذ كانت الموسيقى العربية إبّان نهضتها ، قبل ظهور أسمهان في ساحة الغناء ابتداءاً من عام 1932 ، وبعد رحيلها عام 1944 ، تتطور في سياق طبيعي ، يعتمد على مسارين متتاليين : نقلات نوعية ، أولاً ، يتبعها فترات للاختزان والهضم والارتسام ، ثانياً ، مع تسجيل نقلات نوعية مفاجئة أحياناً ، خاصة في البدايات ، كما حصل مع سيد درويش مثلاً ، ولكن ما حرضته و جسدته أسمهان ، كان نقلة نوعية استثنائية في سرعتها ، أتت في ذروة تطور الموسيقى العربية ، ولكنها لم تتبعها أي فترة اختزان أو هضم أو ارتسام .. لقد كانت نقلة غنائية نوعية ، ضمختها بعطر تعبيرها المتشظي ، إذ يفصح عن أحزانها الدفينة ، فكانت نقلة نوعية أتت معها .. ورحلت معها!


اتفاق على اليوم وخلاف على السنة..

يختلف المؤرخون إذاً في تحديد السنة التي ولدت فيها أسمهان . في النص التالي ، تتبعٌ للأحداث التي رافقت ولادة أسمهان ، واعتمادٌ نهائيٌ ، كما أرى ، لتاريخ ولادتها.. يتضمن النص أيضاً اعتماداً نهائياً ، كما أرى ، لتاريخ ولادة شقيقها فريد ، وهو موضوع لايزال يثير الكثير من الجدل ، وذلك من خلال مقارنة وثائق تتصل بالشقيقين ، اللذين جمعهما الفن .. وفرقهما الموت قبل الأوان…

كانت الوثيقة الصوتية، كما ورد في برنامج «أسمهان » ، قد رجحت الولادة عام 1917 ، واستبعدت عام 1912 ، ولكنها لم تنف عام 1918 ، بل تركته احتمالاً وارداً، فيما سيقودنا التحليل التاريخي إلى ترجيح عام 1918 ، انطلاقاً من إجماع المؤرخين على أن حادثة السفر المفاجئ، كانت نتيجة تحذيرٍ وصل إلى الأب، فيما بقيت طبيعة ذلك التحذير غير واضحة، هل تتصل بالقبض عليه من قبل الجند العثمانيين؟ أم من قبل جيشٍ غريبٍ يغزو المنطقة؟ وهنا تورِد بعضُ الروايات، أن التحذير كان من اعتقاله من قبل الجيش اليوناني.


ولادة في الزمن الصعب..

لقد وُلدت أسمهان ، في واقع الأمر، في خضم فترة عاصفة من التاريخ عموماً، و من تاريخ سورية خصوصاً، تضاربت فيها مصالح الدول الكبرى، وأدت لاندلاع الحرب العالمية الأولى ، وتناقضت فيها أحلام الوطنيين في سورية في الاستقلال، مع جذورٍ متأصلة في فكر البعض، في استمرار الانتماء إلى الدولة العثمانية، في صراعها مع الحلفاء.

خريطة ديميرجيفي عام 1911 ، أعدم العثمانيون ذوقان الأطرش والد سلطان باشا الأطرش ، بسبب مقاومته الحملة التي قادها سليمان باشا على منطقة جبل العرب السورية عام 1910 . لاحقاً ،  تمت تسمية سليم الأطرش قائداً للجيش العثماني في المنطقة، و رقِّيَ فهد الأطرش ، والد أسمهان ، في وظيفة قائم مقام في ديمرجي التابعة لمحافظة إزمير في تركيا ، اعتباراً من 1912 . تزامنت إقامة فهد الأطرش قرب إزمير، مع الحرب التي شنتها مجموعة دول البلقان على الدولة العثمانية في عام 1912 ، و انتزعت في ستة أسابيع، جميع أراضي العثمانيين في أوروبا، عدا استانبول وشبه جزيرة غاليبولي، ولكن تلك الحرب لم تمس إزمير، بل بقيت محصورة في الجزء الأوربي من الأراضي العثمانية، مع قبول احتمال حصول مناوشات بين اليونانيين والعثمانيين انطلاقاً من الجزر اليونانية المتاخمة لإزمير.

شهدت إقامته أيضاً، دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، في نهاية تشرين الأول / أكتوبر عام 1914 ، و غزو قوات الحلفاء شبه جزيرة غاليبولي في نهاية عام 1914 ، فيما عرف بمعركة شنق قلعة ، لاحتلال استانبول، وفتح المضايق أمام إيصال المؤن إلى روسيا، بعد أن تكبدت القوات الروسية خسائر كبيرة أمام الألمان. استمات العثمانيون في المقاومة حينها، ومنعوا قوات الحلفاء من تحقيق أغراضها.

لاشك لدينا في أن مجمل هذه الأحداث، لم يكن ليدفع فهد الأطرش للهرب إلى سورية، فهو بالنتيجة مواطن عثماني، و من واجبه أن يدافع عن الأرض العثمانية، علماً بأن الجيش اليوناني غزا إزمير فعلاً، واحتلها، ولكن ذلك كان عام 1919 ، أي بعد انهيار الدولة العثمانية، وعودة فهد الأطرش إلى سورية، مما يستبعد أي علاقة لليونانيين بذلك التحذير.

الثورة العربية الكبرى

وُلدت الشرارة التي أعادت فهد الأطرش إلى بلاده، حسبما نرى، من خلال تزامن حدثين كبيرين، أنهيا إلى الأبد علاقته بالدولة العثمانية. ارتبط الحدث الأول بالثورة العربية الكبرى ، التي كانت قد انطلقت بقيادة الشريف حسين، شريف مكة، عام 1916 ، وساندها سلطان الأطرش ، فكان أول من رفع علمها على بيته في القريّا في ربيع عام 1918 ، دون أن يشهد عام 1917 ، ما يستدعي هرب فهد الأطرش من إزمير، في ظل استمرار سليم الأطرش في موقعه، متبادلاً مع سلطان الأطرش، رسائل قاسية، بخصوص الثورة العربية الكبرى، عبَّر كل منهما فيها عن التزامه بموقفه.

إلا أن دخول سلطان باشا الأطرش على رأس قواته إلى دمشق في 30 أيلول 1918 ، إلى جانب ثوار آخرين دخلوها من محاور مختلفة، ليدخلها الشريف فيصل بن الحسين في 3 تشرين الأول 1918 ، مُخرجاً الحكم العثماني من سورية ، أنهى علاقة سورية ككل بالدولة العثمانية، مما يؤدي إلى ترجيح أن يكون التحذير الذي وصل فهد الأطرش في ذلك العام ، والذي دفعه للهرب، مرتبطاً باحتمال اعتقاله من قبل السلطات العثمانية؛ فيما يرجح الحدث الثاني، وهو استسلام الدولة العثمانية ذاتها أمام قوات الحلفاء ، في الشهر ذاته، وطلب الصلح، واحتلال الحلفاء لاستانبول في 13 تشرين الثاني 1918 ، أن يكون التحذير متصلاً بوصول قوات الحلفاء، وضرورة عودته إلى بلاده فوراً.

وماذا عن ولادة فريد الأطرش شقيقها ؟

شهادة ولادة فريد 1917 - 1بالعودة إلى سجلات الولادات في مدينة القريّا ، حيث ولد فريد ، حسب الصورة المرفقة ، نجد أن ولادته سجلت على أنها كانت في عام 1917 ، ما يشكك في مضمون الوثيقة ، إذ أنه من المستحيل أن يكون وأسمهان قد ولدا في عام واحد ، خاصة أن ولادته كانت تشرين الأول من ذلك العام.

لدى التدقيق في الوثيقة نجد أن التسجيل تم إبّان وجود ما سمي ” دولة الدروز ” ،  والتي امتد وجودها ، خلال الانتداب الفرنسي على سورية ، بين عامي  1921 و 1936 ، كما نجد أن والدة فريد وأسمهان :  علياء المنذر ، سجلت على أنها مطلقة ، ما يعني أن التسجيل تم بعد رحلة الأسرة إلى القاهرة عام 1923 ، وكل هذه عناصر تدل على أن التسجيل أتى لاحقاً للولادة بسنوات ، ما يؤكد شكنا فيها.


فريد وأسمهان في طفولتهما والصورة مأخوذة في جبل العرب في سورية

فريد وأسمهان في طفولتهما والصورة مأخوذة في جبل العرب في سورية

بالمقابل تكشف صورة تجمع فريد وأسمهان في طفولتهما ، أن الفارق في العمر بينهما يتجاوز السنة الواحدة ، ويقدر بحوالي 3 سنوات. وهنا يتولّدُ احتمالان : إما أن فريد وُلد على 1917 ، حسبما جاء في الوثيقة المشكوك في مضمونها أعلاه ، وتكون ولادة أسمهان في هذه الحالة قد تمت حوالي العام 1920 ، وهذا مستبعد تماماً ، نظراً لأنها تزوجت عام 1932 من الأمير حسن الأطرش ، أو أن ولادة فريد كانت عام 1915 ، بما يخالف الوثيقة المنشورة أعلاه ، ووفق ما هو متداول ، وهذا ما أرجحه ، وتستقر ولادة أسمهان ، مرة أخرى ، على أنها كانت في عام 1918 ..

إنه عام 1918..

يقودنا هذا التحليل، بالنتيجة ، إلى اعتماد ولادة أسمهان  في عام 1918 وليس عام 1917 ، كما سبق وقدرنا، من خلال الوثيقة الصوتية، ضمن برنامج «أسمهان »  ، مستبعدين عام 1912 أيضاً: أولاً، لأن صوت أسمهان  كان صوت صبية صغيرة في الأسطوانات المسجلة عام 1932 ، مما يستبعد أن تكون ولدت عام 1912 ، وثانياً، لأنه من المستبعد أن تهرب شخصية قوية كفهد الأطرش ، من المفروض أن تدافع عن الأراضي العثمانية التي تنتمي إليها، حتى في حال وجود احتمال مناوشات مع اليونانيين انطلاقاً من الجزر اليونانية القريبة لم يسجلها التاريخ في عام 1912 ، وثالثاً لأننا لم نرصد أي هجوم يوناني كبير على منطقة إزمير في عام 1917 بغرض احتلالها، يمكن أن يؤدي إلى هربه، فيما تم ذلك الهجوم و احتلال إزمير لاحقاً في عام 1919 .

نقطة أخيرة تمنع اعتماد عام 1912 تاريخاً لولادة أسمهان ، وهي عائلية هذه المرة، فوالدها تزوج أمها علياء المنذر المولودة عام 1895 في عام 1909 ، وكان قد سبقها إلى الحياة أربعة أطفال، هم أنور، ووداد، وفؤاد، وفريد ، وكانت هي الأخيرة، فمن المستحيل أن يكونوا جميعاً، إضافة إليها، قد ولدوا خلال 3 سنوات من الزواج!

لا خلاف على يوم الولادة ..

يبقى أمامنا أن نعتمد 25 تشرين الثاني موعداً لولادة أسمهان ، فهناك إجماع على هذا التاريخ، وعلى أن الولادة كانت على ظهر باخرة، بسبب هرب العائلة، وهي لا تتصل بأي هرب من مقاومة، بل كانت إما هرباً من بطش العثمانيين بوالدها وقد انفصلت بلاده عن الدولة العثمانية، بفعل الثورة العربية الكبرى، خاصة أن ابن عمه سلطان كان من الذين حققوا ذلك، أو عودةً لبلاده بعد انهيار الدولة العثمانية ذاتها.

وأخيراً..

لقد شكلت الحرب العالمية الأولى ونتائجها، التهديد الأول الذي عاشته أسمهان ، فتسببت في هرب عائلتها على وجه السرعة، وفي أن تولد في ظروف غير ملائمة، كان يمكن أن تودي بحياتها، ثم تتالت التهديدات التي طبعت حياتها القصيرة، والتي دامت أقل من 26 عاماً، بطابع درامي معقد، سنحاول تحليله في الفصل القادم، لم تفلت منه إلا عندما رحلت عن هذه الدنيا، في 14 تموز / يوليو 1944 .

د. سعد الله آغا القلعة

Bookmark the permalink.

Comments are closed.