فريد الأطرش والعود : تجربة ثرية ووفية!

شعار كتاب الأغاني الثاني

فريد صبياً يعزف على العود على الرصيف

تنوعت إبداعات  فريد الأطرش ،  فشملت التأليف الموسيقي والتلحين والغناء والعزف على آلة العود ، إلى جانب فضاءات أخرى ، كالتمثيل والإنتاج السينمائي.

تسعى الدراسة التالية لتقييم تجربة فريد الأطرش في العزف على آلة العود ، التي كانت الآلة الأثيرة عنده ، إذ اعتبرها رمز الموسيقى العربية، ودافع عنها ، عندما ظهر توجه عام عند الفرق الموسيقية العربية ، لإلغاء وجود تلك الآلة الأصيلة ضمن آلات الفرقة ، مستعيضة عنها بآلات وافدة و إلكترونية ، واستطاع عبر نجوميته أن يعبر بها تلك الفترة الصعبة ، إلى أن استعادت مكانتها اللائقة.

محاولة مقارنة لتقييم عزف الأستاذ فريد الأطرش على العود علمياً وموضوعياً:

فريد الأطرش مع العود 15

فريد والآلة الأثيرة عنده : العود

لنبدأ بمحاولة إجراء تقييم لعزفه على العود .. وفي الواقع إن كنا نبحث عن تقييم دقيق ، وليس عن استمتاع ، فعلينا أن نعتمد المعايير العلمية العامة والمقارنة ، التي ليست بالضرورة ذوقية ، لإجراء ذلك التقييم ، فهناك فرق بين أن نستمع لنستمع أو لنقيِّم . بالمقابل .. لابد لنا ، وفي هذه العجالة ، من التأكيد أن العمل الفني يكتسب قيمته ، في كثير من الأحيان ، من التعبير الأمين عن المعايير العلمية ، و لكنه في أحيان أخرى ( أقل بالطبع ) يكتسب قيمته من مخالفتها!
لابد إذاً من البدء بعرضٍ موجز  للأسلوب العلمي لتقييم العزف على آلة موسيقية ، فيما يتطلب العرض الكامل مجالاً لا يدخل في إطار موضوعنا الآن..
هناك  محاور نستند إليها عند تقييم العزف على أي آلة موسيقية ، وهي لاشك محاور متداخلة ، ولكن من الممكن تمييزها لدى العازفين المتميزين والأصيلين:
1-    تقنية العازف : التي تعكس مدى سيطرة العازف على الآلة ، والقدرة على تنفيذ أي فكرة موسيقية مهما صعُب أداؤها ، سرعة أو تعبيراً ، بتزامن أمثل بين حركة الأصابع في اليد اليسرى ، مع نقر الريشة من قبل اليد اليمنى ، في الاتجاهين : من الأعلى إلى الأسفل ، ومن الأسفل للأعلى ، لتنفيذ اللحن المطلوب ، ولاشك في أن هناك مدارس مختلفة لهذه التقنية ، منها التقنية التقليدية ، التي اعتمدت على شكل خاص لنقر الريشة ، يتضمن الكثير من التحليات والنقرات التجميلية ،  مع الاكتفاء بالنقر لإبراز اللحن الأساسي بالاتجاه من الأعلى للأسفل ، والاكتفاء بتوظيف النقر بالاتجاه المعاكس للتحليات والزخرفات اللحنية ، ما كان يمنع عازفي العود التقليديين من أداء الأعمال الموسيقية السريعة ، و ارتكزت كذلك ، على استخدام 3 أصابع من أصابع اليد اليسرى بشكل رئيس ، مع تبديل في مواقع الأصابع على الزند حسب الضرورة ، وحسب المقام المستخدم ودرجاته الموسيقية ، واللجوء إلى الإصبع الرابعة فقط ( الخنصر ) بشكل عابر ،  إضافة إلى توظيف الأصابع لتوليد أصوات بدون النقر على العود ، عندما يفتقد العازف لإمكانات الريشة ، وفق الأسلوب الذي تم وصفه سابقاً ، فيلجأ إلى الضغط بإحدى أصابع اليد لايسرى على الوتر بشكل قوي ، لتوليد الصوت المطلوب ، فيما سمي : البصم ، وهذه التقنية ، في إجمالها ، هي  التقنية التي اعتمدها أغلب العازفين التقليديين ، كالأستاذ فريد الأطرش ، والأساتذة  رياض السنباطي و القصبجي وعبد الوهاب ، وكذلك الأستاذ عمر النقشبندي ، والأستاذ أسعد الشاطر ، في سورية ، وغيرهم كثر على امتداد العالم العربي ، ومنها التقنية الحديثة التي اعتمدت أسلوب نقر مختلف ، أقل ليونة وتجميلاً ، و وظفت الأصابع الأربعة بذات الدرجة من الأهمية ، كما تميزت بانتقالات مدروسة على طول زند العود ، بشكل مماثل للأسلوب المعتمد في عزف آلة الكمان ، وبالقدرة على تنفيذ الجمل الموسيقية السريعة ، من خلال النقر على الأوتار بالاتجاهين ، وهي التقنية التي اعتمدها الأساتذة  منير بشير ونصير شمة في العراق ، و عزيز غنام و محمد قدري دلال في سورية ، على سبيل المثال لا الحصر..
اعتمد الأستاذ فريد الأطرش تقنية العزف التقليدية في أكمل صورها ، ولكنه أضاف إليها القدرة على الاستخدام السريع للنقر بالاتجاهين ، ما مكنه من تنفيذ الجمل الموسيقية السريعة أيضاً .. ولذا نستطيع عده بين كبار عازفي العود التقليديين المواكبين للتطور.
2-     شخصية العازف الموسيقية ، وتعكس في حال وجودها ، الطابع الذي يميز عزف ذلك العازف ، ويمكّن المتابعين من اكتشافه بين عشرات العازفين الآخرين ، و تختلف هذه الشخصية الموسيقية ، باختلاف شخصية العازف نفسه ، كأن تكون شخصية واثقة قوية يغلب عليها طابع التطريب ، ولكنها قادرة على التلون ، حسب الإطار الذي يقدم فيه العزف ، كما الأستاذ فريد الأطرش ، والأستاذ القصبجي ، أو شخصية شفافة تأملية مستقرة ، كما الأساتذة السنباطي وعبد الوهاب ، أو انطوائية .. أو حزينة  ..
اعتمد الأستاذ فريد الأطرش شخصية واثقة قوية يغلب عليها طابع التطريب في عزفه ، وخاصة أمام الجمهور الواسع.
3-    الفكر الموسيقي الذي يوجه العازف في عزفه ، ويستند  أولاً إلى مخزونه من الرصيد الموسيقي العربي عموماً ، في مسالكه المقامية وجمله اللحنية ، ومن الرصيد الموسيقي للآلة الموسيقية التي يختص بالعزف عليها ، و من مختلف المدارس التي طورت ذلك الرصيد ، كما يعكس الهدف الذي يرمي إليه من هذا العزف ، و  أسلوبه هو في تحقيق هذا الهدف ، سواء في بناء أفكاره الموسيقية ، وتطويرها وتفاعلها ، ومدى توافقها مع خلاصة الرصيد الموسيقي السائد ، أو خروجها عنه ، تعبيراً عن هدفه ، في مسارات جديدة لها بناؤها الفكري المستقل ، لدى تعبيره عن المضامين والعواطف والأحاسيس التي يريد التعبير عنها ، ومدى تعقيد تلك المضامين أو العواطف ،  أو بساطتها .
ولاشك في أن هذه المحاور مترابطة ، وتتأثر درجة استحضارها  في لحظة العزف ، حسب الإطار الذي يقدم فيه العزف  ، وهو العامل المؤثر الأبرز في التأثير على لحظة العزف واختيارات العازف ، سواء في مضمون عزفه أم في اختياره للمقام الملائم ، على الأقل للانطلاق منه .. فالعزف في سهرة خاصة ، أو عندما يعزف العازف لنفسه ، يستحضر شخصية تأملية ، يسيطر فيها الفكر الموسيقي ، و تتحول تقنية العزف لتكون شفافة وغير مسيطرة بالضرورة ، وقد تتطلب مقاماً موسيقياً تأملياً مشحوناً بالعاطفة ..مع الابتعاد عن القفلات التي تستثير الطرب ، و مظاهره عند المستمع..

ركز فريد الأطرش في تقاسيمه أمام الجمهور على مخزون كبير ، من الرصيد الموسيقي العربي التقليدي ، ومن رصيد آلة العود في صورته التقليدية ، ولكنه أبرز أيضاً إمكانياته في العزف التأملي ، إذا كان المجال يتطلب ذلك ، كما حاول أن يطور أداءه على العود لاستكشاف أساليب غير مسبوقة!

بدايات مبكرة أنتجت أربعة أساليب في عزف العود وعلاقة ذات خصوصية

بدأ فريد دراسة العود بشكل علمي عام 1931  ، في معهد الموسيقى الشرقي في القاهرة ، على يد رياض السنباطي، ولكنه لم يقلده ، فأتى عزف السنباطي رشيقاً أنيقاً، وعزف فريد واثقاً متمكناً . سمح له ذلك بأن يصبح  عازف العود الأول  لدى الجماهير ، فحقق نجومية كبيرة وخاصة به كعازف ، لدرجة  أن تقاسيمه ( ارتجالاته )  كانت تُحفظ  وتؤدى من قبل عازفي العود كما أتت ، على مساحة العالم العربي ، وخاصة التقاسيم التي أتت قبل أدائه لأغنية الربيع أو أغنية أول همسة.


قدم فريد أربعة أساليب من العزف على العود خلال مراحل مسيرته الفنية:

الأسلوب الأول: 

كان الأسلوب الأول أسلوباً واثقاً شرقياً تطريبياً أصيلاً ، يعتمد البناء المقامي المتماسك في مسالكه على طول التقاسيم ، مع إضفاء طابع التقنية المبهرة ، كما تابعنا ، في ظل واقع أن تلك التقاسيم تُقدم أمام الجمهور ، أو لتسجيلات إذاعية ، وهو أسلوب اتسم به عزفه بشكل عام.


وللدلالة على حيوية الريشة عند فريد ، وعلى إمكانياته في العزف على وتر واحد ، وهو هنا الوتر الخامس من أوتار العود ، و نقل اليد على طول زند العود ، حتى تنفيذ صوت سي بيمول جواب على وتر الدو ( الكردان ) ، لنتابع هذا المسمع من تقاسيمه التي أتت قي مقدمة أغنية يا قلبي يا مجروح ، و لندقق بالنسبة لحيوية الريشة ، ما يجري من انهيار صوتي للعودة بسرعة  إلى درجة استقرار مقام البيات ، عند الثانية 4  و عند الثانية 19 من التسجيل.

 


الأسلوب الثاني كان تأملياً وقد أتى في إطار العزف في جلسات فنية.

يمكن في هذا الإطار ، وفي مجال العزف التأملي مثلاً ، التوقف أولاً عند العزف على مقام النهاوند ، الذي ورد في بداية تسجيل الأستاذ فريد لأغنية كلمة عتـاب ، التي كان عرضها على السيدة أم كلثوم .. فهو تسجيل لنفسه ، أو للسيدة أم كلثوم ، لتقديم لحن أراده لها ، ولم تقبل به ..


ومع ذلك ، فإن كانت شخصية العازف واثقة معتادة على مواجهة الجمهور ، فإنها لن تستطيع الإفلات من استحضار النموذج الواثق المقتدر ، والقفلات التطريبية ولو بدرجة محدودة.. ويمكن هنا أن نستذكر التسجيل الذي سجله الأستاذ فريد في إذاعة لندن عام 1955 ، لدى زيارته لها لأول مرة ، لأنه تسجيل إذاعي ، يستحضر التفكير الموسيقي بشكل أوضح ، ولكنه لا يستبعد العناصر الأخرى. نلاحظ أن بناء العزف محكم ، وهو على مقام النهاوند ، الذي يلجأ إليه أغلب التأمليين ، وإن كان لم يعد في نهاية العزف إلى المقام الأصلي بعد أن اجتذبته التقنية والإبهار..


وبالمناسبة فقد كان هذا التسجيل لدى زيارته الأولى للندن ، ولذلك فقد شكر الأستاذ فريد المستمعين في نهاية التسجيل بالإنجليزية ، ثم لم يغفل أن يعبر ، عبر العود ، عن تحيته للندن ، إذ يزروها للمرة الأولى ، أولاً بالإنجليزية ! ، ثم بالعود


أما عندما يكون العزف أمام الجمهورالعام ، فتقنية العزف يجب أن تكون حاضرة بقوة ، والشخصية الواثقة القوية  تصبح في الأولوية ،  فيما يتراجع الفكر الموسيقي ، ليحل محله جذب انتباه المستمعين ، واستثارة شعورهم بالطرب ، من خلال استحضار العازف لمخزونه الموسيقي الملائم لهذا الإطار .

وقد تتمازج المحاور في الشكل الأمثل ، فتحضر  تقنية العزف الشفافة في لحظات ، وتغيب في لحظات أخرى ، وتتحول الشخصية من تأملية ،إلى واثقة مقتدرة ، ويبرز الفكر الموسيقي أحياناً ، ثم يغيب ، مستحضراً الرصيد التطريبي العام ، ويحدث هذا خاصة إذا كان عدد الحاضرين ليس كبيراً ، ويكون الجمهور من الذواقة المتابعين ، علماً أن لقاء جمهور الذواقة واعتماد الفكر التأملي الكامل ، ينطوي على مغامرة كبيرة ، فإما أن تتصل خطوط الحوار بين العازف والجمهور ، فتتفتح المسالك أمامه ، وإما أن يحس بأن هناك خطباً ما ، وأن التواصل غير محقق ، فيلجأ إلى مخزونه التطريبي لينجز المهمة مع أقل الخسائر.. يتضح هذا في التسجيل التالي ، الذي يحفل بأغلب العناصر ، وأؤكد على حضور التقنية اللافتة أيضاً ، في خلايا العزف ، متداخلة مع التأمل والتطريب ، وكيف لا والجمهور ليس إلا الأستاذ محمد عبد الوهاب بنفسه..!


الأسلوب الثالث: 

ولكنه قدم في نهاية الخمسينات أسلوباً آخر لعزف العود، عرضه ضمن  مقدمة أغنية ” حكاية غرامي ” ، المستوحاة من مقطوعة أستورياس لألبينيز، متأثراً فيه بأسلوب عزف الجيتار الإسباني ، ما يؤكد بحثه الدائم عن إثبات قدرة آلة العود على مواكبة تطور العصر ، دون أن ينسى أن يستلهم من ذلك الأسلوب الجديد ويضمنه ضمن تقاسيمه أمام الجمهور..


الأسلوب الرابع:

ثم قدم في نهاية الستينات أسلوباً جديداً للعزف على العود، ورد ضمن مقدمة قصيدة ” لا وعينيك ” ، تميز بالعزف بأصبعين وعلى وترين مختلفين في الوقت ذاته ، مما يوضح أنه كان يعمل على تقديم أساليب مختلفة للعزف على هذه الآلة الأثيرة لديه ،  للتأكيد مجدداً على قابليتها للتطور ، في وقت كانت قد بدأت تغيب فعلاً عن الاهتمام العام. التلوين تنفيذ Farid HQ


يمكن التوقف أيضاً ، وفي بعد نفسي خاص بالأستاذ فريد ، اعتباره آلة العود ملجأً له ، أمام مصاعب الحياة ، ما يذكرنا بالمشهد من فيلم الخروج من الجنة ، عندما يُتهم ( في الفيلم ) بأنه عاطل لا يعمل ، فيكون العود ملجأه للعودة إلى العمل والفن.. ويؤكد هذه الفكرة أنه قلما ظهر في صورة بدون العود.

فريد والعود في الخروج من الجنة

فريد والعود في فيلم الخروج من الجنة


نخلص في هذا القسم إلى أن عزف الأستاذ فريد تميز بامتلاك واضح لتقنية تقليدية متميزة ، وبشخصية واثقة تطريبية عموماً ، سيطرت على أغلب نماذج عزفه على العود ، وبفكر موسيقي حاضر ، هدف إلى التعبير بأمانة عن الرصيد الموسيقي العربي في مسالكه المقامية وبنائه التفاعلي ، وتميز بجمل لحنية سريعة ومفاجئة ، فيما لاحت ظلاله التعبيرية والتأملية ، عندما كان الإطار يسمح ، من خلال جمل لحنية مرت في أعماله الغنائية ، دون أن تكون ظاهرة بقوة ، نظراً لسيطرة التقنية التقليدية والشخصية الواثقة على عزفه ، ونظراً لامتلاكه وسيلة أوضح لإبرازه ، وهي التلحين للغناء ، حيث ظهر فكره الموسيقي بوضوح في أعماله الغنائية ، وخاصة ما سمي الأعمال الكبيرة..

التقييم المقارن وظاهرة التكرار أثناء مواجهة الجمهور

تعتمد المقارنة الصحيحة بين ظاهرتين أو أكثر ، على تصنيف مرتسماتها في محاور أو ظروف متشابهة ، ومن ثم مقارنة مرتسمات الظاهرتين قيد المقارنة ، ضمن المحور الواحد أو الظرف المشابه ، و لايعيب هذا المبدأ ، إن كانت إحدى الظاهرتين ليس لها مرتسمات في أحد المحاور . بالتالي فالمقارنة بين السنباطي والقصبجي وفريد الأطرش في عزف العود ،والثلاثة من العازفين التقليديين ،  يجب أن تصنف في مجالات وظروف متشابهة .. التسجيل للإذاعة ، لأسطوانة ، لجلسة أمام ذواقة ، لحفل جماهيري .. في تقديرنا ، يبرز السنباطي كأستاذ ، إذا كان العزف التأملي هو المقصود ، فالسنباطي لم يكن بطبيعته ميالاً للقاء الناس فما بالك بالجمهور .. وهذا انعكس على عزفه بالطبع .. فجعل شخصيته في عزف العود مستقرة في نسق متماثل ، لأنه غير مضطر ، بل غير راغب في تلوينها ، بسبب تحديده لمجالات عزفه بما يتوافق مع شخصيته .. ومن المؤكد أنه كان سيضطر لتعديل شخصية عزفه ،  فيما لو اضطرته الظروف لمواجهة الجمهور ، بما يحقق نجاحه في تلك المواجهة  .. ولكن مادام أنه لم يكن مضطراً لذلك ، فإننا غير قادرين على مقارنة أدائه مع أداء الأستاذ فريد في محور مواجهة الجمهور .
فلنذهب إذاً إلى المقارنة مع الأستاذ القصبجي ، الذي يحقق المجالين : التأملي والجماهيري ،  نظراً لعمله  في فرقة السيدة أم كلثوم الموسيقية .. على الرغم من أن عزفه المباشر أمام الجمهور كان بتواتر أقل مما هو عند الأستاذ فريد ، و في ظروف مختلفة .. ولما كان المقصود التمعن في ظاهرة التكرار في الحفل الجماهيري .. وهل هي خاصة متصلة بالأستاذ فريد الأطرش ، حسبما يتهم به ، أم ظاهرة عامة ، خاصة في إطار التقاسيم المرتجلة أمام الجمهور ،  فقد قمنا باستعراض تسجيلين لتقاسيم على العود ، من حفلتين مختلفتين للأستاذ القصبجي مع السيدة أم كلثوم ، ولكن مع تثبيت الأغنية التي أتت التقاسيم ضمنها وهي أغنية : يا ظالمني ، وتثبيت المقام الموسيقي .. وهو مقام البيات .. الحفل الأول كان في سورية عام 1955 ، والثاني في لبنان في العام ذاته ، ولاحظنا في تقاسيم الأستاذ القصبجي ، وهي  تقاسيم جميلة وتطريبية على العود ، أن ظاهرة التكرار موجودة بقوة في الجمل الموسيقية المرتجلة في التسجيلين ،  سواء في الدخول في التقاسيم ، أم في المرور على مقام الصبا في الحالتين ، والتركيز عليه ، فيما المقام الأصلي هو مقام البيات ( أو البيات المحيّر لمزيد من الدقة ) ،  ثم في أسلوب إنهاء التقاسيم المتطابق بنسبة عالية  ، رغم أن مدة التقاسيم في لبنان كانت حوالي الدقيقتين فقط ..

التسجيل الأول:


التسجيل الثاني:


آمل الاستماع إلى التسجيلين والمقارنة بينهما . يمكن لكم تسجيل انطباعاتكم إن رغبتم في الحيز الموجود أسفل النص ، مع التركيز على الأزمنة التالية كنقاط للمقارنة:

البداية في التسجيلين عند الدقيقة 0:00

الثانية 55 والدقيقة 3:14 في التسجيل الأول ، مع الدقيقة 1:10 في التسجيل الثاني.

بداية انتهاء التقاسيم في الدقيقة 3:34 في التسجيل الأول ، مع بداية انتهاء التقاسيم في الدقيقة 1:52 في التسجيل الثاني.

الختام في التسجيلين.

الآن ، وقد استمعنا إلى الأستاذ القصبجي ، في تقاسيم جميلة وتطريبية على العود ، في مناسبتين مختلفتين مع السيدة أم كلثوم ، ولكن مع تثبيت المقام والأغنية التي أتت التقاسيم ضمنها ، وهي : يا ظالمني .. الحفل الأول في سورية والثاني في لبنان ، ولاحظنا التكرار في الجمل الموسيقية المرتجلة في التسجيلين ، عند الأزمنة التي تم تحديدها في القسم السابق  ، سواء في الدخول في التقاسيم ، أم في المرور على مقام الصبا في الحالتين والتركيز عليه ، فيما المقام الأصلي هو مقام البيات ( أو المحير لمزيد من الدقة )،  ثم في أسلوب إنهاء التقاسيم المتطابق بنسبة عالية  ، رغم أن مدة التقاسيم في لبنان كانت حوالي الدقيقتين فقط .. فلابد لي من أن أسارع فأقول ، إن هذا لا يعيب الأستاذ القصبجي ، المفكر الموسيقي الحقيقي .. وإنما هي ظروف التقاسيم الارتجالية ، ضمن حفل مباشر أمام الجمهور ، التي توجه العازف لتكرار جمل موسيقية معينة ، تحقق استجابة الجمهور في فترة زمنية محدودة ، حيث لا وقت للتأمل والتعبير و التفكير الموسيقي ..

فريد الأطرش مع العود

فريد الأطرش مع العود

يجدر التذكير في هذا الإطار ، بأن نجومية الأستاذ فريد الأطرش الواضحة ، والتي كانت أبرز بكثير من نجومية القصبجي والسنباطي ، إذ أنهما كانا ملحنين ، فلم يكتسبا جماهيرية المغني ، جعلت الأضواء تسلط عليه وعلى أعماله أكثر .. وبالتالي فإن بعض مسؤولية الاتهام بالتكرار تقع أيضاً على وسائل الإعلام ، التي كانت تكرر بث تقاسيمه كثيراً ، و على العازفين المكررين المقلدين ، و على الجمهور الذي يطلب التكرار .. والذي في رأينا هو المسؤول الأول بالنتيجة .. لأنه جعل التكرار سياسة متبعة في الارتجال عند الأستاذ فريد .. فتقاسيمه المشهورة ، والتي حفظها وأعادها جميع عازفي العود في الستينات والسبعينات ، لها بناء واضح ، مختلف في كل مرة ، ولكنه كان يكرر بعض الجمل الموسيقية فيها أحياناً ، حتى ولو اختلف المقام ، في سعي للاستجابة لرغبة الجمهور.. ما أثر في أنها ظهرت وكأنها تعكس محدودية في الفكر الموسيقي .. بينما السبب كان في أنها تقدم للجمهور .. وإلا لكان علينا أن نتهم الأستاذ القصبجي الاتهام ذاته ، كما رأينا أعلاه ..
بالنتيجة : عند فريد الأطرش ( كما عند القصبجي كما رأينا ، و عند غالبية العازفين التقليديين ) : في الألحان الغنائية ، لكل مقام مقال ، أما في التقاسيم على المسرح.. فالأولوية للجمهور.
نعم ، لقد كان للجمهور التأثير الأكبر على فريد الأطرش ، إذ أنه كان سنده الأهم أمام الكثير من المنافسين ، الذين يعملون في بيئة مواتية لهم أكثر منه ، ولذا فقد كان عليه أن يقدم له ما يريد ، مستفيداً من التقاسيم في ذلك ، دون أن تبرز تلك الظاهرة في ألحانه الغنائية أو مؤلفاته الموسيقية ، التي تميزت بوضوحِ فكره الموسيقي ، وخاصة في أعماله الكبيرة ، و في ألحانه الرائعة لشقيقته أسمهان ..
ولكن لهذا الواقع وجهاً خفياً ، إذ أن نجومية فريد الأطرش ، وإتقانه للعزف على آلة العود ، و أسلوبه في تكرار بعض الجمل الموسيقية التي كان يطلبها الجمهور في تقاسيمه ، كانت ، في اجتماعها عنده ، من أهم الأسباب التي أدت إلى تثبيت نجومية آلة العود بحد ذاتها ، في فترة عزّ فيها النصير ، فاستطاعت مقاومة التيار ، إلى أن عاد لها ألقها السابق ..

وفي الختام :
كان الأستاذ فريد الأطرش عازفاً بارعاً على آلة العود ، فخوراً بها وبأصالتها ، وفياً لها ولإمكاناتها ، في وقت عزّ فيه الوفاء  ، فثبّتها في عالم النجوم والأضواء ، إلى أن عادت لتأخذ مكانتها الأثيرة في فضاءات الموسيقى العربية ، بجهود عازفين مخلصين آخرين ، فكانت و كأنها ولدت على يديه من جديد..
د. سعد الله آغا القلعة

Tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.

  • هل تريد أن نعلمك عن جديد الموقع؟

    Loading